سؤال محرج يبحث عن إجابة صادقة هل شعر أحد، مثقف كان أو غير مثقف، أن خمسة وخمسين عاماً مرت على إنشاء الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي أنشئت بقرار جمهوري عام 1971م؟ هل احتفي أحد بهذه المناسبة أو حتي ذكرها على استحياء؟
سؤال محرج آخر لكنه متأخر قليلاً هل احتفلنا باليوبيل الذهبي لإنشاء الهيئة العريقة، عندما فاتنا أن نفعل منذ خمس سنوات مضت؟!
السؤالان لا يحرجان أحداً إلا المسئولين عن ثقافة هذا الشعب، رؤساء ومدراء ووزراء. فوتنا على أنفسنا فرصة ذهبية لانتشال هذا الصرح الثقافي الأكبر فى الشرق الأوسط من المستنقع الموحل الذي يكاد يغرقه؛ مستنقع البيروقراطية والإهمال والفساد، ولا أتمني أن نبقي على هذا الحال من التجاهل المريب.
لا أريد من مقالي هذا أن أنكأ جرحاً غائراً فى جسد الثقافة، جميعنا يعلم بوجوده ويتجاهله. وإنما أردت أن ألفت الانتباه إلى ضرورة المسارعة بإنقاذ هذا الصرح الثقافي الضخم، وحسن استغلاله قبل فوات الأوان. ودون أن نعامله معاملة شركات القطاع العام، فندفعه دفعاً إلى حد الإفلاس المادي والفني حتي نضطر إلى بيعه فى النهاية بمزاد علني أو سري أو بالأمر المباشر!!
المرض العضال
المؤسسات والهيئات تهرم وتمرض وتتألم مثلنا، فهي ليست المباني والحجارة والجدران، وإنما بشر من لحم ودم يصنعونها ويصعدون بها لتناطح السحاب أو يسقطونها فى الرغام.
هيئة الكتاب اليوم مريضة بلا شك؛ أصابها ما أصاب غيرها من أمراض مزمنة؛ بيروقراطية متراكمة، غياب للرؤية الاستراتيجية، ضعف في التسويق، انكماش في شبكة التوزيع، وبطء سلحفائي في ملاحقة التحولات الكبرى التي غيرت شكل صناعة الكتاب في العالم!
المشكلة ليست في الأخطاء النمطية فقط؛ فكل مؤسسة بشرية تخطئ.. المشكلة الحقيقية أن العالم يتغير بسرعة مذهلة، بينما بقينا نتصرف بمنطق الأمس، ولا يبدو أن ثمة إرادة للتطور!
نراقب بأم أعيننا تحولات الثقافة وانتقال الكتاب للفضاء الرقمي، وظهور منصات عالمية للبيع والنشر الإلكتروني، وتحول القارئ إلى مستخدم يعيش على شاشة هاتفه، بينما ظلت أسئلتنا الكبرى معلقة كما هي: (أين المشروع الرقمي الكبير للهيئة؟ أين الأرشيف الإلكتروني الذي يحفظ عشرات الآلاف من العناوين التي شكلت ذاكرة ثقافية عربية كاملة؟ كيف يمكن لكتاب صدر في القاهرة أن يصل بسهولة إلى قارئ في بغداد أو الرباط أو برلين؟ ولماذا أصبح العثور على بعض إصدارات الهيئة داخل مصر نفسها مهمة عصية على التحقيق؟!).. إن مؤسسة بحجم الهيئة لا ينبغي أن تعتمد على أن يأتي القارئ إليها، بل عليها أن تذهب إليه حيث يوجد.
بحثاً عن ميلاد جديد
كلما طرحت فكرة إصلاح مؤسسة ثقافية برز السؤال المعتاد :ومن أين لنا بالتمويل؟ والحقيقة أن المال ليس المشكلة الأكبر ولا الأهم. بل المشكلة الحقيقية في غياب المشروع.. فالمشروعات الجيدة تجد دائماً من يمولها.. ومصر بما تمتلكه من ثقل ثقافي وحضاري، قادرة على جذب الشراكات الدولية والمؤسسات الثقافية والجهات الراعية والمنظمات الإقليمية والدولية.. لكن أحداً لن يمول فكرة غامضة، ولا يستثمر في مشروع بلا رؤية، ولا يراهن على مؤسسة لا تعرف إلى أين تريد أن تذهب!
دعونا نكن عمليين ونطرح معاً فكرة جديرة بالتنفيذ لنخطو أولي الخطوات لإعادة ميلاد هيئة الكتاب فى ذكراها الخامسة والخمسين، الفكرة بسيطة والتنفيذ يسير ومتاح.. بوضوح وصراحة وبساطة أدعو إلى عقد مؤتمر عنوانه: (مستقبل النشر والكتاب فى الهيئة المصرية العامة للكتاب).. مؤتمر لا تكون مهمته التصفيق، ولا إعادة إنتاج الخطابات المعتادة، بل التفكير الجاد في مستقبل مؤسسة ثقافية بحجم مصر.
مؤتمر يجذب خبراء صناعة النشر من العالم مع المثقفين والناشرين المصريين والعرب، لبحث سؤال واحد هو كيف يمكن إعادة إحياء الهيئة، ودفعها لموقعها الطبيعي كواحدة من أهم المؤسسات الثقافية في المنطقة؟ نريد استغلال آراء خبراء نجحوا في تطوير دور نشر عريقة ومتخصصين في النشر الرقمي.. نحتاج لسواعد محترفي تسويق إلكتروني، ولعقول مثقفين يعرفون كيف يمكن للكتاب أن يتحول من منتج على رف مهجور إلى معرفة تصل إلى ملايين البشر.. نحتاج إلى أن نتعلم من العالم، لا أن نكرر أنفسنا وأخطاءنا.
طابور الملفات المؤجلة!
ثمة ملفات شتي ينبغي أن تكون فى مقدمة مناقشات مؤتمر كهذا: أولًا: أزمة التوزيع.. أن نمتلك الجرأة والرغبة لإجابة الأسئلة الصعبة: كيف فقدت الهيئة قدرتها على الوصول إلى القارئ؟
كيف نعيد بناء شبكة توزيع حديثة تجمع بين منافذ البيع التقليدية والمنصات الرقمية؟ فالكتاب الذي لا يصل إلى القارئ يظل فكرة محبوسة مهما كانت قيمته.
ثانيًا: سياسة التسعير.. كيف نستعيد روح الكتاب المدعوم؟ فالهيئة لم تنشأ لتنافس دور النشر التجارية، بل لتؤدي دورًا ثقافيًا عامًا.. وظيفتها الأساسية أن تجعل الكتاب الجيد متاحًا لأكبر عدد ممكن من الناس.
ثالثًا: التحول الرقمي.. لم يعد السؤال: هل ننتقل إلى العالم الرقمي؟ لقد انتقل العالم بالفعل. السؤال الآن هل سنلحق به أم سنظل نراقبه من بعيد؟ إن الهيئة تمتلك كنزًا هائلًا من الكتب والإصدارات، وهذا التراث باستطاعته أن يتحول إلى مكتبة رقمية عربية كبرى إذا وُجدت الرؤية والإرادة!
رابعًا: الإدارة الحديثة.. لا يمكن لمؤسسة القرن الحادي والعشرين أن تدار بعقلية القرن الماضي.. نفتقر إلى خطط واضحة، ومؤشرات أداء، ومراجعة دورية، وإدارة تؤمن بأن الثقافة صناعة تحتاج إلى معرفة وإبداع، وقرارات حاسمة، لا إلى معالجات إجرائية مؤقتة.. بغير هذا سنظل ندور فى حلقة مفرغة من الإهمال الذي يقود للتردي، والفشل الذي يضطرنا لمزيد من الإهمال!
فى انتظار بطل
كل المثقفين فى انتظار حلم قريب يمكن تحقيقه.. أن يأتي هذا البطل القادر على إعادة الروح لمؤسساتنا الثقافية.. لذا فإن اختيار رئيس الهيئة القادم ليس مجرد تغيير إداري عابر. إنه لحظة مفصلية فارقة؛ فالهيئة تنادي بطلها القادم؛ شخصية تجمع بين الحس الثقافي والخبرة الإدارية، تفهم الكتاب لكنها تفهم السوق أيضًا، تؤمن بالتراث لكنها لا تخاف المستقبل، تعرف قيمة التاريخ لكنها لا تعيش أسيرته.. الهيئة تبحث عن قيادة فاعلة مؤثرة، لا تبدأ من الصفر كل مرة، ولا تلغي ما سبقها، بل تبني على ما تحقق وتصحح المسار باقتدار وذكاء وحكمة.
ولو جاء مثل هذا البطل، فأنا أدعوه لا إلى إقامة المؤتمر المذكور أعلاه فحسب.. وإنما إلى ما هو أهم؛ إلى الاستمرارية والديمومة.. إلى تحويل توصيات المؤتمر إلى بداية لإنشاء مجلس استشاري دائم للهيئة، يضم خبرات مصرية وعربية ودولية.. مجلس لا يدير الهيئة بدلًا من المسئولين، لكنه يضمن وجود رؤية مستمرة، ويمنع أن تصبح المؤسسة رهينة تغير الأشخاص وتبدل الإدارات.. فالمؤسسات العظيمة لا تبنى بالأفراد فقط، بل بالأفكار التي تستمر بعد رحيلهم.
لطالما كتبت سابقاً عن حلول وددت لو تم تنفيذها لإنعاش الثقافة والصحافة والكتاب والإعلام وحركة النشر، وبدت كأنها صيحات تطلق فى الهواء بلا مجيب. لكنني ظللت أنادي وأدعو وأرغب وأحلم وآمل.. فلولا الأمل الحي فى قلبي كورقة شجر خضراء، لانفطر الفؤاد!
واهيئتاه!!
ثمة مؤسسات لا تقاس قيمتها بعدد موظفيها، ولا بحجم ميزانيتها، ولا بعدد المباني التي تشغلها.. مؤسسات تتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ أمة. وإذا أصابها الوهن، فإن الذي يمرض ليس المبني، بل الفكرة والأمل.. والهيئة المصرية العامة للكتاب واحدة من تلك المؤسسات العريقة الفريدة التي لا يمكن تكرارها و استنساخها.
في سنواتها الذهبية، لم تكن الهيئة مجرد ناشر، كانت بوابة واسعة عبَر منها ملايين القراء إلى عوالم الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ. سلاسل مثل (المكتبة العربية، والألف كتاب) وغيرها من المشروعات الثقافية بقيت كعلامات مضيئة في تاريخ النشر العربي؛ كانت تقدم الكتاب بسعر يستطيع الطالب محدود الدخل أن يقتنيه، وكان القارئ ينتظر إصداراتها كما ينتظر حدثًا ثقافيًا سعيداً..
مقالي هذا ليس رثاء لهيئة الكتاب، هو محاولة لإنقاذها وإعادة إحياء دورها القديم.. فالذين أحبوا المؤسسات العريقة هم أول من انتقدوا ضعفها، لأنهم عرفوا قيمتها وأشفقوا من ضياعها.. والهيئة المصرية العامة للكتاب ليست مجرد مبنى أو مطابع أو مخازن.. إنها ذاكرة ثقافية، وجزء من تاريخ مصر الحديث، ومشروع تنويري ساهم في تشكيل وعي أجيال.. إن الذكرى الخامسة والخمسين للهيئة ينبغي ألا تكون مجرد رقم جديد يضاف لسجل عمرها.. بل أن تغدو ميلاداً جديداً لها، أو أن نتركها تنطفئ فى صمت.. فهلا منحناها الفرصة قبل أن تغدو مجرد تاريخ؟!
***
عبد السلام فاروق







