عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عزيز أشيبان: شخصيىة مهمة جدا (VIP)

عبارة جذابة، تستقطب الاهتمام والانتباه والاثارة وتنصرف بالآخرين نحو هالة تختلف عنهم وتتباين وتعلو على الجميع. تحظى بمعاملة خاصة في المرافق العامة والخاصة وتنال الأولوية في ولوج الخدمات وعبارات الإطراء والتبجيل وحتى بعض القلوب. ثمة من يراها مقاما يطلب ومرتبة تنشد ومكانة يحسد عليها ومن أجلها يتنافس المتنافسون.

نتحدث حقا عن عبارة تزداد توظيفا واستعمالا مع توغل المال وتغطرس وحشية اختراقه لكل المجالات دون إبداء الوقار لأي اعتبار أخلاقي أو إنساني أو اعتباري. هي عبارة تنفي حتى حق التساؤل في محتواها وتسمو إلى مقام المسلمات، إذ نتحدث عن شخصية مهمة جدا ولا ندري من أين تتدفق تلك الأهمية وفي أي مجال وعلى أي وجه بالتحديد.  فهل هذا الأمر عادي وواجب تقبله؟

لا نراه كذلك، بل نميل إلى الاعتقاد أنه في غاية الخطورة ويحمل قوة تدميرية تخريبية هائلة.

على المستوى الفردي

إن تداول عبارة كهذه بقوة يحولها إلى أمر واقع يفرض نفسه، ثم إلى مسلمة لا تُناقش، تكتسب شرعية الاستقرار في الأذهان من خلال التصورات والتمثلات الفردية. الأمر الذي يؤدي لا محالة إلى تشويه المفاهيم والمصطلحات، وسلب الإدراك الشخصي، ووأد الحس النقدي، والعقل التحليلي، والممانعة، وممارسة حق الاختلاف والاختيار. وبذلك يُسلب الفرد حق الاختيار ومنح التميز لمن يراه أهلاً له، ويكتفي بقبول وصاية الاختيار من مجهول لا يعرفه، ولم يشركه في معايير منح هذا التميز.

يتطور مسار التشويه والسلب هذا إلى استسلام إرادي، وانقياد، وانصياع للوضع القائم، والقبول بالفوقية والتراتبية الاعتبارية المفروضة، وإبداء قابلية للانهزامية، واعتراف بالدونية دون ممانعة أو مقاومة أو رفض.

ومن جانب آخر، تعلو المادة وسلطة الغرائز، ولا تجد لها من زاجر بعد تبخيس وازدراء كل ما هو روحي وقيمي، مقابل تأجيج كل ما هو غرائزي وحيواني ومادي خالص.

ويغدو الفرد عنصراً غير قادر على التفكير السليم، وربما تعطلت ملكة التفكير لديه، فيصبح عاجزاً عن الاختيار واتخاذ القرار، رغم أنه في قرارة نفسه يظن العكس؛ فهو لا يدري أنه لا يُقبل إلا على ما يريده الآخرون له، في انقياد إرادي سلس نحو التنميط والعبودية وانسحاب الذات من الذات. يفقد الإنسان شغفه الحقيقي، وجوهر ماهيته، ومعنى وجوده، وطموحاته، وحقه في تقرير مصيره، ويتحول إلى حضور شكلي مادي بارد بلا روح أو عقيدة. إننا نتحدث هنا عن عزل تام للإنسان عن إنسانيته، وإحداث قطيعة بينه وبين أبعاده الروحية والأخلاقية، وتجريده من مقامه المركزي في الكون.

على المستوى الجماعي

كل ما ذكرناه من أفكار على المستوى الفردي ما هو إلا أساس لنسق المستوى الجماعي، وتهيئة لبنيانه وتجلياته، ما دام الإنسان هو الفاعل الأساسي والمرجو تحويله من "فاعل" إلى "مفعول به". فحيثما توجهت، ستجد عمليات صناعة لآليات تعميم الخنوع والخضوع بسلاسة وطواعية.

- تبضيع الناس وتسويق كل شيء:

يصبو طموح توحش سلطة المال إلى إسقاط جميع الحدود والعوائق وأسس الممانعة والمقاومة، وذلك من خلال السطو على الإدراك الجماعي عبر مسار ممنهج من التنميط، والتجهيل، والتسطيح، والإجهاز على التعددية، وتكريس التفاهة، وصناعة الرغبات، وتحريك الشهوات، واختزال الكائن الإنساني في مجرد مستهلك مُسيَّر لا يكترث إلا لمنفعته الشخصية ولا يأبه بالقيم.

- تكريس العبودية والاستبداد:

تنخرط عبارة «شخصية مهمة جداً» في مسار يسعى بقوة إلى خلق طبقات ومراتب ومقامات وفق تصورات مادية صرفة، تخدم مصالح سلطة المال المتوحش، وتكرّس العبودية من خلال صناعة تصورات جديدة لمقام "السيد الحاكم المالك" المنزّه عن النقد والسؤال، ومكانة "العبد الوضيع" المسلوب الإدراك والاختيار والتقرير.

لا شك أنه في أحضان هذا الواقع البئيس تتغذى نرجسية حفنة من المحظوظين الذين يرتقون إلى مقام القدوة في إجهاز تام على قيم الجمال والذوق الرفيع وأسس الرقي السليم، فتطغى تجليات القبح والرداءة والتضعضع.

وختاماً، إذا كان هؤلاء هم من يُنعتون بـ "الشخصية المهمة جداً"، فماذا عسانا أن نقول عن العظماء الكبار الذين صنعوا التاريخ، ونالوا المجد، ورُصّعت أسماؤهم بحبر من ذهب في أذهان الأجيال لقرون متعاقبة؟

***

عزيز أشيبان (المغرب)

 

في المثقف اليوم