عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

فؤاد ميرزا: ذاكرة الأمواج

أمواج البحر رأيتها في عيني جدتي...

كانت جدتي تحكي لي عن جدتها كما لو أنها تفتح باباً لم أره ولم أعيه ولم أتخيله، حكايات يخرج من كلماتها ضوء أخضر ورائحة خبز بعيد ودخان مواقد انطفأت قبل ولادتي بزمن طويل..

كنت أنظر إلى عينيها، فلا أرى عينين مثل عيون النساء العاديات، بل أرى البحر الذي لم أره قط.. بحر لا شاطئ له، في قاعه أعشاب خضر تتمايل ببطء. قلت لجدتي ذات مساء: "في عينيكِ ماء يا جدتي".

ضحكت ضحكة خفيفة..

قلت لها " رأيت في عينيك أعشاباَ، وحيتانا، ورأيت أسماكاً.. لا أعرف أسماءها"...

مدّت يدها ومسحت عينيها من الدموع ثم رأسى، بأصابع تشبه خوص سعفة يابسة:

 " هذه ليست أسماكاً يا ولدي، هذه هي مياه الشيخوخة. "

لكنني لم أصدقها. الأسماك لا تسبح في عيون العجائز، ولا تترك وراءها فقاعات فضية، ولا تختبئ بين الأعشاب الخضراء حين أحدّق طويلاً في العينين. كنت أعرف أن في عيني جدتي بلاداً كاملة، وأن كل بلاد لا بد أن يكون فيها ماء، وقوارب، ونسوة يغسلن القمصان على الصخور، ورجال يرحلون ولا يعودون إلا في الحكايات... كانت تضعني في غرفة نومها في سرير عالٍ، كأنه عشّ صغير معلّق على حافة العالم. كنت هناك استطيع أن ألمس سقف الغرفة،

وكانت الشقوق الرفيعة في الجص تشبه أنهاراً يابسة على خريطة قديمة. كان الضوء يدخل من النافذة ببطء، يزحف على الأرض مثل قطّ أصفر، ثم يصعد إلى حافة سريرها ويجلس قرب قدميها.. في تلك الغرفة لم أكن طفلاً عادياً. كنت كائناً محفوظاً في صندوق دافئ من الدعوات، ملفوفاً بصوتها، محروساً بأنفاسها، ومغسولاً كل صباح بنظرتها الخضراء.

لم أكن أعرف أمي كما يعرف الأطفال أمهاتهم، ولم أعرف إخوتي وأخواتي إلا كأصوات تأتي من خارج الغرفة، تمرّ قرب الباب ثم تبتعد. أما جدتي فقد احتفظت بي حتى سن الثامنة كما يحتفظ الفقراء بقطعة ذهب وحيدة مخبأة في ثنية قماش..

كنت ملكاً صغيراً في مملكة من مخدات ووسائد، وكانت هي الملكة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تاج، لأن التجاعيد التي حول عينيها كانت تكفي لتدلّ على عرشها.. أسألها كل ليلة أسئلة لا جواب لها. أسألها عن جدتها... ثم عن جدة جدتها.. ثم عن جدة جدة جدتها... أرفع أصبعي في الهواء وأرسم سلّماً من النساء يصعد إلى ظلام لا آخر له، وكنت أقول: كيف كنّ يا جدتي؟ هل كانت لهنّ عيون مثل عينيك؟ هل كنّ يضحكن؟ هل كنّ يخفن؟ هل كنّ يحببن رجالاً من وراء الجبال؟ هل كنّ يعرفن أنني سأولد ذات يوم وأسألك عنهن؟ جدتي تسكت قليلاً، ثم تنظر إلى الجدار كما لو أنها ترى عليه صوراً لا أراها أنا.. بعدها تبدأ الحكاية. كانت تقول إن نساءنا القديمات عشن في الوديان البعيدة، حيث كانت جبال زاغروس تقف مثل ظهور حيوانات عظيمة نائمة، وحيث كانت السحب تنزل أحياناً إلى مستوى البيوت، فتدخل من الأبواب كضيوف بيض، وتجلس قرب المواقد حتى يبتلّ الحطب من أنفاسها. كانت تقول إن هناك امرأة من جداتنا كانت تركض في الجبل أسرع من الغزلان، وإن شعرها كان طويلاً إلى درجة أنه إذا حلّ الليل ونامت، ظنّ الناس أن نهراً قد مرّ على الأرض بين الأزقة.. وتقول إن امرأة أخرى أحبت راعياً فقيراً، كان يعزف على مزمار من خشب البلوط، فإذا عزف تجمعت حوله الوعول، وانحنت بحزن كأنها تسمع حكاية نهاية حياة الفن والموسيقى وشهقات العشاق والجمال القصيرة في هذا العالم.. أحبته تلك المرأة، لكن أهلها أرادوا تزويجها لرجل يملك خيولاً كثيرة وقلباً فارغاً، فهربت ليلة اكتمال القمر، ولم يرها أحد بعد ذلك إلا في الينابيع، حين تهدأ وتصير فجأة أكثر صفاءً.. كنت أسألها: " وهل ماتت؟" فتقول: "كل من يدخل الماء لا يموت كما يموت البشر".. كنت أفتح عينيّ في الظلام الكثيف، وأفكر أن الموت ربما يكون باباً من أبواب الماء، وأن الذين نحبهم لا يختفون، بل يتحولون إلى سمك صغير يلمع في عيون الجدات... كانت جدتي لا تقول لي إن هذه الحكايات حقيقية، ولا تقول إنها مجرد حكايات خيالية. كانت تتركها قبل النوم بين الحقيقة والخيال، مثل رغيف ساخن، وكنت آكل منه حتى أشبع وأنام.... كانت لها قدرة غريبة على إحضار الموتى إلى منامي وأحلامي.. ما إن تذكر اسماً حتى يتحرك الهواء حولنا، وتصبح الستارة بيضاء أكثر مما يجب، ويصدر الخشب صوتاً خافتاً كأن أحداً جلس على كرسي غير مرئي. كنت ألتفت، فأرى ظلالاً طويلة تقف قرب الباب. رجالاً بملابس الكرد الفيليين، نساءً يحملن جرار ماء، أطفالاً وصبية و يافعات يخبئن رسائل حب في ضفائرهن.. شيوخاً يجرّون خلفهم عصياً وكلاباً وخرافاً... كنت أخاف، لكنها تقول:" لا تخف، هؤلاء أهلك"... فأشعر أن الغرفة تكبر. لا تعود غرفة صغيرة فيها سرير جدتي وسريري وخزانة ونافذة، بل تصبح وادياً، وجبلاً، وطريق قوافل، ومقبرة، وبستان نخيل وبرتقال وتين، وعرساً قديماً لم ينته بعد... تحكي عن طفولتها كما لو أنها طائر لم يكبر.. كل إنسان في حكاياتها كانت له طفولة، حتى الشيوخ الذين تخيلتهم بلحى بيضاء. كانت تقول إن جد جدتها كان طفلاً مشاكساً، يحاول أن يبهر الصبايا ببراعته وقوته ومهاراته.. قفز كبطل إلى جدول ماء، وخرج وعلى رأسه سمكة فضيّة لا زالت تتنفس، ومنذ ذلك اليوم أحبته الصبايا.. وصار يتنبأ بحدوث الطقس ونزول المطر قبل أن يأتي بثلاثة أيام.. وكانت تقول إن واحدة من النساء القديمات كانت تعرف لغة الريح. إذا أرادت أن تسمع خبراً من قرية بعيدة، خرجت عند الغروب، ورفعت كفها في الهواء، وانتظرت. كانت الريح تأتيها محمّلة بأصوات البشر، بصراخ الولادات، وبكاء الجنائز، وضحك العرسان، وشتائم الرجال في الأسواق. ثم تعود إلى البيت وتقول للناس ما سيحدث، فيحدث حقاً..

كنت أسأل:" وأنت يا جدتي، هل تعرفين لغة الريح؟" فتقول: " أنا لا أعرف لغة الريح.. أعرف لغة الحزن فقط. " ولم أفهم يومها أن للحزن لغة كاملة، لها حروف من ملح، وقواعد من انتظار، وأفعال لا تُصرّف إلا في زمن الفقد واليتم... كنت أحب جدتي حباً لا يشبه حب الأطفال. كنت أحبها كما يحب الغريق قطعة خشب، وكما يحب العصفور أول غصن يعرفه بعد الطيران. لم أحب أحداً في الدنيا كما أحببتها. كان العالم خارج غرفتها واسعاً ومشوّشاً ومليئاً بأقدام الكبار، أما قربها فكان العالم يأخذ حجمي، يصغر حتى أستطيع أن أضعه في كفي، وأقلبه مثل حجر أملس.

في الصباح كانت تجلس على حافة السرير، وظهرها منحنٍ مثل هلال قديم.. تلفّ شعرها الأبيض ببطء. كان شعرها يشبه دخاناً بارداً يتصاعد من نار انطفأت ولم يرد أن يغادر البيت. كانت تتمتم بأدعية لا أفهمها كلها، لكنني كنت أشعر أنها تبني حولي سوراً من كلمات وطلاسم وأن كل طلسم كان يحرسني من شرّ لا أراه... كنت أظن أن وجودها سيبقى إلى الأبد... الأطفال لا يفهمون أن الجدات يمتن... نحن نظن أن الجدات جزء من الأرض، مثل الآبار، مثل الأشجار الكبيرة، مثل الحجارة الكبيرة عند عتبات البيوت. نظن أنهن خُلقن قبل الزمن وسيبقين بعده، وأن الموت يأخذ الناس العاديين فقط، الناس الذين لا يعرفون كيف يحكون عن جدة جدة جدتهم...

لكن عام ١٩٦٢ جاء مثل غراب أسود، وقف على سطح البيت، ونفض جناحيه فوق رؤوسنا... في ذلك العام ماتت جدتي.. لم تمت كما يموت الناس في الحكايات. لم تتحول إلى غزالة، ولم تدخل ينبوعاً، ولم تترك وراءها مزماراً من قصبة بلوط. ماتت في السرير نفسه الذي كانت تجلس عليه وتفتح لي افقاً لا بوابه فيه إلى جبال زاغروس. فجأة صار السرير جبلاً خالياً، وصارت الوسادة حجراً أبيضاً، وصارت الغرفة أصغر من تابوت... نظرت إلى عينيها في الأيام الأخيرة، فلم أجد البحر كما كان. كان الماء ينسحب منهما ببطء، كأن مدّاً خفياً يأخذ الأسماك والأعشاب والحيتان إلى جهة لا أعرفها.

شعرت أن سقف الغرفة نزل على صدري. لم تعد الشقوق أنهاراً على خريطة، بل صارت شروخاً في قلبي. الضوء الذي كان يزحف مثل قط أصفر صار يدخل خائفاً، يقف عند الباب ولا يتقدم. حتى الهواء تغير. صار ثقيلاً، كأنه يحمل جسدها غير المرئي ويدور به في المكان.

بعد أشهر قليلة وفي بداية العام الجديد.. مات والدي. كأن الموت قد وجد باب بيتنا مفتوحاً، فدخل مرة ثانية دون أن يطرق... بعد موتهما لم أعد كائناً مقدساً على هذه الأرض.

***

فؤاد ميرزا

في نصوص اليوم