مثّل الفنان التشكيلي السريالي سلفادور دالي ومواطنه الشاعر غارسيا لوركا، أشهر اسمين في تاريخ الإبداع الأسباني خلال القرن العشرين. كان دالي يقول عن نفسه:
العباقرة لا يموتون، ليس لهم الحق أن يموتوا، لذلك لن أموت. أنا خالٍ من العيوب، أرفض الانتماء إلى اليمين أو اليسار، أنا..فوضوي.
بيد أن لوركا أحد أهم شعراء اسبانيا، صار اسمه رمزاً لمقاومة الفاشية والقمع والاستبداد، بعد حادث اغتياله التراجيدي من قبل النظام الفرانكوي. في آب 1936.
تعارفنا، يقول دالي: في قصر الضيافة الجامعية في مدريد مطلع العام الدراسي 1923، بعد أن جاء لوركا من غرناطة، ما لبثت شعبيته أن جعلت من غرفته ميداناً للمناظرات الشعرية، كان شاباً وسيم الوجه ممشوق القامة، عيناه الكبيرتان، الخضراوان، تفيضان بالسحر. على مر الأيام كان الاعجاب المتبادل قد وطّد عرى الصداقة بينهما.
مثلت تلك الصداقة لحظة فريدة في تاريخ الفن، حيث التقى الخيال التشكيلي الجامح لدى دالي مع الحساسية الشعرية العميقة لدى لوركا. ومن خلال هذا اللقاء نشأت حوارات فنية غنية أسهمت في تشكيل ملامح الحداثة الفنية في إسبانيا خلال النصف الأول من القرن العشرين.
تعود بداية العلاقة بينهما إلى سنوات الدراسة في أكاديمية سان فرناندو للفنون في مدريد، حيث تعارفا في أجواء ثقافية كانت تعج بالأفكار الجديدة والتيارات الفنية الطليعية. هناك بدأت صداقة وثيقة بين الشاعر والرسام، سرعان ما تحولت إلى علاقة فكرية عميقة تقوم على الحوار حول الفن والأدب.
كانا يلتقيان مع مجموعة من الشباب المثقفين الذين أصبحوا أبرز وجوه الثقافة الإسبانية. وقد شكلت تلك اللقاءات فضاءً حراً للنقاش حول الحداثة الفنية، وحول ضرورة تحرير الإبداع من سلطة التقاليد الصارمة. كان دالي شديد الاهتمام بالتصوير البصري للأفكار، بينما كان لوركا يميل إلى التعبير الرمزي في الشعر. ومع ذلك فقد وجد كل منهما في الآخر ما يكمل رؤيته الفنية. فالشاعر كان مفتوناً بخيال الرسام، والرسام كان مأخوذاً بقدرة الشاعر على تحويل التجربة الإنسانية إلى صور شعرية نابضة بالحياة.
كان اسم لوركا يقترن باللون، في قصائده تتكرر أسماء الألوان، لا يستطيع الشاعر أن يقاوم سحرها، يذكرها مقرونة بالموصوفات كما لو كان يرسم بريشة، في طفولته كان يزين رسائله برسوم مائية وتخطيطات، وقيثارات نائمة، مناظر طبيعية يسيطر عليها الأحمر والأصفر، تلك هي رسومات لوركا الأولى، كأنما يريد أن يوحي إلينا أن الرسم بالنسبة له لا ينفصل عن الشعر.
يصف لنا دالي محاولات صديقه الحميم، في توظيف رسومه وتخطيطاته على قصائده. لا تمر الصورة الشعرية في مخيلة لوركا من دون أن تكون مشحونة باللون ومحاطة بقوس قزح موسيقي. إذ كان لوركا الشاعر رساماً وموسيقياً.
تبادل الرسائل بينهما تكشف لنا عن جو ودي يسوده التفاهم والمودّة الصادقة، ولكي نطلع على مدى صداقتهما، وعمقها، ليس أمامنا سوى الرسائل المتبادلة بينهما
في غنائياته يناشد لوركا صديقه دالي: تثيره الرؤى المفاجئة في رسوماته على الساحل المهجور، الأشياء الغريبة، الأشكال الممزقة، الصخور المجوفة ذات الوجوه البشرية فوق الشاطئ الشاحب. كان لوركا يخاطب صديقه: انني اغنّي قدرتك الرائعة وانت تمسك أضوية كاتالونيا، أغني عشقك لكل شيء لا يفسّر.
كتب دالي إلى صديقه لوركا: انني ارسم لوحات رائعة، أكاد أطير لها فرحاً، ذلك أنني أبدع بصورة تلقائية مطلقة، أنفّذ أشياء توحي إليّ بانفعال عميق، فأحاول أن أرسمها بصدق وأمانة، أحبّ الأعشاب كثيراً والأذنين الحمراوين المعرضتين لأشعة الشمس، لا أستطيع أن أصور لك مقدار تقديري واعجابي بك، تماماً كما تعجب أنت بلوحاتي، حقاً أنك في نظري شاعر عظيم. كان يكنّ تقديراً كبيراً للشاعر الأندلسي، يرى فيه صوتاً شعرياً متفرداً في إسبانيا. وقد عبّر عن إعجابه بقصائده التي تمتاز بقدرتها على الجمع بين العاطفة العميقة والصور الشعرية المبتكرة.
بالمقابل كان لوركا قد عبّر في رسائله عن إعجابه بموهبة دالي، رغم بعض التحفظات التي أبداها حول بعض جوانب تجربته. فقد رأى أن في أعماله قوة خيال استثنائية، وأنها تكشف عن حساسية فنية نادرة، لكنها في الوقت نفسه قد تنزلق أحياناً إلى المبالغة أو الغموض الذي يبعدها عن الجمهور.
وفي رسائله إلى دالي كان لوركا يشير إلى أن الفن الحقيقي لا يقوم على المهارة التقنية وحدها، بل على القدرة على خلق عالم خاص بالفنان. وكان يرى أن دالي يمتلك هذه القدرة، لكنه كان يحثه على أن يمنح أعماله مزيداً من الصفاء والانسجام.
كما عبّر لوركا عن إعجابه بالطابع التجريبي في لوحات دالي، وبالقدرة التي يمتلكها على تحويل الأشياء اليومية إلى صور غرائبية تنتمي إلى عالم الحلم. كان يرى في هذا التوجه محاولة جريئة لاكتشاف مناطق جديدة في الفن.
تعززت العلاقة بين الاثنين خلال الرحلات التي قاما بها معاً في بعض المدن الإسبانية، حيث كانا يتبادلان الأفكار حول الفن والمسرح والشعر.
بيد أن موقف الشاعر لوركا منه مثار جدل. ففي عام 1928 كتب لوركا إلى صديقه سلفادور دالي رسالة طويلة يعرض فيها رأيه في تجربته الفنية. يقول فيها إنهما متقاربان في الرؤية والاهتمام، وإن التعاون بينهما في بعض الأعمال الفنية لم يكن أمراً مستغرباً، إذ جمعتهما روح البحث عن شكل جديد للفن يتجاوز القوالب الموروثة..
مع مرور الوقت بدأت بوادر الاختلاف تظهر بينهما. وتراجع عرى الصداقة، فقد اتجه دالي أكثر فأكثر نحو التجريب السريالي، وتوطدت علاقته بالوسط السريالي، وتغيرت لهجة رسائله، فبعث حينذاك إلى صديقه رسالة يهاجم فيها شعره الغنائي الذي كان موضع إعجابه منذ عهد قريب. وأنهى علاقته بعنف وفظاظة علاقته بلوركا، حتى أنه لم يتورع من أن يشوه ذكرى الشاعر، ويتنكر له، ويطعن فيه، حتى بعد مصرعه، لم يكن الأمر يعنيه.
بينما ظل لوركا متمسكاً بجذوره الشعرية المرتبطة بالتراث الأندلسي وبالموسيقى الشعبية. محتفظاً بمروءته وكرم أخلاقه، وإعجابه بالرسام. وظلت رسائلهما شاهداً على واحدة من أجمل العلاقات بين شاعر ورسام في تاريخ الثقافة الأوروبية الحديثة.
***
جمال العتّابي








