بعد انهاء الدراسة الاعدادية يختار الطالب الشاب تخصصه الجامعي، مؤمنًا أنه حدد مسار بقية حياته، وقضي الأمر
يدخل أحدهم كلية الطب او الهندسة، وآخر إدارة الأعمال، وثالث الإعلام واخر يصبح اديبا، وبعد أربع أو خمس سنوات يتخرج، ثم يتعامل مع التخصص الممهور في شهادته وكأنه عقد إذعانٍ أبدي، لا يستطيع الفكاك منه، درستَ الهندسة؟ يجب أن تبقى مهندسًا حتى التقاعد، درست المالية؟ لا بد أن تظل الأرقام مهنتك حتى النهاية! لكن الحياة ليست بهذه الصرامة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، ونعتقد ان الإنسان الذي اختار تخصصه في الثامنة عشرة ليس بالضرورة نفسه في الثلاثين أو الأربعين، تتغير الاهتمامات، ونكتشف قدرات، ونكتسب مهارات، وتتبدل المهن والتقنيات، وظائف جديدة تظهر وأخرى تختفي أو تتبدل طبيعتها
الدراسات تؤكد أن العلاقة بين الدراسة والعمل ليست دائمًا بذلك التطابق الذي نتصوره، ففي مسح للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أفاد 45% من ذوي التعليم بعد الثانوي أنهم يعملون في مجال يرتبط مباشرة بما درسوه أو تدربوا عليه، بينما الأكثرية يعلمون في غير تخصصهم! لذا ليس فشلًا في الاختيار الأول،
القيمة المضافة هنا؛ أن تخصصك السابق لا يضيع عندما تغادره؛ بل ينتقل معك، المهندس الذي ينتقل إلى الإدارة يحمل معه طريقة التفكير المنهجية، مثل الصيدلي الذي يعمل في الإدارة الصحية يفهم ما لا يفهمه الإداري التقليدي عن المريض والممارسة الصحية، ومن درس اللغة والآداب ثم انتقل إلى ممارسة التواصل يمتلك حسًا سردياً وإبداعًا، هنا تتحول المسافة بين تخصصك القديم ومهنتك الجديدة من نقص إلى ميزة تنافسية،، تحوّل المسار ينبغي ألا يكون مجرد تغيير عاطفي، أو قفزًا عشوائيا، الأفضل أن نستعد ونتجهز له، عبر دورات متخصصة مثلًا، أو شهادة مهنية، مشروع جانبي، تجربة تطوعية، قراءة منهجية، ثم ربما دراسة عليا في المجال الجديد، مثلما فعلت حينما انتقلت من الصيدلة إلى التواصل، حيث عضّدت ذلك بالممارسة الجانبية، والدورات المتخصصة، ثم الدراسات العليا، وهكذا لا نلغي ما تعلمناه، بل نضيف إليه،، قد تبدأ مهندسًا ثم تصبح إعلاميًا، ثم تنتقل إلى الاستراتيجية، أو طبيبًا يتخصص لاحقًا في الجودة، أو محاسبًا يجد نفسه في التقنية، وقد تبقى في تخصصك حسب رغبتك كما حال الأغلبية، لكن تذكر أنه ليس مطلوبًا أن تبقى في تخصصك لمجرد أنك درسته! وقضيت سنوات فيه، نصيحتنا لا تكن أسيرًا لا تكن أسيرًا لما درست؛ اجعله فصلًا من سيرتك، لا عنوان الكتاب وتفاصيله، لا تكن أسيرًا للدخل الثابت، استثمر لتكون سيد قراراتك المالية يقول فيدور دوستوفسكي لا تكن سجينا لماضيك، لا تكن أسيراً لما مضى، فالماضي لم يكن قيدا يفرض عليك بل درسا عابرا من ليفهمك لا ليحكم عليك. ما حدث انتهى لحظته، الحياة تُنادينا كل يوم لنفتح نوافذ أخرى ونكتشف اتساع الروح.
***
نهاد الحديثي








