نصوص أدبية

نسرين إبراهيم: هنا ترقد الحياة.. بلاط صاحب الظل الطويل

في هذا المدى الذي يظنه العابرون صمتاً، وجدنا نبضاً لا يهدأ.. هنا ترقد الحياة.

 لم يكن رحيله مجرد غياب، بل كان هجرةً لجسدٍ ترك وراءه ظلاً طويلاً لا يغيب، وعيوناً سومريةً لا تزال تحرس تفاصيلنا من وراء الغمام.

هنا كان يهمس لـ "البيضاء الفراتية" وصيته التي صارت دستوراً: أن تكون كـ الدلة الذهبية الصفراء؛ شامخةً لا تنحني إلا للكرم، ولا تفيض إلا بالطيب....

علّمها أن الأنفة تليق بنساء الفرات، وأن الوقوف بوجه الريح طقسٌ ملكي لا يتقنه إلا النبلاء.....

وحين ترجّل صاحب الظل الطويل، غابت معه تلك الفراشات الضوئية التي كانت تنير ليل "الفراتية"، لكن غرفته بقيت محراباً يعيدنا في كل مرة إلى تفاصيل حياةٍ باذخة الجمال.

هناك، حيث يربض الراديو القديم، لا تزال نجاة الصغيرة تشدو بصوتها المخملي: "عيون القلب سهرانة ما بتنامشي.. لا أنا صاحية ولا نايمة ما بقدرشي" وكأن صوتها يرمم شقوق الجدران، ويستحضر طيفه الجالس في ركنه المعتاد، ليعيد ترتيب فوضى الحنين بتلك التقاليد الملكية التي لا تموت.

لقد كانت هناك فراشات صغيرة، تفتح لنا كل مساء باب الطمأنينة؛ ذلك الباب الذي بقي موارباً بانتظار تلك الفراتية، لتخطو بكل شوقها نحو بلاطه الذي ترقد فيه حياة؛ فتدخل، وتستعيد من سكونه القوة، ومن شدو نجاة الأمل، ومن رُقاده روحاً أبت أن يطويها النسيان....

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

في نصوص اليوم