عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ايمان خريسات: لماذا حُكم علينا بالإعدام العاطفي؟

في غمرة تساؤلاتنا الوجودية الممتدة، نقف مذهولين أمام مرآة مجتمعاتنا. لماذا نتحفظ في إبراز الحب والمشاعر الإيجابية كأنها عورة نخشى كشفها، بينما نندفع بجرأة فائقة نحو التعبير عن القسوة والعنف، لفظياً وجسدياً؟ لماذا ينظر مجتمعنا إلى الابتسامة العفوية في الطرقات بريبة، بينما يمر العبوس والتجهم كعلامة على الوقار والجدية؟

إننا نعيش في مفارقة مرعبة؛ حيث يتربى الفرد فينا على احتواء العلاقات السامة، وتجرع مرارة الخيبات خلف أقنعة الصمت والتأقلم. نهرب من المواجهة الصادقة التي قد تنقذ أرواحنا، ونفضل عليها بقاءنا في مستنقع مألوف مؤذٍ، خائفين من تعرية الحقيقة.

وإذا فتّشنا في عمق هذه المعضلة، لوجدنا أن هذا الجفاف ليس فِطرة في عروقنا، بل هو نتاج تكتلات ثقيلة صاغتها الأيام والتربية؛ فقد ورثنا مفهوماً مشوهاً للوقار يربط الهيبة بـ"تقطيب الجبين" وصناعة المسافات، وكأن اللين يخدش الرزانة! وبسبب ثقافة العيب والخوف من أحكام الآخرين، تحول التعبير عن الحب في الوعي الجمعي إلى مرادف للضعف أو الانكشاف، وزاد الأمر تعقيداً ذلك الخوف المتجذر من الحسد، والذي يدفع الناس لإخفاء المسرات وإظهار التجهم كدرع حماية زائف.

أضف إلى ذلك، أننا جُبلنا على تمجيد التضحية على حساب الذات، فصار الصبر على الأذى في العلاقات السامة يُسمّى "أصلاً طيباً"، وصارت المواجهة تبدو كفعل تخريبي يُهدد الاستقرار. هذا التكلس ليس إلا انعكاساً لتاريخ محمل بالصدمات المتلاحقة والأزمات التي عاشتها المنطقة، والتي وضعت الإنسان في حالة دفاع مستمر عن النفس، فتقدمت القسوة كآلية للبقاء، وتراجعت الرقة كرفاهية مؤجلة.

وهنا يبرز السؤال المقلق: هل نحن وحدنا من تلوثت بذرتنا الإنسانية الأولى بفعل هذه التراكمات؟ أم أن الشعوب الأخرى تعاني من ذات التكلس عندما تُدنس فطرتها؟

الحقيقة أن تشويه البذرة النقية ليس حكراً على جغرافيا دون غيرها؛ فكل إنسان، وفي أي بقعة من الأرض، عندما يُحرم من مساحات التعبير الآمن ويقع تحت وطأة الخوف والقمع الاجتماعي، يرتدي قناعاً جافاً ليحمي هشاشته الداخلية. لكن الفرق يكمن في أن مجتمعاتنا حولت قناع القسوة إلى درع شرف.

إلا أن حكماً بالإعدام لم يصدر من قاضٍ سماوي، بل نحن من وقّعنا على وثيقته بجهلنا الخوفَ المستشري في زوايا نفوسنا. ولكي ننجو من زنزانة هذا الإعدام المفروض، لا بد لنا من امتلاك شجاعة التمرد الروحي؛ التمرد على المألوف السام، والاعتراف بأن اللين ليس وهناً، بل هو أعلى درجات الصلابة الإنسانية. لقد حان الوقت لنخلع هذه الأقنعة الثقيلة ونواجه ذواتنا بصدق؛ فالالشعوب لا تمرض لأن بذرتها فاسدة، بل لأنها تخاف من سقاية مشاعرها الحقيقية، والنجاة تبدأ بقطرة وعي تعيد النبض لتلك البذرة المنسية قبل أن يفوت الأوان.

***

الكاتبة: ايمان عبد الحكيم خريسات

 

في المثقف اليوم