عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

خليل الحلي: حين تُفرض المكانة الاجتماعية ويغيب الاستحقاق الحقيقي

ليست كل شخصية تتصدر المشهد الاجتماعي تحظى بالقبول والاحترام؛ فهناك فرق بين من يكتسب مكانته بمواقفه النبيلة وعطائه وخدمته للناس، وبين من يحاول فرض نفسه بالظهور والضجيج والتقرب من الآخرين، متوهماً أن ذلك يصنع مكانة لا يملك مقوماتها.

فالمكانة الاجتماعية لا تُنتزع بالإصرار على الظهور، بل تُبنى بالاحترام والثقة وحسن السيرة. والعمل الاجتماعي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون لقباً أو واجهة؛ إذ يتكون القبول عبر المواقف الصادقة والمبادرات النافعة والقدرة على جمع الناس، لا عبر السعي المحموم إلى الصدارة الذي قد يتحول إلى عبء على المجتمع.

ولا تقتصر المشكلة على من يفرض نفسه، بل تشمل من يحيطون به بالتصفيق والتأييد، حتى حين تكون مواقفه موضع اعتراض. فعندما يتقدم التملق على الصراحة، والمصلحة الشخصية على العامة، يصبح التصفيق بديلاً عن التقييم، وتضعف معايير المجتمع وتتراجع قيمة أصحاب الخبرة والعطاء.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون قلة الشعبية أو الاختلاف في الرأي حكماً نهائياً على قيمة الإنسان؛ فالمعيار الحقيقي هو السلوك، ونوعية العمل، واحترام الآخرين، والقدرة على تقديم ما ينفع المجتمع. كما يجب أن يتناول النقد المواقف والتصرفات، لا أن يتحول إلى انتقاص أو تصفية حسابات.

إن مأساة بعض المجتمعات ليست في وجود من يبحث عن الأضواء، بل في وجود من يمنحه شرعية لا يصنعها العمل ولا تؤيدها المواقف. فحين يغيب الوعي، يصبح الضجيج حضوراً، والمجاملة شهادة استحقاق، وكثرة المصفقين دليلاً زائفاً على المكانة.

وفي النهاية، لا تُفرض المكانة ولا يُشترى الاحترام؛ فقد يفرض الإنسان حضوره مؤقتاً، لكنه لا يستطيع فرض احترامه إلى الأبد. والمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المتصدرين، بل إلى مخلصين يحملون همومه ويقدمون المصلحة العامة، فتلك هي المكانة التي تبقى حين تنطفئ الأضواء ويتوقف التصفيق.

***

خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد - سدني

في المثقف اليوم