يمثل السيد البروجردي ت 1961 نقطه تحول مهم في مجال المنهج الفقهي والرجالي وفقه التقريب وكان زعيم التقريب وبين المذاهب الإسلامية وزعيم الشيعة بالعالم والمؤسس الثاني لحوزة قم في ايران
ولد السيد البروجردي في 1292 هـ، وأتم دراسة المقدمات في مسقط راسه، ثم هاجر الى أصفهان وهي احدى الحواضر العلمية المهمة لاستكمال دراسته وحضر عند كبار علمائها مدة عشر سنين ثم هاجر الى النجف عاصمة المعرفة الشيعية عام 1320 هـ وحضر عند الآخوند الخراساني وشيخ الشريعة الاصفهاني. وكان الآخوند الخراساني من ابرز اساتذته وقد بان أثره وآراؤه على السيد البروجردي وحمل منه إجازة الاجتهاد وكان معه السيد اليزدي الذي لم يمنحه اجازه الاجتهاد، فلم يبال فاشتغل بالتدريس والتصنيف وكان يحضر مجلس بحثه سبعون مجتهداً، وقد ربى عددا من النابغين. ومن طلابه الشيخ مرتضى مطهري. ثم عاد الى بروجرد وكان اساتذته من اكبر علماء أصفهان.
ومن ابتكاراته: نقده لكتاب وسائل الشيعة للحر العاملي وقد قام بإعادة ترتيبه بشكل أكثر يسراً. فاعاد تصنيف كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي بمنهجية جديدة تستبعد الإشكاليات التي حفلت بها ومنها انه فرّق ما ينبغي ان يجمع، وجمع ما ينبغي ان يفرّق ومنها ما أورده الحر العاملي كبعض الأحاديث في غير مواضعها. فكان جهده سعياً وراء مؤلف حديثي جامع بديلاً لوسائل الشيعة فحقق هدفه في فترة مكوثه في قم من خلال تشكيله لجنة متخصصة لإصدار (جامع أحاديث الشيعة) وختم حياته بإصدار هذه الموسوعة الكبرى المهمة والضرورية للمجتهدين.
1- تجريد اسانيد الكتب الأربعة:
لقد وجد البروجردي في الاسانيد ظاهرة الاشتراك ووجد عللا أخرى كالتصحيف والقلب والزيادة والنقص وبالتتبع للأسانيد عمل على تجريد اسانيد كتاب الكافي والتهذيب والاستبصار وكتاب الفقيه للصدوق فعمل على تخليصها وقد استغرق هذا العمل ستة وثلاثون عاماً.
2- نقد المتون الأصولية والفقهية:
من خلال الممارسة العلمية وجد البروجردي انه لا يعول على كتب الأصول السائدة فعمل على تنقيح بعض المباني في فترة إقامته بالنجف، فكتب حاشية على كفاية الآخوند في ثلاثة مجلدات ولم تكن هذه المحاولة مجرد حاشية انما كانت مدونة أصولية مستقلة فيها قدر ممتاز من النقدية.
3- اعتناؤه باستحضار الدليل:
لقد اعد السيد البروجردي لكل فرع فقهي ملفاً كاملاً فيه كل الأدلة والمباني التي يستند اليها، وقد تتبع فيه كل كلمات الفقهاء على مسلك العلامة الحلي في المختلف وكان يراجعها دائماً كلما اشتغل على ذلك الفرع فامتلك مذاقاً فقهياً عالياً واستنتج بان أكثر الكتب الفقهية للفقهاء المتقدمين حتى عصر الشهيد الأول 786 هج كانت فتاواهم بلسان الاحاديث بما يسمى (بالفقه الروائي) ولم يكن لبعضها مستند حديثي وهذا يكشف ان بعض الروايات قد ضاعت فقد كانت لها شهرة الفتوى عند القدماء، فانعقد عزمه على الوصول الى المتون الفقهية بمراجعة النسخ الخطية للكتب الأربعة) وقد كان هذا محتوى كتابه (الجوامع الفقهية) حتى انه طلب الحصول على بعض النسخ الخطية للكتب الحديثة الأربعة لكي يتتبع كتب الفقهاء القدماء.
وقرر البروجردي من الضروري أن تتم معرفة زمان صدور الرواية ومكانها وإذا كان لعلماء المذاهب الأخرى إشارة الى ذلك النص فينبغي معرفة آرائهم، وعموماً كان يوجه بدراسة الخصوصيات، وموارد الاطلاقات، من خلال تنظيم ملفات فقهية لكل فرع، وقد طبق هذا البرنامج في كتابه (حاشية على العروة الوثقى).
مزايا بحث السيد البروجردي العلمية: للبحث الفقهي عند البروجردي عدة مزايا:
1- تشذيب الدرس الفقهي من الزوائد فهو مثلاً يجمل استدلالات صاحب الجواهر العشرة بدليلين جامعين بدل العشرة
2- يدقق البروجردي كثيراً في روايات المسألة الفقهية بالبحث السندي والطبقات وقلما يلجأ للأصول العملية
3- يركز مسلكه في بحث الفرع الفقهي على عرض آراء الفقهاء على مختلف أزمانهم من كتب العامة والخاصة، ويطلّع على مدونات الفقه المقارن من مختلف المذاهب مع التدقيق في ازمنة صدور الكتب المقارنة. بعد عرض مسارها التاريخي يتناول استدلالاتهم مقارباً طريقة استاذة الخراساني.
وما يميزه انه شديد الاهتمام بالفقهاء الآباء مثل ابن ابي عقيل العماني ت (٣٦٨ هـ) وابن الجنيد (٣٨١هـ)
4- كان يرى ان الشهرة في الاصول المتلقاة عن المعصومين انها حجه، اما في المتفرعة منها -اجتهاداً كالاجماع -فعنده لا يجرى فيها.ولاحجة فيه
5- كان يرى ان فقه المذاهب هو الفقه الحاكم في الوسط الاجتماعي والرائج بين المسلمين، ويقرر ان ذهنية اصحاب الائمة كانت مشبعة بهذا الفقه الرائج ويعتقد ان الاطلاع على فقه المذاهب يساعدنا كثيرا في فهم الابهامات وخفايا الروايات ومشكلات التعارض اذ ان فقه علماء المذاهب وأحاديثهم بمثابة القرائن المنفصلة وهو في ذلك على خلاف مع فقهاء حوزة النجف التي كانت ترى ان فقه الشيعة لم يكن ابداً حاشية على فقه السنة، لأنه أكثر دقة.
6- لقد أهمل المتأخرون كتب الشيعة الفقه المقارن مثل كتاب الخلاف للطوسي، فأمر بنشره وتحقيقه.
7- لأنه يبحر في علم الرواية ويغوص في طياتها فلم تعد الأصول العملية ملاذاً لاجتهاده.
8- ناقش دليل الانسداد كذريعة لقبول الخبر الواحد، وأثبت ان حجيته تقوم على أساس حجية الظن المطلقة.
9- أسس البروجردي مدخلاً علمياً لما حصل بعده مثلاً في محاولة معجم رجال الحديث باستخدام دقيق لعلم الطبقات بحيث يتم تلافي علة الارسال فيما اشتهر بانه مرسلاً وهذا يقتضي عمقاً متفرداً في علم الرجال شبيه بحالة كتاب ابن عبد البر النمري (التمهيد لما في اسانيد الموطأ).
10- تبنى الروجردي نهجا علميا في النزعة التقريبية مع المذاهب الأربعة وتواصل مع الشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر وتأسس مشروع التقريب في القاهرة بدافع وحدة المسلمين، وعليه فهو يحرّم إهانة رموز ومقدسات اهل السنة وكل ما يسيء الى معتقداتهم
11- اختار البروجردي مواجهة الغلو في الاعتقادات ولاسيما في ممارسة شعائر عاشوراء ولم يسمح بإظهار ما هو دخيل وما فيه قدر من الغلو.ومنه رفضه لسلوك معمم سجد على عتبة حرم الامام الرضا (ع) ورفضه تقبيل يده واقدامه.
12- تحفظ على طبع كتاب (بحار الانوار) وعلى الأقل رفض طبع ما يخص الفتن والمطاعن.
13- رغم انه تلميذ الآخوند الخراساني منظّر المشروطة الكبير والمتأثر به علمياً الا انه لم يكن معه على وفق مبدأ الاحتياط، وقد تذرع بان مثل هذه القضايا الكبرى مثل تأميم النفط وتحديد الملكية الزراعية. والدولة الدستورية من الأمور التي تحتاج دراية عالية ومستوعبة وحساب للنتائج فلم يقف ضدها ولم يؤيدها
14- رفض سلوكيات نواب صفوي وحركته (فدائيان الإسلام) ودعا الى ممارسة سياسة هادئة ومتأملة.
15- في صدد موقفه من ولاية الفقهية يرى سماحته ان نطاق ولاية الفقيه الثابتة في الأدلة محصور في الأمور الحسبية، اما ادلة الولاية العامة فلم تسعفها الأدلة عنده لكنه لم يعلن مخالفته القاطعة لها.
16- عن طريق عالم إيراني نقلت له النظرية النسبية لأينشتاين فتساءل عنها كثيراً وعن ذلك العالم وكلف العالم الإيراني بإبلاغ سلامه الى اينشتاين واعتبرها فتحاً علمياً يفضي الى ما بعد الطبيعة، وقد تناغم هذا مع انفتاحه على الاتجاهات الدينية المتعددة باعتبار ان نسبية المعرفة هي من معطيات نظرية أينشتاين.
17- تسجل لليروجردي رغبته في فتح مدارس ابتدائية وثانوية اكاديمية تدار من أساتذة غير رجال الدين، وكان يريد ان يرى تديناً ليس من خلال الجهل، واجاز صرف أموال كثيرة لتأسيس بعض المدارس.
***
ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد








