روافد أدبية
شهربان معزي: جملُ المحامل يا علي..
عليّ صبيٌّ كَبُر قبل أوانه! انخرط في عمالة الأطفال السوريين الذين نزحوا إلى الأردن بعد اندلاع الحرب الطائفية في بلاد الشام. أدرك عليّ أنّ نزوحه ليس نزهةً أو رحلة، بل هروبٌ من حربٍ ضروس أودت بحياة والده، وحوّلت بيته الكبير، الزاخر بالحب والأماني العِذاب، إلى كومة حجارة، وأجبرته أن يعيش في خيمةٍ ممزّقة في مخيم للاجئين، مع والدته وأخواته القاصرات الثلاث وجدته المُسنّة.
عليّ، الصبيّ حلو الملامح، الذي كان يحلم أن يصبح طبيبًا كوالده، تحوّل إلى المعيل الوحيد للعائلة بعد رحيل الوالد؛ إذ أدرك، كباقي الأطفال السوريين الذين انخرطوا في ورشات عمل كثيرة، وأحيانًا شاقة ومحفوفة بالمخاطر، أنّ العمل هو الوسيلة الوحيدة لتأمين مطالب أساسية في حياتهم الجديدة، التي اتّسمت بالحاجة والبؤس والتشرّد.
عليّ، الصبيّ الذي حوّلته الصدمة والعزلة والمعاناة، وهو دون الثانية عشرة، إلى رجل؛ مارس الكثير من الأعمال الحرة. عمل في تصنيف وتحميل الخضار، وهو الذي كان لا يعرف سوى السلطات الشهية التي تُحضّرها والدته في بيتهم الدافئ، الذي تحوّل إلى أطلال. واشتغل في ورشات الحدادة والصيانة، كالكثير من أترابه الصبية الذين رضوا ببيئة عمل سيئة وظروف معيشية قاسية مقابل أجر زهيد. ولطالما جلس في ساعات الفراغ بجانب الإشارات الضوئية ليبيع رقائق البطاطس، ليشتري حفنة حلويات وسكاكر بالنقود القليلة التي ربحها، ليعوّض أخواته عن طفولتهنّ المنقوصة، وعن يدّ والدهنّ الكريمة التي كانت تفيض بالخير والحب والحلوى.
لم يقلق عليّ نقص النقود التي كانت تتلقاها والدته من وكالة الإغاثة، والتي بالكاد تسدّ الحاجات الأساسية للعائلة، ولا دموعها الغزيرة التي لو شاءت لحاكت منها شالات. ولم يقلقه أنه ليس لديه أصدقاء، ولم يشفق على الساعات الطويلة التي أهدرها على الأرصفة وفي الأسواق بحثًا عن لقمة العيش، بدل أن يحمل قلمًا وكتابًا. هذا الاعتياد المؤلم خدّره، كما خدّر الآلاف من هؤلاء اللاجئين الذين انقطعت بهم سبل العيش بشكل مفاجئ، وباتت حياتهم في حالة من الجمود الشديد، بعد أن تبددت أمانيهم وضاعت ممتلكاتهم ومدخراتهم، وحتى أصولهم، في هذا الواقع الجديد.
ولطالما ردّدت جدته بأسى:
– "الغربة مُضيِّعة الأصل."
كلّ ذلك لم يقلقه! حتى إنه رضي، كباقي أفراد أسرته الصغيرة، بوجبة التونة المعلّبة والأرز التي كانت تتلقاها من وكالات الإغاثة، رغم أنّه في هذا السن الحرج كان بأمسّ الحاجة إلى ما يُقوّي جسده وروحه معًا. لكن الذي أقلق عليّ، "جمل المحامل"، هو وضع أخته جود، ابنة الخمس سنوات، التي أُصيبت بالتلعثم والتبوّل الليلي بعد الصدمة التي تلقتها إثر قصف بيتهم ومصرع والدها. وهي حتى الآن لا تُقرّ برحيله، وما زالت تتحدث عن الدمية الجديدة التي وعدها بأن يبتاعها لها في عيد الفطر.
ولطالما ذرفت مقلتاها الدعجاوان عبراتٍ كالدرر، سالت على خدّها النضر، لتوقد جمراتٍ تلسع قلب عليّ الحنون، الذي وعدها بأن يشتري لها أجمل دمية من المدينة الكبيرة عشية العيد.
نهض عليّ مع ساعات الفجر الأولى، صبيحة يوم العيد، وحمل صندوقه الكبير المُكدّس بأكياس رقائق البطاطس. كان عازمًا على بيعها في ساعات الصباح الباكر ليشتري لأخته دمية جميلة، كان قد رآها في أحد المتاجر في المدينة الكبيرة، قبل أن تخطفها يدُ أحدهم؛ فاليوم عيد، وكل الأطفال يحظون بالهدايا. ولو كان يملك نقودًا، لابتاع كل الألعاب في المتجر لأخته الغالية جود... ولكن ما باليد حيلة.
بدأ عليّ يسير في الشوارع المزدحمة، يميد به القلق ويجيش في صدره الهمّ، وتساءل في سريرته:
– "اليوم عيد! فكيف سيُبدّل الأطفال الكعك المحشو بالعجوة والطعام الدسم برقائق البطاطس الرخيصة؟"
حاول أن يتجاهل نظرات المارّة، وليتهم يدركون مدى حاجته للمال ليبتاع به حلمًا ورديًا يخفف عن أخته بعض الآلام. تجاهل الشمس الحارقة التي كادت تذيب رأسه، ومسح دمعةً عصيّة سالت على خدّه الأسيل، متجاهلًا العائلات التي تتجوّل برفقة أطفالها. وكاد قلبه ينفطر عندما تذكر والده الراحل وعائلته المشتتة.
استمر بالتجوال في الشارع الرئيس، يلفّ ويدور حول الميدان الكبير، ثم يعود إلى المتجر ليتأكد أنّ الدمية ما زالت في مكانها. وخُيّل إليه أنها تنتظر يدي جود كي تحتضنها.
ما أعظم فرحة عليّ حين نجح في بيع كيس البطاطس الأخير! دسّ النقود الزهيدة في جيب بنطاله الممزّق، واتجه مسرعًا نحو متجر الألعاب. فاضت في قلبه ينابيع الفرح عندما رأى الدمية تبتسم له من خلف الواجهة الزجاجية. دخل منتصب القامة، مرفوع الهامة، يتحسس جيبه المهترئ... ويا لسخرية القدر! اكتشف أنّ النقود قد سقطت منه.
حتى أحلام الفقراء تتمزّق مثل ملابسهم البالية!
نظر حوله كالمذعور، عاد أدراجه يبحث عن محفظته البائسة في الميدان والشارع المزدحم... لكن لم يجد إلا أضغاث أحلام. ومع ذلك لم يستسلم، فكيف ينكث بوعده لأغلى جود؟
دخل المتجر وخاطب البائع العجوز بعينين يملأهما الرجاء، وشرح له مصيبته، وهو يكاد يذوب خجلًا. لكن الرجل، بوجهه الجامد، قال ببرود:
– "الدفع قبل الرفع."
وأضاف وهو يحدّق في ملابسه:
– "كيف أفرّط بدمية باهظة لمتسوّل لا أعرف أصله من فصله؟"
آه لو يدرك مدى حاجة جود لهذه "القطعة البلاستيكية"!
حاول عليّ مرة أخرى، بإصرار يلامس التوسّل، أن يقنعه، مقسمًا أن يدفع الثمن غدًا وأكثر... لكن دون جدوى.
عندها، اندفع عليّ نحو الدمية، وخطفها، وركض كالعاصفة بين السيارات، غير آبه بالإشارات وصراخ البائع:
– "أمسكوا اللص!"
شعر كأنه يحلّق في السماء... لم يرَ سوى ضحكة جود وهي تحتضن الدمية:
– "أحبك يا أخي علي..."
لكن...
بالقرب من الميدان، أمام التمثال الحجري الذي يرمز للحرية... سقط عليّ.
وبُحّ الطير، وذبُلت ياسمينة الشام.
وسقطت الدمية، ودهستها العجلات...
توقفت حركة السير. سألوا: "ابن من؟"
ولم يجب أحد.
أُعلن عن موتٍ في الميدان.
يا جمل المحامل يا علي...
صدرك الصغير هدأ، ويدك الكريمة احتضنت الرصيف بدل فرحة العيد.
جاءت سيارة بيضاء، أخذت الصبي الغريب...
وبقيت أشلاء دمية مبعثرة بين الشارع والميدان.
***
قصّة قصيرة بقلم: شهربان معدّي
..........................
ملاحظة:
القصة مُهداة لهؤلاء الأطفال الذين كان يجب أن تُرفع رؤوسهم لتحديات العصر، وتُفتح قلوبهم لطيب العيش... لكن الحروب سرقت طفولتهم، وبدّدت ثروة لن تعود.







