أقلام حرة
ثامر الحاج أمين: من طرائف الحيلة
منذ القدم، والعقل البشري يعمل على إيجاد الحيلة المناسبة للتملّص من بعض الالتزامات الثقيلة المفروضة عليه، والتحايل على النصوص القانونية للوصول إلى مبتغاه، وتُعرَّف الحيلة، بوجه عام، بأنها الرغبة في الوصول إلى الغرض بطريق خفي، باستعمال نوع من الحذق والفطنة، وقد عرفت المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل كثيرًا من الشرائع والقوانين التي وجد فيها البعض عبئًا وعثرة في طريق تحقيق طموحاتهم الشخصية، فاضطروا إلى الالتفاف على القوانين عن طريق اللجوء إلى وسائل خفية، منها الحيلة الشرعية أو المخارج، وكلاهما في الاصطلاح بمعنى واحد، هو التحايل على النصوص لتحقيق غرض معين دون الوقوع في مخالفة القواعد الشرعية، أو بمعنى تجنّب هدم الأصل الشرعي وهي من الموضوعات التي دارت حولها كثير من الآراء والمناقشات بين فقهاء الشريعة والقانون، بين مؤيدٍ لها ومعارض .
ويعتقد بعضهم أن هذا النوع من الحيل ممارسة حديثة أوجدها الواقع السياسي والاقتصادي الجديد، واتخذها البعض وسيلةً للإثراء غير المشروع، في حين أنها وسيلة قديمة رافقت ظهور القوانين، بدءًا من القانون الروماني الذي يُعدّ من أقدم القوانين الوضعية التي تأثرت بموضوع الحيلة؛ إذ استخدمها الملوك، وجاء من بعدهم الخلفاء والحكام الذين أوغلوا في الالتفاف على القوانين ومخالفتها، ومن طرائف الحيل الشرعية التي أوردها إبن المعتز في كتابه طبقات الشعراء، وكذلك إبن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء قصة الشاعر إبراهيم بن هرمة مع الخليفة المنصور (714م – 775م)، وابن هرمة رجل مخضرم عاصر بعضًا من حكم الدولة الأموية وجزءًا من عصر الدولة العباسية، وعُرف بخفة الظل وإدمان الخمر؛ إذ كان من المستهترين بالشراب والمدمنين عليه، وقد جُلد الحدّ مرات في خلافة أبي العباس السفاح ولكن بعد مجيء المنصور إلى الخلافة، اختاره ليسامره ويُسرّي عنه، على الرغم من أن الأخير لم يكن يحب الشراب، ويذكر المصدران آنفا الذكر أن إبراهيم بن هرمة، بعد أن أنهى إنشاد قصيدة أمام المنصور وقد استحسن شعره، قال له: «سل حاجتك». فقال: «أن تكتب إلى عامل المدينة ألا يحدّني إذا أُتي بي سكران»، فقال له المنصور: «هذا حدّ من حدود الله عز وجل، فلا يجوز لي أن أُعطّله»، فقال: «فاحتلّ لي يا أمير المؤمنين "، فكتب المنصور إلى عامل المدينة: «من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة جلدة، واجلد ابن هرمة ثمانين». فتحاماه رجال الشرطة، وكانوا يمرّون به مطروحًا وهو سكران، فيقولون: «من يشتري مائة بثمانين؟».
***
ثامر الحاج أمين







