عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

إيمان خريسات: وطني.. هل طردتني أم تناشدني للبقاء؟!

في قلب كل مهاجر عربي تسكن غصة خفية، وسؤال وجودي مؤرق يُطرح كلما التفت وراءه لينظر إلى الجغرافيا التي تبرأ منها أو تبرأت منه، سؤال يختزل حيرة الروح بين واقع يدفعه للخلف وأرض تشده للعمق: "وطني.. هل طردتني أم تناشدني للبقاء؟!". نحن نعيش في زمن التغريبة الكبرى، حيث تحولت الهجرة من مجرد سعي وراء الرزق إلى هروب جماعي للوعي والعقل. لكن المفارقة الأكثر مرارة في هذا المشهد تكمن في تلك الدائرة المفرغة من اللوم والهروب: نحن نترك أوطاننا ضائعة في تيهها، نوسعها عتباً ونقداً، ونلومها بكرة وأصيلاً لأنها لم تمنحنا حقوقنا، ثم نمضي بكامل إرادتنا وطاقتنا لنقدم أقدس واجباتنا لبلدان أخرى وبنى حضارية غريبة عنا.

أليس من الإجحاف الوجودي أن نحرم الأرض التي نبتنا فيها من ثمار عقولنا، بحجة أنها لم تسقنا بماء الحقوق؟ إننا نقف أمام مرآة الحقيقة لنتساءل بجرأة: هل العيب منا أم من المنظومة التي جبرتنا على الرحيل؟ هل نحن ضحايا واقع طارد، أم صانعو اغترابنا الخاص الذي يدفن نداء الوطن الخفي؟

حين نفكك المسألة فلسفياً، نجد أن الذنب مشطور بين قسوة "الجبر" وخطيئة "الاستسلام". لا يمكن إنكار أن أنظمة التتفيه والفساد التعليمي والمؤسسي في عالمنا العربي قد مارست طرداً ممنهجاً للعقول. لقد ضيقت الخناق على الفكر الحر، وحاصرت المبدع في لقمة عيشه، وسلبت الإنسان كرامته حتى صار البقاء داخل حدود الوطن يشبه الانتحار البطيء في هاوية العدم. هذا الجبر الخارجي حقيقة ملموسة، والبيئة الطاردة ليست وهماً، وهي التي تجعل الشاب يصرخ مجروحاً: "لقد طردتني البيروقراطية وقهرني الفساد!".

ولكن، خلف قناع القسوة الظاهر هذا، ثمة صوت خفي للأرض لا يسمعه إلا أصحاب الوعي الخالص. الوطن ككينونة، كتراب، كأمة، لا يطرد أحداً، بل يقف في عمق التاريخ مناشداً عقولنا وسواعدنا ألا تتركه وحيداً في مواجهة العبث. وهنا يقع عيبنا نحن؛ العيب يبدأ حين نرتضي دور الضحية المطلقة ونسقط كل تقاعسنا على شماعة الوطن المحطم، فنصم آذاننا عن مناشدته. نحن نقدم أثمن ما نملك—وعينا، وسواعدنا، ووقتنا—لبناء بلادٍ أخرى تمنحنا الحقوق المادية لكنها لن تمنحنا الانتماء الروحي لـ "الأرض العارية" الأولى. إننا نهرب بالواجبات إلى الخارج لأن مواجهة الواقع بالداخل تتطلب شجاعة ومقاومة فكرية حقيقية آثرنا السلامة منها، متناسين أن الوطن الذي نلومه ما زال يتشبث بنا وينادينا للبقاء والترميم.

يا شبابنا المهاجر، ويا من تقفون على أعتاب الرحيل؛ إن الوطن ليس فندقاً نغادره كلما ساءت الخدمات، بل هو وجود نحن من يصنع ملامحه ويسترد حقوقه. قبل أن نلوم الأوطان على سلب الحقوق، دعونا نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا من واجبات لبيتٍ يستغيث؟ إن العيب ليس في رغبتنا بالعيش الكريم، بل في ترك الساحة للأقنعة المزيفة والتافهين ليعبثوا بمصير الأمة، بينما نبني نحن حضارات الآخرين. التغيير يبدأ من الداخل، والنهضة الحقيقية تقتضي ألا نمنح وعينا لمن لا يشبهنا؛ فالوطن لم يطردنا بملء إرادته، بل هو يقف هناك وسط ركام التحديات، يمد يده بكل حنين، ومناشدته لنا بالبقاء هي طوق النجاة الأخير لوعينا المهاجر.

***

الكاتبة: ايمان عبد الحكيم خريسات

 

في المثقف اليوم