ليست الدول كائنات "مقدسًة ومطلقة"!، ولا هي غايات نهائية، بل هي وسائل وأدوات للحق والخير أو للباطل والشر وفق مبدأ أو معيار أصلية الحق والخير وحياد الأشياء "التي منها الدول".
وقيمة الدول، الحقيقية لا تُقاس بمجرد قوتها أو اتساع نفوذها أو غلبتها، ولا بكونها ذئابا مقابل قوى أقوى منها ونعاجا مقابل قوى أضعف منها، وإنما بمدى التزامها بالحق والخير وإقامة العدل، حفظ الحقوق، وصيانة الواقع والحياة من الظلم والفساد والفوضى.
فكل قوة بشرية، مهما بلغت، تبقى ضعيفة ومحدودة لأنها تتحرك داخل واقع نسبي متغير لا تملك السيطرة الكاملة على قوانينه.
ومن أكبر أوهام السياسة والسلطة السياسية أن القوة تمنح صاحبها القدرة على صناعة الحقيقة والحق والحقوق.
فالدول قد ترفع شعارات كبرى، وتعلن مواقف تبدو نهائية، ثم تجد نفسها أمام واقع يجبرها على إعادة الحسابات ومراجعة الشعارات وتغييرها.
ذلك لأن إرادة البشر، أفرادًا كانوا أو جماعات، لا تعمل في فراغ، بل تصطدم دائمًا بسنن كونية تتجاوز رغباتهم. ومن يظن أنه يملك الواقع أو التاريخ، يكتشف عاجلا أو آجلا أن الواقع أو التاريخ أكبر من إرادته. والواقع والتاريخ هما مجرد مظهر من مظاهر إرادة الله تعالى.
إن تغير المواقف السياسية يكشف حقيقة عميقة هي أن ما يصنعه الإنسان من تحالفات وعداوات ومشاريع يبقى خاضعًا للتغير والتغيير، لأن الإنسان نفسه متغير والنفوس تتغير، ولأن المصالح والقوى والظروف لا تثبت على حال. ولهذا فإن الدول قد ترفض أمرًا في زمن، ثم تقبله في زمن آخر، وقد تجعل من خصم الأمس شريك اليوم، ليس دائمًا بسبب تحول في المبادئ، بل بسبب تغير في حسابات الواقع.
لكن المشكلة لا تكمن في تغير الموقف بحد ذاته، فالمراجعة قد تكون علامة على العقل والحكمة، وإنما تكمن في أن يتحول التغير إلى إنكار للحقيقة، أو أن يصبح المبدأ مجرد لباس يُرتدى عندما يخدم المصلحة ويُخلع عندما يصبح عبئًا. فالإنسان قد يبرر لنفسه ما يوافق هواه، والدول قد تفعل الشيء نفسه حين تجعل القوة أو السلطة معيارًا وحيدًا للحكم.
إن التاريخ يبين أن الأمم لا تسقط فقط بسبب ضعفها المادي، بل بسبب فقدان الميزان الحقيقي الذي يميز بين ما هو حق وخير وما يخدم ولو مؤقتا شهوة القوة والغلبة. فالقوة إذا انفصلت وانقطعت عن الحق والخير تصير قوة باطلة وطاغية وضالة، والمصلحة إذا انفصلت وانقطعت عن قيم الحق والير تتحول إلى مفسدة وشر وضرر. وقد ينجح الظلم في وقت أو مكان، لكنه لا يستطيع الإستمرار التام؛ لأن الكون لا يقوم على الطغيان والفوضى والعبث، بل على الحق والخير وقوانين وسنن تتجاوز الحسابات القصيرة الجاهلة. والحياة الدنيا الفانية مجرد ممر إلى الحياة الآخرة الخالدة.
الدولة الرشيدة ليست التي لا تغير مواقفها أبدًا، فهذا مستحيل في عالم متحرك، وإنما التي تجعل تغيرها خاضعًا لمعيار أعلى من مجرد الربح والخسارة. فهي قد تتراجع عن قرار، أو تعيد بناء علاقة، أو تغير وسيلة، لكنها لا تجعل الحق تابعًا لشهوات الحكام، ولا تجعل الحق والحقوق مجرد أرقام في حسابات القوة والغلبة.
إن أخطر ما يحدث عندما تفقد السلطة قدرتها على رؤية نفسها من الخارج وفق منظار صحيح؛ فتصبح كل أفعالها مبررة، وكل تناقضاتها حكمة، وكل انكساراتها انتصارات. عندها لا تعود المشكلة في فساد السياسة فقط، بل في فساد الميزان الذي تُقاس به السياسة وغيرها.
تكشف حركة الدول حقيقة كبيرة هي أن كل ما في هذا العالم متغير وزائل، وأن الثبات الحقيقي ليس في المواقف البشرية المتحركة، بل في القيم التي تتجاوز الزمن. فالقوى تتغير، والتحالفات تتغير، والأنظمة تعلو وتسقط، لكن "الحق والخير" يبقى معيارًا يكشف قيمة الأفعال والأشخاص مهما تغيرت الظروف.
والدولة التي تريد البقاء لا يكفيها أن تمتلك القوة، بل تحتاج إلى الحكمة؛ ولا يكفيها أن تعرف كيف تنتصر، بل أن تعرف لماذا تنتصر. فسجل الحق والخير لا يحفظ من امتلكوا القوة والغلبة، بل من استطاعوا أن يجعلوا القوة والغلبة خادمًا للحق والخير، لا بديلًا عنه.
أخيرا، أنوه إلى أن هذه المقالة أو موضوعها مثال آخر لنظرية " كون الحق والخير هو النظام الأعلى والمعيار الأعلى الأصيل إزاء حياد الاشياء والمفاهيم . وهو المعيار الضائع أو الأكثر ضياعا في جميع الأمم والملل حتى المسلمين، مع الأسف. والمشكلة الكبيرة أن هذا المعيار رغم بساطته ووضوحه وبديهيته عند الجميع تقريبا، فهو ضائع مهمل عند الجميع تقريبا، في تناقض عجيب واضح.
***
جميل شيخو- الموصل - العراق
الجمعة 31 / 7 / 2026








