مقاربات فنية وحضارية

جمال العتّابي: صلاح جياد.. طاقة فذّة عرفت طريقها لامتلاك لغة الفن

بدأ الفنان التشكيلي صلاح جياد حياته الفنية بعد دخوله معهد الفنون الجميلة في بغداد قادماُ من مدينته البصرة التي ولد فيها عام 1947، مع رفيق دربه الفنان فيصل لعيبي. لم يواجه التلميذان صعوبة تذكر في القبول، بعد أن أظهرا مهارتهما في الرسم أمام لجنة القبول المكوّنة من أساتذة المعهد من الروّاد. وكشفا عن موهبتهما منذ اللحظة الأولى أثناء اللقاء مع أعضاء اللجنة.

ليس من المبالغة القول إنهما كانا يمثّلان نموذجاً متقدماً بين زملائهم الطلبة، أكدت تجاربهما الأولى على صحّة هذا القول في سياق إمكاناتهما الاستثنائية التي نمت في البصرة، وازدهرت في بغداد.

كان صلاح چياد من أولئك الفنانين الذين يولدون وفي أيديهم يقين الرسم، لا بوصفه مهنة، بل قدراً وجودياً. بدا مختلفاً: رساماً يمتلك عيناً مدرَّبة، ويداً واثقة، وفهماً صارماً لبنية الجسد وإحساسا عالياً في اللون. تتلمذ على يد الأستاذ فائق حسن، وكبار الأساتذة في المعهد والأكاديمية، لكنه لم يكتفِ بدور التلميذ، بل تفوّق في الرسم تفوّقاً جعل اسمه متداولاً في المشهد التشكيلي العراقي بوصفه حالة استثنائية، وطاقة فذّة تعرف طريقها نحو امتلاك لغة الفن بإحساس عميق بقدراته التعبيرية، وخياله الواسع.

أثناء ذلك انهمك صلاح بالعمل في مجلة "ألف باء" مع زميله لعيبي، ومن خلال تخطيطاتهما للوجوه بديلاً عن الصورة، حققت المجلة السبق في تاريخ الصحافة العراقية في اعتمادها هذا النهج في التحقيقات والتقارير الصحفية. ثم انصرف للعمل في رسم سيناريوهات قصص الأطفال في "مجلتي" منذ عددها الأول الصادر أوائل سبعينات القرن الماضي. لم تكن المجلّة استراحة عابرة، بل مختبراً إنسانياً مهماً. هناك تعلّم كيف يختصر الفكرة من دون أن يفرّغها من مضمونها الطفولي، وكيف يمنح الخط واللون وظيفة تربوية وجمالية في مخاطبة الطفل العراقي. في الوقت ذاته، كان صلاح رساماً ملتزماً، يسارياً، يرى في الفن موقفاً أخلاقياً من العالم، لا زينةً معلّقة على جدار. ومع اشتداد القمع والديكتاتورية، غادر بلده مكرهاً، لا بحثاً عن حلم صعب التحقيق، بل هرب من حالة اختناق قادمة.

فهو ينتمي إلى ذلك الجيل العراقي الذي لم تكن الغربة عنده خياراً جمالياً بحتاً، بل قدر تاريخي محتوم، ترك ظلاله هائمة، يوم تصاعد صهيل الحرب، كان إذا أزف الشر يسرع غير وانٍ ولا خائف، يجمع أحزانه في سلال الندى، والبلاد " قاب قوسين أدنى من الموت". فمن يعين فتى مثقلاً بالهموم، غير سارية على الحدود.

اختار فرنسا وروحه الفنية ظلّت مشدودة إلى العراق بوصفه خزّان الذاكرة الأولى ومختبر الأسطورة. من هنا لا يمكن قراءة تجربته بوصفها تجربة "منفى" تقليدية، بل بوصفها مسار تحوّل عميق في اللغة التشكيلية، أعادت صياغة العلاقة بين الذات، والمكان، والصورة.

في الغربة توسّع الأفق وتعمّق السؤال: من أنا خارج مكاني؟ كيف أرسم بعد أن فقدتُ المشهد اليومي الذي كان يغذّي اللوحة؟

في بداياته، كان صلاح جياد مشغولاً بالإنسان العراقي، واقعياً جداً، ينقل الواقع بملامح جمالية للغاية، إلا أنه تجرّأ وقدم خلاصة تجاربه في معرض مشترك مع زملائه فيصل لعيبي، ونعمان هادي، أوائل سبعينات القرن الماضي في بغداد. انطلاقاً من هدف جوهري هو جعل الفن، أكثر من مجرد عمل تزييني او غاية مبسّطة لفكرة من الأفكار، فالأعمال التي قدّمها عبّرت عن خصائص معقّدة بوعي دقيق للأشياء والمكان.2573 salah gyad

كانت أعماله مزيجاً من أجزاء الجسد البشري، متراصة ومشبعة بحركة دائمة، لكائن مثقل بالتاريخ والعنف، أجساد مشدودة، وجوه قلقة، متلاصقة، بلا ملامح، عناصر تنتمي إلى مخزون قديم، يُعاد إنتاجه بلغة حديثة، قريبة من التعبيرية الرمزية. اللون لديه طاقة ليس لها حدود، تكمن في عنف الصورة، وخشونتها، تبدو اللوحة من خلالها صالحة للمواجهة بتركيزها الرمزي العالي.

التحق صلاح لإكمال دراسته الفنية في أكاديمية الفن العليا (البوزار) في باريس، فرنسا، وكان طالباً لامعاً، متفوقاً. غير أن الحياة هناك لم تمنحه ما تمنحه الأكاديميات على الورق. قساوة العيش دفعته إلى ساحة "مونمارت"، حيث اضطر إلى رسم العابرين بأجور بسيطة. كانت تجربة شاقة، نفسياً قبل أن تكون جسدياً:

أن يضع الفنان موهبته، تاريخه، تعليمه، أمام مارّة، يتفاوضون، يختصرون زمنه الإبداعي بثمن لوحة سريعة.

سبق صلاح چياد فنانون عالميون كبار في هذه الساحة، لكن الفارق أن كثيرين منهم اتخذوها تجربة عابرة، فيما كانت عنده قدراً يومياً. هنا يتعمّق الإحساس بالاغتراب، لا عن الوطن فحسب، بل في الوجود برمّته.

هذه القسوة لم تُحطّم صلاح، بل أعادت تشكيل لغته. شيئاً فشيئاً، بدأ يبتعد عن الواقعية الصافية، ويتجه نحو التعبيرية الرمزية. صار الجسد مشوّهاً عن قصد، لم يعد للوجه ملامح واضحة. لذلك تبدو لوحاته الأخيرة أكثر كثافة، أكثر ظلمة، وأكثر صدقاً، كأن الفنان كان يرسم ليؤجّل الانطفاء، لا ليحتفي بالنجاح.

هنا بدأ التحوّل العميق في تجربته. الواقعية الأكاديمية، التي أتقنها حدّ التفوّق، لم تعد قادرة على احتواء ما تراكم داخله من خيبات. شيئاً فشيئاً، انفتح عمله على التعبيرية الرمزية، والتجريدية، لكن ليس بوصفهما خياراً أسلوبياً جاهزاً، بل بوصفهما نتيجة لضغط نفسي طويل. يعيد تركيب الأشياء وفق منطق انفعالي، لوحته مكتظّة، محتشدة بالتفاصيل، يضيق فيها الحيز لإحساس الفنان بالاختناق.

في هذه الكثافة، كان يرسم الكائن الإنساني المستنزف، لا البطل، ولهذا تحتاج أعماله إلى زمن تأمّل، لا تُعطي نفسها سريعاً، لكنها تكافئ من يصبر عليها.

أُنهكه المرض ورحل في غير أوانه، وكأن الجسد لم يحتمل ما تراكم فيه من قسوة المنافي وضنك العيش وخيبات الالتزام. رحل بصمت، كما عاش، تاركاً إرثاً تشكيلياً لم يُقرأ بعد القراءة التي يستحقها. لم ينفصل صلاح عن قضايا شعبه، وهموم الإنسان فيه، ظل ملتزماً بانتمائه ونهجه بوصفهما رؤية جمالية للعالم، لم يتراجع ولم يهادن، ظل في فنّه مقاوماً للديكتاتورية والقهر، إنساناً لا يتكرر، وإرثاً إبداعياً لا يمحى.

صلاح چياد ليس فنان غربة، بل فنان محنة. امتحنته الحياة فحوّلها إلى لغة بصرية دامية وشفافة في آن. إنه أحد أهم الرسامين العراقيين الذين ينبغي إعادة وضعهم في مكانهم الصحيح، بما يليق بتجربته الإبداعية الإستثنائية.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم