أقلام حرة
أكرم عثمان: عندما يصبح الحذر استنزافاً
الاحتراق الوظيفي في بيئات العمل المعقدة
يعد الاحتراق الوظيفي بين المتخصصين في جودة السلامة المهنية تحدياً متنامياً في بيئات العمل الحديثة، لا سيما في المؤسسات التي تفرض التزاماً صارماً بالمعايير والإجراءات الوقائية. إذ يتحمل هؤلاء الموظفون مسؤولية جسيمة تتعلق بحماية الأرواح والحد من المخاطر، مما يضعهم في حالة دائمة من اليقظة والضغط النفسي. ومع غياب آليات الدعم الفعالة، يتراكم لديهم الإجهاد البدني والذهني، وصولاً إلى الاحتراق الوظيفي الذي يؤثر سلباً على كفاءة الأداء وجودة اتخاذ القرار.
تتعدد مصادر الضغط على العاملين في هذا المجال؛ فتبدأ من ثقل المسؤولية الأخلاقية والمهنية في منع الحوادث، مروراً بمتطلبات التدقيق والتقارير المستمرة، وصولاً إلى مواجهة الطوارئ والتعامل مع المخاطر الميدانية. كما يواجه الموظف تحدياً إضافياً يتمثل في التوفيق والتوازن بين متطلبات الإدارة ومقاومة العاملين لتطبيق إجراءات السلامة، مما يجعله في صراع مهني مستمر يزيد من إنهاكه.
ومع تفاقم هذه الضغوط، تظهر مؤشرات تحذيرية مثل الإرهاق المزمن، وتشتت الانتباه، وتراجع الدافعية، والتردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، بالإضافة إلى الميل نحو العزلة. وقد يتطور الأمر إلى شعور بالإحباط والتشاؤم، مما يضعف المبادرة والابتكار في تطوير برامج السلامة. وفي هذه المرحلة، قد يلجأ الموظف إلى استراتيجيات سلبية للتعامل مع الضغوط، كالمماطلة أو تجنب المواجهة أو الهروب من المسؤوليات الأساسية أو العنف اللفظي والبدني والتنمر.
ولا يقتصر أثر الاحتراق الوظيفي على الفرد فقط، بل يمتد ليؤثر على جودة السلامة المهنية داخل المنظمة والمؤسسة، حيث يؤدي الإرهاق الذهني إلى ضعف القدرة على اكتشاف المخاطر، وانخفاض جودة التقارير المهنية، والتغاضي عن بعض الملاحظات المهمة التي تحتاج إلى متابعة وتقييم مستمر، إضافة إلى تراجع التواصل الفعال مع العاملين. كما أن انخفاض الحماس لدى موظف السلامة ينعكس على ثقافة السلامة العامة، فتقل المشاركة في الأنشطة التنموية والوقائية، وتضعف المبادرات التطويرية، ويصبح الالتزام بإجراءات السلامة شكلياً بدلاً من كونه سلوكاً مؤسسياً راسخاً. وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى زيادة الحوادث المهنية وارتفاع معدلات الإصابات والغياب أو الدوران الوظيفي الذي يؤدي إلى ترك العمل، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء والإنتاجية وسمعة المؤسسة وصورتها الذهنية والواقعية أمام العملاء والزبائن.
ومن ناحية أخرى، فإن الضغوط المهنية في مجال السلامة ليست دائماً سلبية، إذ يمكن أن تكون محفزاً إيجابياً للتميز وتحقيق الإنجاز إذا ما تمت إدارتها بصورة متوازنة وصحية. فوجود تحديات مهنية قد يدفع الموظف إلى تطوير مهاراته التنظيمية وتحسين قدرته على إدارة وتنظيم الوقت، وتعزيز التفكير الاستباقي في اكتشاف المخاطر قبل وقوعها. كما أن التعامل مع المواقف الطارئة قد يسهم في بناء الثقة بالنفس وتنمية مهارات اتخاذ القرار تحت الضغط. إلا أن هذه الضغوط تتحول إلى عامل هدم عندما تتجاوز قدرة الفرد على التكيف وضعف قدرته على الاندماج والانسجام مع زملائه ومديريه، أو عندما يغيب الدعم المؤسسي والتنظيمي الذي يساعد على إدارة هذه الضغوط بصورة صحية.
وتلعب بيئة العمل دوراً محورياً في الحد من الاحتراق الوظيفي، فالمؤسسات التي توفر مناخاً داعماً للصحة النفسية والاجتماعية تسهم في تعزيز الاستقرار المهني للعاملين في السلامة المهنية. ويشمل ذلك توزيع الأعباء بصورة عادلة، وتوفير الموارد اللازمة لتطبيق إجراءات السلامة، وإشراك الموظفين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمخاطر المهنية، إضافة إلى تقديم برامج تدريبية تنموية وتطويرية متخصصة في إدارة الضغوط والتعامل مع الأزمات والصراعات في العمل. كما أن تقدير جهود موظفي السلامة والاعتراف بدورهم في حماية العاملين يسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي وتقليل الشعور بالإجهاد ويوفر الراحة والشعور بالأمن والطمأنينة.
وتسهم العلاقات الاجتماعية الإيجابية داخل بيئة العمل في تقليل آثار الاحتراق الوظيفي، إذ إن الدعم المتبادل بين الزملاء يعزز الشعور بالانتماء والولاء المؤسسي ويخفف من حدة الضغوط اليومية والإرهاق الذي يحدث أثناء العمل. كما أن التواصل المفتوح بين الإدارة وموظفي السلامة المهنية يساعد على مناقشة التحديات وتبادل الحلول بصورة واقعية. ويعد إشراك العاملين في برامج ترفيهية وتفريغية واجتماعية، وتنظيم لقاءات دورية مستمرة، وتوفير مساحات للحوار البناء والتعبير عن الضغوط المهنية بإيجابية، من العوامل التي تدعم الصحة النفسية والروح الاجتماعية والجمعية وتعزز التوازن بين العمل والحياة الشخصية والاجتماعية للموظفين.
كما أن تنمية الوعي بالصحة النفسية في بيئة العمل تعد من الأساليب البنائية والوقائية المهمة؛ حيث يمكن نشر مواد توعوية حول إدارة الإجهاد، وتقديم ورش تدريبية حول المرونة النفسية والعاطفية، وتشجيع العاملين على ممارسة النشاط البدني التفريغي، والحصول على فترات راحة واستجمام منتظمة أثناء العمل. ويسهم تطوير مهارات التواصل الفعال في تقليل الأزمات والصراعات المهنية، وتحسين التعاون بين الأقسام المختلفة؛ مما يقلل من الضغوط الواقعة على موظفي السلامة المهنية. إن الاستثمار في الصحة النفسية والاجتماعية للعاملين في مجال السلامة المهنية لا ينعكس فقط على رفاه الموظفين ونفسيتهم وزيادة اللحمة الاجتماعية في العلاقات الصحية مع الزملاء والمدراء، بل يؤدي إلى تعزيز ثقافة السلامة داخل المؤسسة، وتحسين جودة الأداء، وتقليل الحوادث المهنية، وزيادة الإنتاجية؛ فالموظف الذي يتمتع بالاستقرار النفسي والاجتماعي والمهني يكون أكثر قدرة على ملاحظة المخاطر، وأكثر التزاماً بالإجراءات الوقائية، وأكثر فاعلية في نشر ثقافة السلامة بين العاملين. وبالتالي فإن الاهتمام بالاحتراق الوظيفي يعد جزءاً أساسياً من منظومة الجودة الشاملة في السلامة المهنية؛ حيث يسهم في بناء بيئة عمل صحية وآمنة ومستدامة تدعم الإنسان وتحقق أهداف المؤسسة في آنٍ واحد.
***
د. أكرم عثمان
1-5-2026







