مقاربات فنية وحضارية
كاظم شمهود: ماتيس الفنان الغربي بالاسلوب الشرقي
يعتبر هنري ماتيس 1869- 1954 الى جانب بيكاسو من اعظم فناني القرن العشرين وكان ماتيس مشرقيا في اسلوبه الفني منذ عام 1903 حيث حل في بلاد المغرب وبقى فترة طويلة ينهل من فنونه الساطعة حتى اخر عمره. بينما بيكاسو هو في الواقع اصله اندلسي كما نعته بعض النقاد (المورو). وقد شعر ماتيس ان الفن الغربي قد استنفد اغراضه كلها فاصيب بنوع من فقدان الامل ولا يستطيع مراكبة التطور والتجديد منذ حركة احتجاج الشباب في باريس في نهاية القرن التاسع عشر الذين اطلق عليهم اسم (المنحدرين). وهكذا تخلى عن اكاديميته واهمل لوحاته الانطباعية والتنقيطية فالتجا الى فصل جديد من وجوده الفني.. وقد وجد ماتيس في الفن الاسلامي ضالته ووجد هناك الغذاء الروحي الصحيح لفنه.
ففي عام 1903 اقيم في باريس معرض للفنون الاسلامية في احد اجنحة متحف اللوفر وقد زاره ماتيس وصرح (لقد كان هذا المعرض درسا عميقا لي علمني النقاوة والانسجام) ومن ذلك الوقت اخذ ماتيس يبحث عن الفن الشرقي فقام باول رحلة الى بلاد المغرب عام 1906 حيث اطلع على سحر الفن الشرقي مباشرة ومكث هناك فترة طويلة يدرس ويرسم لوحات من وحي الفن الاسلامي ، وبالتالي تغير ماتيس وتشبع بروح الشرق تماما حيث لقاءه مع الشمس والجمال والالوان المضيئة. فقال (لقد عثرت على تاكيد جديد لبحثي لقد ابان لي فن المنمنمات الاسلامية كل امكانيات احساسي).. وبقت هذه المؤثرات الحضارية والفنية الى اخر حياته.. ولحد الان لم تقدم دراسة مستفيضة عن جذور وعلاقة فن ماتيس بالفن العربي.. ؟؟. وقد زار ماتيس مرة ثانية المغرب عام 1911 – 1912. حيث الهمه الضوء لرسم لوحات متورقة زاهية الالوان مثل لوحة - المغاربة - والغرفة التي اقام فيها بفندق فيلا دو فرانس في طنجه ما تزال تزار حتى اليوم.
في عام 1910 استقر ماتيس في اسبانيا وزار متحف البرادو ثم عرج الى الاندلس وزار غرناطة واشبيلية حيث اسهمت هذه الرحلات في التقريب من جماليات الفن الشرقي وتعميق حسه ومشاعره نحو ذلك. كما فعل من قبل مواطنه ديلاكروا عام 1832 حيث زار هذه البلاد وكانت نقطة تحول جذري في مسيرته الفنية والفن الاستشراقي. ويبدو ان الشرق كان قبلة للفنانين الغربيين في ذلك العصر والذين ساموا من التقاليد الكلاسيكية القديمة. فقد زاره كاندنسكي ومونيه وبول كلي وروبيرت وجماعة الانبياء وغيرهم.حيث كانو يبحثوا عن الجمال المطلق.
وقد بدات شهرة ماتيس عام 1905 عندما اشترك هو وعدد من اصدقاءه في عرض اعمالهم في صالون الخريف في باريس وكانت اعمالهم تعبر عن الوان جامحة ومتضادة. وعندما راى الناقد الفني لويس فوكسيل المعرض قال عبارته الشهيرة (دوناتيلو بين الوحوش الضارية) ويشير الى تمثال من عصر النهضة كان موجودا في القاعة.
و في بداية العشرينات من القرن الماضي اصبح ماتيس معروفا ببراعته في اللغة التعبيرية للالوان والرسم وهي البراعة التي تجلت في انتاجه الفني الضخم الذي امتد لاكثر من نصف قرن مما رسخ مكانته كاحد الشخصيات المحورية في الفن الحديث. وامتازت اعماله بالبعدين الطول والعرض واهتم باللون المضئ الذي تحارقه اشعة الشمس كما امتازت الوانه بالكثافة والجمالية الاسلامية من خلال التكرار والتوازن. وبهذا فقد خلق ماتيس مدرسة شرقية في بيئة اوربية تعج بالتيارات الحديثة. ؟؟. وامتازت الاشكال بالمساحات اللونية والضياء محاطين بتلك الخطوط السوداء الواضحة مما ادى الى عدم نفور الالون عن بعضها وهي ميزة نجدها في الرقش العربي – الارابسك –
ولد ماتيس في بلدة صغيرة شمال فرنسا وسط عائلة تعمل بالتجارة ووالدته فنانة هاوية. وفي عام 1887 انتقل الى باريس لدراسة القانون بينما كان يعمل كموظف اداري في لوكاتوكامبريزي وفي هذا الوقت مرض ماتيس فاشترت له والدته كتابا عن الفن ليقراه في وقت نقاهته. وكان ذلك بداية رغبته في الرسم. وفي عام 1889 التحق بدورات اكاديمة جوليان ثم في مدرسة الفنون الجميلة حيث درس على يد اساتذة كبار.. وفي البداية كان يرسم الطبيعة كما اخذ يستنسخ اعمال فناني عصر النهضة في متحف اللوفر. وتاثر بكوكان وفان كوخ وسيزان والمدرسة الانطباعية خاصة التنقيطية.
وكان ماتيس يدعو الى المواضيع الهاديئة وفن متوازن نقي هادي خالي من الموضوعات القلقة والمثيرة للاعصاب. ثم اصبحت اعماله ذات مساحات لونية جميلة كما هو في اسلوب مدرسة بغداد واستطاع التعبير عن شكل الاشياء والفراغ. وقد ادخل الزخارف الاسلامية مثل لوحة السجاد الاحمر حيث استخدم الوان حارة تتسم بحسية عالية كما رسم لوحة -بهجة الحياة – والتي عرضت في صالون المستقلين عام 1906 حيث كرست مكانته كقائد لا جدال فيه للحركة الوحشية..
واتذكر قصة طريفة وهي عندما حطيت في اسبانيا عام 1977 اخذت بعض اعمالي الى احد الكالريات في مدريد وعرضتها عليه للبيع وكانت اعمال تتصف بالمعاني والمفاهيم الاجتماعية وباسلوب اكاديمي. فرفضها وقال لي حتى اسوق اعمالك عليك ان تعمل اولا لوحات ليس لها موضوع وهاديئة (الفن اللاشكلي). ثانيا اريد اعمال تجريدية خالية من اي شكل يثير القلق ، بل تتمتع بالجمال والبهجة.. ومنذ ذلك الوقت غيرت دفة السفية وقبلت اعمالي..
وفي عام 1917 استقر في مدينة نيس وتعرف على رينوار واصبحت اعماله اكثر رقة ونعومة ورسم عدد من اللوحات منها- نافذة في نيس – وسلسة الجواري التي يظهر فيها نساء من بلاد المغرب بملابسهن الجميلة المزركشة الفضفاضة وظهرت الزخارف الاسلامية على الستائر والسجاد وملابس الجواري والزينة بالاسوار والخلاخيل.. وفي اخر عمره اصبحت الوانه اكثر جرئة. كما التجئ الى عملية قص الاوراق الملونة ولصقها. وايضا عمل سلسلة من الحفريات على الحجر والمعادن بلغ عددها حوالي 300 قطعة. وكتب عدة مقالات لعدد من المجلات المتخصصة في الفن... وفي عام 1963 افتتح متحف ماتيس في مدينة نيس حيث يضم جزءا مهما من اعماله معضمها ذات تاثيرات اسلامية.
***
د. كاظم شمهود







