عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

علي حسين: كيف تصبح قارئاً مثل هيرمان هيسه؟

في السادسة عشرة من عمره وبعد أن أيقن أن مسيرته المدرسية ستنتهي بالفشل، قرر أن يعمل بائعاً للكتب ليحصل على المال، وأيضاً ليكون قريباً من عالم يعشقه جداً؛ فهو يتذكر أنه خلال فترة صباه كانت مكتبة جدّه المليئة بأمهات الكتب تثير في نفسه السعادة: «قرأت نصف أدب العالم منكبّاً على تاريخ الفن واللغات والفلسفة، بمثابة ما من شأنه أن يؤهّلني للنجاح في أيّة جامعة اعتيادية». كان قد عمل من قبل ميكانيكياً، لكنه وجد في مهنة بيع الكتب متعة وفائدة أكبر من العجلات والبراغي والمفكات التي اضطهدته، وأثناء عمله انغمس في قراءة التاريخ: «لاحظت أن في المسائل الروحية تكون الحياة في الحاضر المعاش والأكثر معاصرة غير محتملة تماماً وخالية من أي معنى. ومن الممكن فقط الوصول إلى الحياة الروحية بالعودة المستمرة إلى ما هو ماضٍ؛ إلى التاريخ، إلى القديم، إلى البدائي». ومن أجل العيش مع التاريخ انتقل من مخزن الكتب الذي يبيع الكتب الحديثة إلى مكتبة متخصصة بعرض كل ما هو قديم من كتب ومخطوطات. اكتشف هيرمان هيسّه من خلال عمله في المكتبة أن حياته متعلقة بالكتب، وكان يستمتع كثيراً حينما يجد نفسه لوحده مع الكتب: «ها أنا ذا وحدي بمحض إرادتي، وحيد وسعيد بوحدتي مع الكتب.. فمن بين العوالم العديدة التي لم يرثها الإنسان من الطبيعة بل صنعها بعقله، يُعدّ عالم الكتب أعظمها. وإذا أراد المرء أن يختزل تاريخ الروح الإنسانية في حيز صغير، في بيت واحد أو غرفة واحدة، وأن يجعله ملكاً له، فلن يجد سبيلاً لذلك إلا في صورة مجموعة من الكتب ".

كان هيسه يسخر من الذين يرددون أن زمن الكتاب انتهى، وكان يقول إن ما يمنح الكتاب الثبات الراسخ هو طابعه السحري، وهو طابع ثابت لا يتغير ولا يمكن استبداله: "لم يتغير شيء في عالم الروح منذ أن ترجم لوثر الكتاب المقدس واخترع غوتنبرغ الطباعة". لا يزال السحر قائماً، ويؤكد هيسه أن مع كل كتاب نقرؤه تتغير بوصلة حياتنا، حيث يعرض لنا كل كتاب إلى أي مدى يمكننا النظر إلى العالم من وجهات نظر متباينة.

ما زلتُ أتذكر قراءتي الأولى لرواية سيدهارتا، كان ذلك في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كان هيرمان هيسه آنذاك شبه مجهول بالنسبة لي، قرأتُ أشياء قليلة عنه، ومنها موضوع شيق نشره المترجم الراحل سامي محمد في مجلة الأقلام منتصف السبعينيات بعنوان "هيرمان هيسه بقلمه". في بداية الثمانينيات وصلت رواية سيدهارتا إلى المكتبة، صدرت ضمن منشورات وزارة الثقافة العراقية، ترجمة الراحل سمير علي وهو مترجم قدير لم ينل حقه من الاهتمام. لاحظتُ أن الرواية بدأت تنفد نسخها بسبب الطلب المتزايد عليها، وكنتُ على علاقة بالمترجم الذي كان يزور المكتبة بين الحين والآخر، فقررتُ أن أعرف منه حكاية سيدهارتا، ولماذا يُقبل عليها القراء رغم أن الكاتب غير معروف، وخصوصاً بالنسبة لي، فقد كنتُ أوهم نفسي آنذاك بأني خبير في عالم الرواية. بخجله المعروف قال لي سمير علي: "هيرمان هيسه واحد من فلاسفة الرواية، في أعماله وخصوصاً رواية سيدهارتا يحاول أن يفهم العالم فيه، فهو يؤمن أننا نعيش في عالم لا يوجد فيه سوى إجابات قليلة على الأسئلة التي تؤرق حياتنا، وهو يمزج الأسطورة بالواقع".

بعد جواب سمير علي المقتضب أخذ الفضول ينهشني، التقطتُ نسخة من الرواية وضعتها في درج المكتبة لأحملها معي إلى البيت، وكنتُ إذا قررتُ قراءة رواية لكاتب مجهول بالنسبة لي،  أتذكر ما قاله لي ذات يوم الراحل الكبير جبرا إبراهيم جبرا: "إننا نعيش زمن الرواية، ذلك الفن الذي يمكن أن يستخدمه القارئ كوسيلة استقصاء تضيء له الوضع الإنساني بأفراحه وأحزانه".

يكتب هيرمان هيسه: "يمكن اعتبار رواياتي بمثابة سير ذاتية لروحي. إن هؤلاء الأبطال الذين يسعون بشغف إلى اكتشاف ذواتهم هم في الواقع انعكاس لي"، وهو يعترف بأن الكتابة تساعده على السير في رحلة البحث عن الذات، فالطفل الذي أراد والداه أن يسير على خطاهما، لم يتحمل قمع الذات، فقاوم وهدد ذات يوم بالانتحار، عمل في عدة مهن، كل ذلك كان رحلة لاستكشاف ذاته الحقيقية. ولكن ما هي الذات، وكيف نصبح أنفسنا؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها هيرمان هيسه في رواية "سدهارتا"، ويحاول بطل الرواية الإجابة عنها: "كان سدهارتا يتعلم شيئاً جديداً مع كل خطوة في طريقه؛ لأن العالم قد تحرك.. رأى المرئي وأدركه وأصبح يبحث عن مكانه في هذا العالم".

مرت سنوات طويلة منذ أن قرأت رواية "سدهارتا"، لكن قراءاتي عن الفلسفة البوذية ذكرتني بصفحات من الرواية لا يمكن أن أنساها، وخصوصاً الفصل الأخير الذي كنت أحفظ منه بعض المقاطع، وهو المشهد الذي يلتقي فيه "سدهارتا" مع صديقه القديم: "غوفندا"، وقد أصبحا الاثنان كبيرين في السن.

إذا قرأت الرواية ستتذكر حتماً أن الصديقين "سدهارتا وغوفندا" يسافران إلى مدينة "سافاثي" الهندية للبحث عن "غوتاما"، السيد المستنير، والتحدث معه، إلا أن طريق كل منهما سيتغير، غوفندا يُصبح راهباً بوذياً، فيما يقرر سدهارتا أن يعمل في مركب يحمل البضائع، ليقضي بقية حياته بالقرب من النهر، في الفصل الأخير من الرواية يلتقي سدهارتا وغوفندا مجدداً:

(كبيراً تجاه الرهبان والحجاج، لقد عبرت بالكثير منا. أولست أنت أيضاً باحثاً عن الطريق الصحيح ؟ ".

ظهرت ابتسامة في عيني سدهارتا وهو يقول:" هل تسمي نفسك باحثاً يامحترم، أنت المتقدم في السن والذي ترتدي رداء رهبان غوتاما ؟ ".

فقال غوفندا:" صحيح أنني مسن، لكنني لم اتوقف عن البحث أبداً. ولن اتوقف ابداً. يبدو ان هذا قدري. ويبدو لي أنك أنت أيضا قد بحثت. فهلا حدثتني قليلا عن بحثك ياصديقي ؟ ".

قال سد هارتا:" ما الذي يمكا أن أحكيه لك ويكون له قيمة باستثناء القول إنك تبحث كثيرا وان نتيجة بحثك ألا تجد شيئاً ".

- كيف ذلك؟ 

- عندما يكون امرؤ في حالة البحث، يحدث بسهولة ألا يرى إلا الشيء الذي يبحث عنه، وأن يعجز عن العثور على أي شيء أو الاستغراق في أي شيء لأنه لا يفكر إلا في الشيء الذي يبحث عنه، لأن لديه هدفاً، ولأن هدفه يستحوذ عليه. البحث يعني أن يكون لديك هدف. ولكن العثور يعني أان تتحرر، أن تصبح قابلاً للتلقي، ألا يكون لك هدف.وربما كنت، يامبجل، باحثاً فعلاً، وانك في بحثك وسعيك نحو هدفك لا ترى أشياء كثيرة هي تحت بصرك).

في هذا المقطع من الرواية يُسلّط هيرمان هيسه الضوء على قصور مفهومنا للحقيقة، والسعادة، والذات، وأي شيء آخر نسعى إليه، وهذا السعي يقودنا إلى سؤال مهم: ماذا يحدث بعد أن نبحث؟ أو بالأحرى ماذا يعني أن نبحث وأن نسعى نحو هدف معين؟ يخبرنا سدهارتا أن ما وجدناه لم يكن غاية كل شيء. يرى سدهارتا أن الإنسان إذا ما أراد أن يكتسب السعادة في حياته فإن هناك طريقة «وسطية» بين الانغماس الذاتي وكبح الذات، وهذه الطريقة الوسطية يجب أن تؤدي إلى السعادة. أدرك سدهارتا أن المعاناة أمر كونيّ، فهي جزء أساسي من الوجود، والسبب الرئيسي لمعاناتنا هو إحباط رغباتنا وتوقعاتنا. وقد سمّى هذه الرغبات «التعلّق»، وهي لا تتضمن رغباتنا الحسية وطموحاتنا الدنيوية فحسب، وإنما فطرتنا الأساسية في الحفاظ على الذات، وإشباع هذه الأمور التي تتعلق بها قد تجلب إحساساً بالامتنان قصير المدى، لكنها لا تجلب السعادة بمعنى الرضا وراحة البال. إن القبول الهادئ لا يعني موقفاً سلبياً من الحياة، ولا قدَريّة محبطة. إن هذا القبول الهادئ ينظّم التطلعات، ويضبط الرغبات، ولا يعني تنحيتها جانباً ولا الإعداد لرفضها، بل بالعكس، أن يكون الإنسان قادراً على تلبيتها في اكتمالها، فالذي يركّز اليوم على ما هو تحت تصرفه، يتجنّب الإرهاق الذي لا طائل من ورائه، والإحباط الذي يشكك في كل مبادرة، ويمنح نفسه سعادة مضاعفة.

يكتب هرمان هسّه في دفتر يومياته: «طالما كانت الأشجار بالنسبة لي أكثر الواعظين تأثيراً. أُبجّلها عندما تعيش في قبائل وعائلات، في الغابات والبساتين. بل وأُبجّلها أكثر عندما تقف وحيدة. إنها كأشخاص وحيدين. لا كالنسّاك الذين انزووا في عزلة بسبب ضعف ما، بل كرجال عظماء منعزلين، كبوذا ونيتشه».

في خطابه أمام لجنة نوبل يصف هيرمان هيسّه رواياته: «إن هذه الكتابات محاولة من أجل تجاوز مرض العصر، وليس عن طريق الالتفاف حوله، وإنّما من خلال تحويل هذا المرض نفسه إلى موضوع للتصوير الأدبي. إن هذه الكتابات تعني حرفياً السير وسط النار، السير من خلال الفوضى وعالم الروح المكفهر بشعور الخوف تارة وشعور بالشجاعة تارة أخرى، وبإرادة قوية في عبور الجحيم ومواجهة الفوضى واحتمال الشرور".

كانت (لعبة الكريات الزجاجية) آخر رواية يكتبها هيسّه الذي حصل بعد نشرها بثلاث سنوات عام 1946 على جائزة نوبل للآداب، ليتفرغ بعدها لهوايته المحببة الرسم، حيث اعتاد سكان الحي الذي فيه بيته أن يشاهدوا كل يوم الرجل الذي كانوا ينعتونه بـ «المتمرد» وهو يعتمر قبعة من القشّ وحقيبته على كتفه، حيث كان يحمل معه فرشاة الرسم والأصباغ والألوان. في يومياته يكتب هيسّه: «إنني أعيش في وحدة كاملة، ولا أعرف شيئاً عن العالم، أقرأ وأرسم كثيراً وأستمع إلى الموسيقى التي تساعدني على التأمل». في التاسع من آب من العام 1962، أُعلن عن وفاة هيرمان هيسه عن عمر 85 عاماً.

ما الذي نشعر به كقراء ونحن ننتهي من السطور الأخيرة من رواية "سدهارتا": "انحنى مطأطئاً حتى الأرض أمام الرجل الجالس هناك بلا حراك، والذي ذكرته ابتسامته بكل ما سبق له أن أحبه في حياته، وبكل ما سبق أن كانت له قيمة أو قدسية في الحياة". ربما نشعر برغبة في التغيير، والتحرر من قيود حياتنا الماضية. لكن مع هذه الرغبة، ربما نواجه سؤالاً محيراً للغاية. إنه نفس السؤال الذي واجهه سدهارتا: ما الذي يجب عليّ فعله بحياتي؟ في رواية هيرمان هيسه تتغير حياة سدهارتا باستمرار، ونجده في النهاية يرتضي العيش على ضفاف النهر، لكنه يصل إلى ذلك بعد أن عاش حياةً متعددة، مثلما مارس هيرمان هيسه وظائف متعددة قبل أن يصبح كاتباً. تعلمنا رواية سدهارتا أن الحكمة لا تُكتسب بالكلام، فالتجربة هي المعلم الوحيد.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

في المثقف اليوم