عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أسمهان عبد القدوس: من الجمال إلى التشوه البصري

تحولات الوجه في عصر التجميل المفرط

في زمنٍ أصبحت فيه الصورة مرآة أولى للوجود، لم يعد الجسد مجرد كيان بيولوجي، بل تحول إلى مشروع قابل للتعديل، وإلى نص مفتوح على تأويلاتٍ لا تنتهي. ومع اتساع حضور وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تصاعدت موجة عمليات التجميل بوصفها محاولة لإعادة كتابة هذا النص، أو تصحيح ما يُظن أنه خللٌ في ملامحه. غير أن هذه الظاهرة، على ما تبدو عليه من سعي نحو الكمال، تحمل في طياتها مفارقة عميقة: إذ قد تقود، في بعض تجلياتها، إلى نوعٍ جديد من التشوه، لا جسدي فحسب، بل بصري وذوقي وثقافي.

لقد كانت الجراحة التجميلية، في بداياتها، فعلاً إنسانياً نبيلاً، يستهدف ترميم ما أفسدته الحروب أو الحوادث أو التشوهات الخلقية. كانت تعيد للإنسان شيئاً من توازنه النفسي، وتمنحه فرصة للاندماج في المجتمع دون شعور بالوصم أو النقص. غير أن هذا الهدف النبيل أخذ ينحرف تدريجياً مع تحول الجمال إلى سلعة، ومعاييره إلى قوالب جاهزة تُستنسخ بلا روح. لم يعد التجميل علاجاً، بل أصبح نزوعاً استهلاكياً، يخضع لذوقٍ جمعي مُصنع، يُملى من شاشاتٍ لامعة وصور مُفلترة.

في هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ"التشوه البصري"؛ وهو تشوه لا يكمن في عيب عضوي، بل في اختلال المعايير التي نقيس بها الجمال. حين تتشابه الوجوه إلى حد التطابق، وتفقد الملامح خصوصيتها، يصبح الجمال ذاته مهدداً بالاندثار. الأنف نفسه، الشفاه نفسها، تقاطيع الوجه ذاتها، وكأننا أمام نسخٍ متكررة من نموذجٍ واحد، أُفرغ من اختلافاته الإنسانية. هنا، لا يعود التجميل تعزيزاً للذات، بل محواً لها.

إن التشوه البصري لا يصيب الأفراد فقط، بل يمتد ليشمل الوعي الجمعي. فمع تكرار هذه الصور، يتكون لدى المتلقي إدراك مشوه لماهية الجمال الطبيعي، ويغدو غير القابل للتحقيق هو المعيار، بينما يُهمش العادي والبسيط. وهكذا، يدخل الإنسان في دائرة من القلق الدائم، يسعى فيها إلى مطابقة صورة وهمية، لا وجود لها خارج الفلاتر والعيادات.

ولعل الأخطر من ذلك، أن هذا السعي المحموم نحو الكمال الشكلي، يُخفي فراغاً داخلياً، ويعكس أزمةً في تقبل الذات. فالجسد، في نهاية المطاف، ليس عدواً ينبغي إصلاحه باستمرار، بل هو حكايةً نعيشها، بكل ما فيها من نقص واكتمال. حين نفقد القدرة على رؤية الجمال في اختلافنا، نصبح أسرى لمرآةٍ لا تعكسنا كما نحن، بل كما يُراد لنا أن نكون.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال عمليات التجميل في بعدها السلبي فقط؛ فهي، في بعض الحالات، ضرورة إنسانية ونفسية. لكن الإشكال يكمن في الدافع: هل هو حاجة حقيقية، أم استجابة لضغطٍ خارجي؟ هل هو رغبة في الترميم، أم في التحول إلى نسخةٍ أخرى؟ هنا يتحدد الفارق بين التجميل بوصفه فعلاً واعياً، والتجميل بوصفه انقياداً أعمى.

إن مواجهة ظاهرة التشوه البصري لا تكون برفض التجميل، بل بإعادة تعريف الجمال نفسه. الجمال ليس تماثلاً، بل تنوع؛ ليس كمالاً جامداً، بل حيوية تنبض في الاختلاف. وحين نعيد الاعتبار للملامح الطبيعية، وللتجاعيد بوصفها ذاكرةً لا عيباً، يمكننا أن نستعيد توازننا البصري، ونحرر ذائقتنا من سطوة النماذج المصطنعة.

في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نُجمل وجوهنا، أم نُجمل نظرتنا إليها؟ فربما كان الخلل الحقيقي لا في الملامح، بل في العين التي تنظر، وفي المعايير التي تُقوم. وحين نصحح هذه العين، قد نكتشف أن الجمال كان حاضراً دوماً، لكننا لم نكن نراه.

***

أسمهان عبد القدوس