عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

منى الصالح: (من أمن العقوبة أساء الأدب)

﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾

لا أعلم لماذا حضرت هذه الآية إلى ذهني وأنا أشارك في نقاش طويل حول الجريمة ودوافعها، وحول ذلك السؤال الذي يؤرق كل إنسان: كيف يصل إنسان إلى مرحلة من التوحش تجعله قادرًا على ذبح طفل صغير؟ ما الذي يجعل شخصًا مثل حرملة يتجاوز كل الحدود الإنسانية؟

وليس حرملة حالة فريدة في التاريخ، فقد رأينا عبر العصور أمثاله كثيرًا، بل إن السينما الحديثة امتلأت بقصص القتلة المتسلسلين والمجرمين الذين يثيرون فينا سؤالًا واحدًا: هل وُلد هؤلاء هكذا، أم أن الطريق إلى الجريمة كان طويلًا؟

لكن ما أثار دهشتي أكثر من الجريمة نفسها، هو ردود الفعل على المجرمين. هناك من يطالب بأشد العقوبات، وكأن المجرم كائن مختلف عن البشر، وكأننا جميعًا نعيش في حصانة مطلقة تمنعنا من السقوط.

من منا يتخيل يومًا أنه قد يصبح مجرمًا؟

ومن منا يستطيع أن يجزم أن أبناءه أو إخوته لن يقعوا في لحظة انهيار؟

كم من حالات تنمر في المدارس انتهت بجرائم قتل أو انتحار؟

كم من زوجة عاشت سنوات من الإهانة والعنف، تبتلع القهر يومًا بعد يوم، حتى جاءت لحظة ضعف ارتكبت فيها جريمة لم تكن تتصور يومًا أنها قادرة عليها؟

ليست كل الجرائم متشابهة، لكن الإنسان أكثر هشاشة مما نحب أن نعترف.

وهنا حضرت أمامي قصة ابن نوح، حين دعاه أبوه إلى النجاة قال بثقة: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. كان يظن أن ما يملكه من معرفة أو قوة أو مكان مرتفع سيحميه من الطوفان. فجاء الجواب الخالد: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾.

نحن نظن أننا بمنأى عن السقوط. نظن أننا لن نمرض. لن ننحرف. لن ننهار. لن نخون. لن نقتل. لكن الحياة أثبتت لنا أن الإنسان معرّض لكل أنواع الابتلاءات، وأن ما وقع فيه غيرنا قد نقع فيه لو تبدلت الظروف، أو اشتدت الضغوط، أو اجتمعت علينا عوامل لم نعشها من قبل.

اليوم، وكل يوم، لا عاصم إلا من رحم. ولو عُرضت علينا دنيا فرعون، أو ابتُلينا بابتلاءاته، فمن يملك أن يجزم أنه سيكون أفضل منه؟

ولهذا يصبح سؤال الجريمة أكثر تعقيدًا. هل هؤلاء مجرد مجرمين؟ أم مرضى نفسيون؟ أم ضحايا ظروف اجتماعية ونفسية وجينية معقدة؟

وهل للجريمة مبررات؟ أليس التبرير وغياب العقاب يقودنا للانفلات ، وتفشي الجرائم ؟

تقول الحكمة المشهورة: «من أمن العقوبة أساء الأدب.» وقد أثبتت دراسات علم الجريمة جانبًا مهمًا من هذه الحكمة.

فـ نظرية الردع (Deterrence Theory) تشير إلى أن شعور الإنسان بأنه لن يُحاسب يزيد احتمالية ارتكابه للمخالفة، سواء كانت جريمة، أو فسادًا إداريًا، أو مخالفة اجتماعية. لكن الأبحاث نفسها تشير إلى حقيقة أخرى لا تقل أهمية. فالذي يردع الناس غالبًا ليس قسوة العقوبة، بل اليقين من اكتشاف الجريمة والمحاسبة عليها. أي إن العدالة الناجزة أكثر أثرًا من العقوبات المبالغ فيها.

وفي المقابل، أظهرت دراسات عديدة أن العقوبة قد تتحول أحيانًا إلى جزء من المشكلة. فـ نظرية الوصم الاجتماعي (Labeling Theory) ترى أن المجتمع حين يُلصق بالإنسان هوية “المجرم”، فإنه قد يدفعه إلى تبني هذه الهوية.

وفي دراسة واسعة لـ Chiricos وزملائه عام 2007 شملت أكثر من خمسة وتسعين ألف شخص، تبيّن أن من وُسموا رسميًا بصفة “مجرمين” ارتفعت احتمالية عودتهم للجريمة مقارنة بمن ارتكبوا الأفعال نفسها دون أن يلاحقهم هذا الوصم. فالوصمة الاجتماعية قد تحرم الإنسان من العمل، والانتماء، والثقة، فيجد نفسه محاصرًا داخل الصورة التي رسمها له المجتمع.

كما أظهرت أبحاث عديدة أن التشدد مع المخالفين لأول مرة، خاصة المراهقين، قد يزيد من احتمالية العودة للجريمة مقارنة ببرامج الإصلاح والتأهيل. ولهذا فإن السجون وحدها لا تصنع العدالة، كما أن التساهل المطلق لا يحمي المجتمع.

الحكمة ليست في العقوبة وحدها، بل في معرفة متى تكون العقوبة دواءً، ومتى تتحول إلى داء. وهذا كله لا يعني تبرير الجرائم. فالمجرم الذي يغتصب طفلًا ثم يقتله يجب أن يُحاسب ويُعاقب بما يقرره القانون والعدل. لكن حين ندرس طفولته، وبيئته، وجيناته، واضطراباته النفسية، فإننا لا نفعل ذلك لنخفف عنه العقوبة، بل لنمنع أن يولد حرملة جديد. فدراسة الجريمة ليست دفاعًا عن المجرم، بل دفاع عن الضحية القادمة. ولو أن شخصًا مثل “الجوكر” - كما صوّرته السينما - تلقى منذ بدايات انهياره علاجًا نفسيًا، واحتواءً اجتماعيًا، ومؤسسات تتبنى تأهيله، فهل كان سينتهي إلى ذلك الوحش الذي عرفناه؟

لا أحد يملك الجواب، لكن السؤال يستحق أن يُطرح. ولهذا قال جان جاك روسو: “كل طفل يولد بريئًا، والمجتمع هو الذي يفسده.” وقال فيودور دوستويفسكي: “يمكن الحكم على درجة تحضر مجتمع من خلال دخوله إلى سجونه.” وقال نيلسون مانديلا: “لا يُعرف المجتمع حقًا إلا بالطريقة التي يعامل بها أدنى أفراده.”

ربما لهذا تبدو العبارة أكثر اكتمالًا إذا قلنا: إذا كان الإفلات من العقوبة يفسد الأخلاق، فإن العقوبة التي تسحق الكرامة قد تفسد الإنسان نفسه.

إن الجريمة ليست حدثًا منفصلًا، بل نهاية سلسلة طويلة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والبيولوجية. وهذا الكائن الذي نسميه “الإنسان” لا يزال أعقد مما نتصور، وكل يوم تكشف العلوم جانبًا جديدًا من ظلماته ومن أنواره. ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فبين وهم الحصانة وصدق الاعتراف، يولد الإنسان من جديد. ليس معصومًا بقوته، ولا بعلمه، ولا بظروفه، وإنما برحمة الله، ثم بالعدل، والوعي، والإصلاح الذي يمنع السقوط قبل أن يعاقب عليه.

***

منى الصالح

 

في المثقف اليوم