عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كريم عبد الله: يا حبيبتي.. أوَ لا تتذكرين؟

يا حبيبتي... أوَ لا تتذكرين كيف كانت الأرض تضيق بنا فنفتح في الحلم قارةً لا يطؤها أحد، وكيف كان الليل يخلع عن كتفيه عباءة الظلام ليجلس صامتاً يصغي إلى اللغة التي كانت تولد بين أنفاسنا؟

*

أوَ لا تتذكرين حين احتوانا سريرٌ واحد، ونحن عراةٌ إلا من العشق؟ كان الصباح يومئذٍ يؤجل ميلاده، وكانت النوافذ تغلق عيونها خجلاً كي لا ترى كيف يصير الحب وطنًا كاملاً يسكن قلبين.

*

أوَ لا تتذكرين حين طغى طوفانُ مدّي يكتسح خجلَ جزرِكِ المنتعش، وسمائي ترعد وتبرق عالياً صخباً حميمياً؟ كان البحر يتعلم من عينيكِ معنى الامتلاء، وكان الموج كلما لامس شاطئكِ عاد أكثر زرقةً، كأنه اكتشف أن للمياه قلباً إذا أحبَّ صار أغنيةً.

*

أوَ لا تتذكرين كيف كانت أصابعنا ترسم على الهواء خرائطَ لا يعرفها الجغرافيون، وكيف كانت المسافات تذوب بيننا كما يذوب الملح في حضن البحر، حتى غدا العالم اسماً واحداً هو اسمكِ؟

*

أوَ لا تتذكرين وأنتِ تتوسلين... أن يبقى للعشق سره الذي لا يبوح به إلا قلبان عرفا أن الحب ليس لقاءً عابراً، بل قدرٌ تكتبه النجوم على صفحة الروح؟

*

أوَ نسيتِ... أم أصبحتِ تتناسين ذاكَ الذي كان بيننا، وخمسةَ صولاتٍ لجيوشي حين اقتحمت فاتحةَ جزرِكِ النائية؟ لكنها لم تكن جيوشاً تعرف الهزيمة والانتصار، بل كانت أسرابَ شوقٍ تبحث عن مينائها الأخير، وكانت الجزر كلما استقبلتها أزهرت، وتحوّل الرمل إلى قصيدة، وتحوّل البحر إلى ذاكرة لا تستطيع الريح أن تمحو سطورها.

*

يا حبيبتي... إن الزمن لا يسرق إلا الوجوه، أما اللحظات التي خُلقت من نار المحبة، فتبقى معلقةً في أعلى شجرة القلب، تثمر كلما مرَّ اسمكِ على شفتي.

*

فإن كنتِ قد نسيتِ، فأنا ما زلتُ أسمع ذلك البحر كل ليلة، وأرى الجزر تلوّح من بعيد، وأرى المطر يتساقط من عيني السماء كما تسقط الذكريات من ذاكرة عاشق لم يتعلم كيف ينسى.

*

وما زلتُ كلما قلت: يا حبيبتي...أسمع الكون كله يردد بعدي: أوَ لا تتذكرين؟

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

في نصوص اليوم