نصوص أدبية

جليل المندلاوي: سِفْرُ الشَّتَاتِ

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ

والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ

​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ

وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ

​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني

خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ

​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي

أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

**

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً

عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب

​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً

عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ

​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني

والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ

​تعب ارتحالي والجهات تضيق بي

هل يرجع النصف المشتت تائبُ؟

**

​طَالَ الطَّوَافُ، فَمَا وَجَدْتُ بَقِيَّتِي

حَتَّى غَدَا نِصْفِي المَصُونُ خَرَائِبُ

​وَالآنَ ضَاقَ الصَّدْرُ.. لَا فَرَحٌ يُرَى

وَعَلَى جُـفُونِـي لِلْـمَوَاجِـعِ نَدَائِبُ

​يَسْتَوْطِنُ النصفَ العَلِيلَ شُحُوبُهُ

فَكَأَنَّ شَمْسِي فِي العُيُونِ مَغَارِبُ

​وَيَثُورُ شَيْبُ الرَّأْسِ دُونَ هَوَادَةٍ

يَـغْزُو غُــرُورِي وَالزَّمَـانُ يُـراقــبُ

**

​يا نصفي المنفي خلف توجعي

عد، إن عمري في غيابك شاحب

​فَارْحَمْ بَقَايَا الرُّوحِ بَعْدَ شَتَاتِهَا

إِنِّـي لِوَصْــلِكَ رَغْــمَ نَأْيِـكَ رَاغِــبُ

​لَـمْ يَبْـقَ مِنِّي بَـعْدَ فَقْدِكَ نَبْـضَةٌ

فَـإِلَـى مَـتَى تبْـقَى بعـيداً غـائـبُ؟

​مَا عُدْتُ أَقْوَى فَالْمَسَافَةُ غُصَّةٌ

وَالصَّبْرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَصَائِبُ

**

​وَمَضَيْتُ أَسْأَلُ عَنْ كَيَانِي: مَنْ أَنَا؟

وَقَفَ المِدَادُ وَفِي السُّطُورِ غَيَاهِبُ

​أنا نقطـة تاهـت بسـطر مواجـعي

والسـطر يمضـي والكـتاب غرائـب

​أَنَا مَـنْ أَنَا؟ إِنْ لَـمْ أَجِدْنِـي كَامِـلاً

فَـالكُـلُّ دُونَ وُجُـــودِ ذَاتِــي كَـاذِبُ

​أَنَا مَنْ يُصِـيغُ مِنَ المَوَاجِـعِ عِـزَّهُ

لَا يَنْـحَـنِي.. وَلَــهُ الشُّـــمُوخُ مَـآرِبُ

***

جليل إبراهيم المندلاوي

في نصوص اليوم