عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حميدة القحطاني: ما وراء الجدار

من نحن؟ وأين يكمن الإنسان فينا؟

سؤال خرجتُ به من مسرحية "الجدار" للمخرج سنان العزاوي، الحاصلة على جائزة قرطاج، بعد أن شاهدت العرض كاملًا، وتأملت في مشاهده ورموزه، وما أثاره في داخلي من أسئلة تتجاوز حدود المسرح إلى الإنسان والمجتمع وما آل إليه.

لطالما قيل: "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة". لكنني وأنا أشاهد هذا العرض فكرت في إمكانية قلب المقولة، فربما يكون الفن الجيد الهادف نفسه هو "العملة الجيدة" التي تستطيع أن تطرد شيئًا من الرداءة، أو على الأقل تكشفها وتضعها أمام أعيننا عارية من الأقنعة.

من أول ما وقعت عليه عيني في العرض ذلك الجدار، جدار له أبواب مغلقة، وثقوب، وعليه شخابيط وآثار تشبه ذاكرة مكان أنهكته السنوات. وبين حين وآخر يُفتح باب، فيخرج منه شيء من المسخ، والتشوه، والقبح، والزيف.

هنا بدا لي أن الجدار ليس مجرد جزء من الديكور، وإنما هو بطل آخر من أبطال العرض.

إنه ما نخفيه، وما نسكت عنه، وما نحاول ألا نراه.

سنوات الحروب والطائفية والإرهاب والخوف والانقسام لم تعبر فوق المجتمع من دون أثر، لقد خلخلت منظومته القيمية، وأنهكت الإنسان، وشوهت بعض المفاهيم، وجعلت كثيرًا مما كان مستورًا يطلب لنفسه منفذًا إلى الخارج.

ولعل الجدار في هذه القراءة هو تلك المساحة التي تُحجز خلفها الأشياء التي لا نريد مواجهتها، غرائز الانحطاط، والتسافل، والزيف، والقبح، وكل ما يخشى الإنسان أن يراه في نفسه أو في مجتمعه.

وكان لافتًا أن يخرج هذا التشوه من خلف الجدار عبر عدد من الشخصيات النسائية.

لا أقرأ حضور المرأة هنا بوصفه إدانة للمرأة، بل أراه في سياق العرض ورمزيته صورة للحياة حين تُصاب بالتشوه، فالمرأة واهبة الحياة، وما يقوم على صلاحها من أسرة، ثم مجتمع، يمكن أن يصبح هو الآخر ضحية حين تتسلل إليه غرائز الانحطاط والتسافل، وتُشوّه معاني الحب والجمال والحياة نفسها.

وهنا استعاد العرض بالنسبة لي سؤالًا كنت قد كتبت عنه قبل مدة: من نحن عندما تقودنا غرائز الانحطاط والتسافل؟

وأظن أن "الجدار" قدّم إجابته بطريقته الخاصة.

نصبح ذلك المسخ الذي رأيناه يخرج من خلف الجدار.

نصبح تشوهًا لمعانينا حين نفقد البوصلة التي تجعل الإنسان إنسانًا، حين تنقلب المفاهيم، ويُشوّه الحب، ويُبتذل الجمال، وتتحول الغرائز إلى قائد، وتصبح الأخلاق شيئًا يمكن التنازل عنه كلما اقتضت المصلحة أو اللذة أو الخوف.

ولم أشعر أن الجدار يفصل ما وراءه عن المجتمع بقدر ما شعرت أنه يكشف العلاقة بينهما، فالأبواب التي تُفتح بين حين وآخر تقول إن ما نخفيه لا يبقى مخفيًا إلى الأبد. ما وراء الجدار يجد طريقه إلى الخارج، ويتحول من شيء مستور إلى سلوك، ومن سلوك إلى ظاهرة، ومن ظاهرة إلى واقع يعيشه الجميع.

وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار إيلامًا في العرض بالنسبة لي: أن الانهيار الأخلاقي لا يبدأ دائمًا من مظاهره الخارجية، وإنما قد تكون له جذور أعمق، مختبئة خلف جدار من الصمت والتبرير والتطبيع مع القبح.

وكلما فُتح باب، خرج شيء مما أخفيناه.

حتى يصبح السؤال أكبر من المسرحية نفسها:

هل نحن الذين بنينا الجدار، أم أن الجدار هو الذي بنانا؟

وربما هنا يكتسب الفن وظيفته الحقيقية، ليس أن يعظنا، ولا أن يمنحنا إجابات جاهزة، وإنما أن يضع مرآة أمام ما نحاول ألا نراه، وأن يجعلنا نتساءل: ماذا فعلت بنا كل هذه السنوات؟ وأين بقي الإنسان فينا؟

ولعل أقسى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يفقد إنسانيته وهو ما يزال يمشي على الأرض، أن يصبح أسير غرائزه، وأن يتراجع العقل والقيم والضمير، حتى يصدق فيه المعنى القرآني:

"أولئك كالأنعام، بل هم أضل سبيلا".

خرجتُ من "الجدار" وأنا لا أفكر فقط بما كان خلفه، وإنما بما قد يكون مختبئًا خلف جدران كثيرة داخلنا.

وربما لهذا كان العنوان ذكيًا إلى هذا الحد، لأن الجدار الحقيقي ليس دائمًا ذلك الذي نراه أمامنا، وإنما ذلك الذي نبنيه في داخلنا كي لا نرى ما وراءه.

وحين يسقط الجدار، قد تكون الصدمة مؤلمة، لكنها قد تكون أيضًا بداية الرؤية.

وربما تكون الرؤية بداية اليقظة.

***

د. حميدة القحطاني - أستاذة جامعية

 

في المثقف اليوم