نصوص أدبية

سعد غلام: أَصْدَاءٌ فِي الْمِرْآةِ

أ- [الصَّوْتُ الدَّاخِلي]

مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي دَاخِلي حِينَ أَسْكُتُ؟

الصَّدَى لَا يَمْلِكُ صَوْتًا، لَكِنَّهُ يُعيدُ سُؤَالي،

كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَنَا، بَلْ ظِلُّ سُؤَالٍ بِلَا جَوَابٍ،

يَمْشِي في مِرْآةٍ مَكْسُورَةٍ، يَتَقَطَّعُ كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ

أُنَاظِرُهُ.. أُحَاوِلُ أَنْ أُسْكِتَهُ.. فَيَزْدَادُ صَوْتًا،

كَأَنَّني أَتَكَلَّمُ إِلَى ظِلِّي.. وَالظِّلُّ يَتَكَلَّمُ إِلَى ظِلِّهِ

وأَعْرِفُ أَنَّ الصَّوْتَ الَّذي في دَاخِلي لَيْسَ أَنَا،

بَلْ أَنَا الَّذِي أَسْكُنُ فِي صَوْتِهِ.. فَإِذَا سَكَتْتُ.. صِرْتُ هُوَ

وَإِذَا نَطَقْتُ.. صِرْتُ صَمْتًا.. فَأَعُودُ إِلَى الظِّلِّ..

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَنَا.. بَلْ كُنْتُ سُؤَالًا يَسْأَلُني

ب- [المِرْآةُ]

نَظَرْتُ فِي المِرْآةِ فَلَمْ أَرَ وَجْهي،

رَأَيْتُ طِفْلًا يَنْتَظِرُ أَبَاهُ، وَشَابًّا يُوَدِّعُ حَبِيبَتَهُ،

وَشَيْخًا يَنْسَى اسْمَهُ.. وَامْرَأَةً تَبْكِي عَلَى صُورَةٍ قَدِيمَةٍ،

فَقُلْتُ: "أَيْنَ أَنَا في كُلِّ هَذَا؟"

فَأَجَابَتْ: "أَنْتَ الصَّمْتُ بَيْنَ المشَاهِدِ.. أَنْتَ الْفَجْرُ الَّذي لَمْ يُشْرِقْ بَعْدُ"

وَأَعْرِفُ أَنَّ الْمِرْآةَ لَا تَكْذِبُ.. بَلْ تُرَاوِغُ،

تُرَاوِغُني حَتَّى أَصِيرَ ظِلًّا.. حَتَّى أَصِيرَ سُؤَالًا..

حَتَّى أَصِيرُ أَنَا.. فَإِذَا صِرْتُ أَنَا.. انْكَسَرَتِ المِرْآةُ،

وَانْتَثَرَتْ أَسْقَاطُهَا.. فَوْقَ كُلِّ وَجْهٍ كُنْتُ أَحْمِلُهُ..

وَصِرْتُ أَنَا الْمِرْآةَ.. وَصِرْتُ أَنَا الظِّلَّ.. وَصِرْتُ أَنَا الصَّمْتَ

ج- [صَدًى يَكْتُبُني]

أَسْمَعُ صَدًى يَكْتُبُني في الظُّلْمَةِ،

يَكْتُبُني ثُمَّ يَمْحُوني.. يَكْتُبُني ثُمَّ يَمْحُوني،

كَأَنَّني كَلِمَةٌ لَا تُرْضي القَارِئَ.. فَأُعَدِّلُ مِنْ حَرْفي..

فَأُصْبِحُ حَرْفًا آخَرَ.. فَأُصْبِحُ صَمْتًا آخَرَ..

وأَعْرِفُ أَنَّني لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنَا الصَّدَى الَّذِي يَكْتُبُني..

وَإِذَا كَتَبْتُ.. صِرْتُ أَنَا.. فَإِذَا صِرْتُ أَنَا.. انْطَفَأَ الصَّدَى

وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَنَا.. بَلْ كُنْتُ صَدًى يَبْحَثُ عَنْ صَوْتٍ،

فَإِذَا وَجَدَهُ.. صَارَ صَمْتًا… فَصِرْتُ أَنَا.. فَصَارَ الصَّدَى أَنَا

د- [الكَلِمةُ تُولَدُ مِنْ رَمَادٍ]

أُوقِدُ الرَّمَادَ.. أُنَفِّخُ فِيهِ.. فَيَنْبُثِقُ حَرْفٌ صَغيرٌ،

أَضَعُهُ على الوَرَقةِ البَيْضاءِ.. فَتَبْكي.. فَتَضْحَكُ.. فَتَحْتَضِنُهُ،

أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ اسْمَكِ.. فَأَجِدُ أَنَّ الِاسْمَ لَيْسَ اسْمًا.. بَلْ نَبْضَةً،

فَأَكْتُبُ النَّبْضَةَ.. فَتَكْبُرُ.. فَتَصِيرُ قَصِيدَةً.. فَتَصِيرُكِ

وَأَعْرِفُ أَنَّ الكَلِمةَ لَمْ تَمُتْ.. بَلْ كَانَتْ تَنَامُ،

فَأَنْتَبِهُ لَهَا.. فَتَنْطِقُ: "أَنَا هُنَا.. أَنَا هُنَا.. أَنَا هُنَا.."

فَأَصْبِحُ أَنَا الكَلِمةَ.. وَأَصْبِحُ أَنَا النَّبْضَةَ.. وَأَصْبِحُ أَنَا أَنْتَ

هـ - [المِرْآةُ الأَخِيرَة]

أَقِفُ أَمَامَ المِرْآةِ الأَخِيرَةِ.. أُقَبِّلُهَا.. أُعَانِقُهَا.. أُبْكيهَا..

أَقُولُ لَها: "أَنَا لَسْتُ أَنَا.. بَلْ أَنَا أَنْتِ.. فَاكْتُبِيني.. وَلَا تَمْحِيني"،

فَتَنْشَقُّ المِرْآةُ.. وَأَمْشي.. وَأَعْرِفُ أَنَّني لَمْ أَعْبُرْ المِرْآةَ..

بَلْ عَبَرْتُ نَفْسي.. وَصِرْتُ أَنَا المِرْآةَ.. وَصِرْتُ أَنَا الصَّمْتَ.. وَصِرْتُ أَنَا أَنَا

و- كُودَا

[هَمَاهِمُ الصَّدَى الأَخِير]

يَهْمِسُ فِيَّ صَدًى يَمْتَدُّ كَنَبْضٍ

يَعْرِفُ وَجْهِي.. وَأَعْرِفُ نُورَهْ.

كُلَّمَا قُلْتُ: "مَنْ أَنَا؟" جَاءَ ظِلٌّ

يَحْمِلُ صَوْتِي.. وَيَمْحُو صَوْتَهْ.

فَإِذَا أَغْمَضْتُ لِلصَّمْتِ رُوحِي

قَامَتْ مِرْآةٌ تُضِيءُ صَدَفَهْ.

وَإِذَا قُمْتُ.. قَامَ مِنِّي ظِلَالٌ

تَكْتُبُنِي فِي انْحِدَارِ وُجُودَهْ.

حَتَّى إِذَا انْفَتَحَتْ فَوْقِي رُؤَايَا

قُلْتُ: "قَدْ جِئْتُ.. هَذِهِ نَفْسِيَ هَذِهْ"

فَانْطَوَى الصَّوْتُ فِي دَمِي، ثُمَّ سَارَتْ

كَلِمَةٌ مِنِّي.. تُشِعُّ مِرَاتَهْ.

وَعَرَفْتُ -آخِرَ الْمَسَارِ - أَنَّ صَوْتي

لَمْ يَكُنْ صَوْتًا.. بَلْ كَانَ مَرْآتَهْ

***

د. سعد غلام

 

في نصوص اليوم