نصوص أدبية
الحسين بوخرطة: القطيع.. حين يفكّر
قبل أن يتذكّر الضوءُ اسمه، كانت هي قد سبقت الفجر بخطوة. تمشي… لا تترك أثرًا، كأن الأرض تعرفها فلا تحتاج إلى دليل. ترفع شفتيها قليلًا، فيولد من الصمت خيطٌ رفيع، يتّسع… يتّسع… حتى يصير طريقًا.
هناك، حيث لا أوامر ولا عصيّ، تتحرّك الكثرة كأنها فكرة واحدة.
لم يكن ما يجمعها بهم حبلًا مرئيًا. كان شيئًا أشبه بنداءٍ قديم، أقدم من الخوف… وأصدق من الجوع.
تمدّ يدها، فيقتربون. تتوقّف، فيسكنون. كأنهم تعلّموا الإصغاء لما لا يُقال.
كانت تُطعِمهم من خبزها، لكنهم لم يكونوا يأكلون فقط.
كانوا يقتاتون معنى.
وفي كل لقمة،
كان شيءٌ خفيّ يتشكّل:
تماسكٌ لا يحتاج إلى سياج.
من علٍ،
عينٌ لم تتعوّد أن ترى ما لا يُقاس.
توقّف الفارس،
وشعر، لأول مرة، أنه أمام ما يشبه المعجزة.
لا عصا… لا صراخ… لا فوضى.
ومع ذلك،
كان كل شيء في مكانه.
همس، كمن يلمس حدّ الفهم:
"كيف تُقاد الكثرة بلا قيود؟"
سؤال لم يرتطم بشيء.
في قاعةٍ تتثاقل فيها الكلمات،
انحنى الصوت الشاب أمام سلطةٍ اعتادت أن تستجيب.
لم يطلب…
بل تعلّق.
لم يشرح…
بل ارتجف.
كان يدافع عن صورةٍ لم تستطع الجدران أن تراها:
امرأةٌ لا تحكم…
ومع ذلك، تُطاع.
طال الصمت…
حتى بدا كأنه رفض.
ثم انكسر، دون اقتناع.
مرّت الأعوام.
لم يبقَ من الجبل إلا صدى.
عاد الابن، لا ليبحث عنها،
بل ليبحث عمّا تركته فيه.
وقف حيث كانت تقف،
وأصغى.
لا صفير…
لكن شيئًا في داخله كان يُنصت.
في المدينة،
تتبدّل القوانين كما تتبدّل الظلال.
الأوراق تقول شيئًا،
والهمس يقول شيئًا آخر.
يُطلب منه أن ينحني قليلًا، فقط قليلًا،
كي تسير الأمور.
ينظر إلى النصّ أمامه،
ثم إلى الفراغ خلفه.
يتذكّر… دون أن يرى.
في ليلةٍ بلا قرار،
جلس أمام صديقٍ لا يملك جوابًا.
قال، كمن يعترف بخسارةٍ غير مرئية:
"حين يصبح الاعوجاج طريقًا،
تبدو الاستقامة شذوذا."
توقّف.
ثم أضاف، بصوتٍ أخفّ:
"لكنني لا أعرف طريقًا آخر."
بدأ الاسم ينتشر…
لا كحكاية، بل كعدوى.
في الأزقة، في الساحات،
في العيون التي تعبت من التكرار.
لم يعد أحد يتحدّث عن راعية،
بل عن إمكان.
عن قطيعٍ… لم يعد قطيعًا.
حين وقف بينهم،
لم يكن في حاجة ليرفع صوته.
كان يكفي أن يصمتوا.
قال:
"ليست الكثرة ما يُخيف…
بل ما اعتادته الكثرة بدون تفكير."
نظر إليهم، كأنه يراهم للمرة الأولى:
"حين تُصغي… تفكّر.
وحين تفكّر… تختار."
في مكانٍ ما،
حيث يلتقي الحجر بالريح،
لا يزال أثرٌ لا يُرى.
ليس طريقًا…
بل احتمال.
ومن يمرّ هناك،
قد يسمع، إن أصغى جيدًا،
صوتًا خفيفًا،
لا يأمر…
بل يوقظ.
***
قصة قصيرة: الحسين بوخرطة






