أقلام حرة

مجيدة محمدي: تعقيب على منشور للمبدعة اميرة غنيم

حول قضية الفنانة هند صبري

هذا النصّ للمبدعة اميرة غنيم يلبس قناع الهجاء، لكنه في جوهره قصيدة مديحٍ مقلوبة، تُمارس السخرية السوداء بوصفها أداةَ كشفٍ نفسيٍّ واجتماعيّ. إنّه لا يهاجم النجاح، بل يعرّي البنية التي ترى في النجاح اعتداءً شخصيًّا عليها.

اللافت أنّ كلمة «مؤذية» تتكرّر بوصفها محورًا دلاليًّا، لكنها تنقلب من شتيمةٍ ظاهرة إلى شهادة تفوّقٍ باطنة. الأذى هنا ليس ضررًا أخلاقيًّا، بل صدمةُ تفوّقٍ في بيئةٍ اعتادت التواطؤ على الرداءة. فمجرد الوجود المتقن يصبح «نشازًا» في «جوقة الفاشلين»، وهي استعارة موسيقية دقيقة تُصوّر الوسط الرديء كتناغمٍ زائفٍ لا يحتمل صوتًا صحيحًا.

النصّ يشتغل على مفارقة أساسية: النجاح يُعامَل كجريمة، والتفوّق كخيانةٍ للجماعة. عبارة «الخائنة لحشود الفاشلين» تُكثّف هذه المفارقة، إذ تُحوِّل الخيانة من خرقٍ للقيم إلى خرقٍ لمنظومة الركود. هنا تنكشف آلية نفسية معروفة، حين يعجز البعض عن بلوغ القمّة، يحاولون خفض القمّة إلى مستواهم، أو تشويه من اعتلاها.

السخرية السوداء تبلغ ذروتها في الدعاء بأن «تعمى أعينهم عن النظر إليها». هذا ليس دعاءً عليها، بل اعترافٌ ضمنيّ بأن الألم ليس في نجاحها، بل في عيونٍ ترى وتُقارن. إنّه اعتراف بأن المشكلة كامنة في الشعور بالنقص، لا في موضوع المقارنة.

كما أنّ النصّ يحاكم ثقافة «الوساطة والإخوانيات ومنطق خذ وهات»، فيُبرز النجاح الفردي بوصفه تهديدًا لمنظومات المصالح المغلقة. لذلك يصبح التفوّق «استفزازًا»، لأنه يفضح هشاشة المعايير السائدة.

الكاتبة تتقن لعبة الانقلاب الدلالي، كل عبارة تبدو لومًا هي في الحقيقة وسام. «تتكلّمين اللغات»، «تحصلين على الشهائد»، «تقتنصين مكانة» — هذه ليست تهمًا، بل سردٌ لمكامن التميّز. التكرار المكثّف لعبارة «كم أنت مؤذية» يخلق إيقاعًا ساخرًا يُشبه الهتاف، لكنه هتافٌ يُدين الحاسدين أكثر مما يُدين المحسودة.

في المحصلة، النصّ ليس عن شخصية بعينها بقدر ما هو عن علاقتنا العربية الملتبسة بالنجاح، نحتفي به نظريًّا، ونرتاب منه عمليًّا. إنّه مرآةٌ لجرحٍ نرجسيٍّ جمعيّ، يتألّم كلّما ظهر من يُثبت أنّ الإنجاز ممكن خارج شبكة الأعذار.

هذه السخرية ليست سوداء لأنها قاسية، بل لأنها تكشف منطقةً معتمة في وعينا، حين يتحوّل التفوّق إلى تهمة، يصبح الأذى الحقيقي هو أن تكون عاديًّا في زمنٍ يحتاج إلى الاستثناء.

 بوركت اميرة غنيم، وفقت هند صبري

***

مجيدة محمدي

.......................

النص الاصلي:

سلاما أيتها المؤذية. أعرف أنك لا تستغربين النار التي تضرم حولك من حين إلى آخر لأنك تعلمين تماما كم أنت مؤذية! أجل يا هند صبري، أنت تعرفين حجم الأذى الذي توزّعينه من حولك بسخاء. تعرفين مقدار الألم الذي تنثرينه مع كل نجاح ومع كل فرحة تلوح على وجهك. مجرّد وجودك مؤذ يا هند صبري. وجودك نشاز في جوقة الفاشلين المطبلين لبعضهم البعض. نجاحك يوقظ الإحساس الممضّ بالنقص ويخلخل التوازن المألوف في الأوساط القائمة على الوساطة والإخوانيات واللوبيات ومنطق خذ وهات. نجاحك جدير بأن يحارب بشراسة. كلا، لست بريئة يا هند صبري. فأنت إذ تراكمين النجاح تراكمين الاستفزاز. تضغطين بمنتهى القسوة على الجروح النرجسية وتخرجين أسوأ ما فيها من صديد الشعور المر بانعدام الكفاءة. افففف كم أنت مؤذية يا هند صبري. تصعدين إلى القمم وحدك أيتها الخائنة لحشود الفاشلين؟ تتكلمين اللغات وتتقنين اللهجات وتحصلين على الشهائد الجماعية وتقتنصين مكانة لا مثيل لها في الشاشات العربية؟ من تحسبين نفسك يا هند صبري لتفضحي هكذا وبكل بساطة كل حشود المساكين الذين يطمئنهم أن يعلقوا إخفاقهم على سوء البخت وقلة الفرص؟ لماذا تتعمدين إهانة الفاشلين أيتها المؤذية؟ لماذا تصرين على تذكيرهم ومن دون خطب بالجرأة التي افتقدوها وبالمواقف التي جبنوا عنها وبكل الأشياء الكبيرة التي لم يسعهم الا أن ينظروا إليها من بعيد؟ أجل أنت والله مؤذية يا هند صبري. فماذا نفعل اذا لم تتوبي عن الإذاية؟ وما عسانا نصنع وأنت لا تعتذرين لنا عن نجاحك المؤذي ولا تسألين عنه المغفرة؟ هل من دواء لضحاياك يا هند وما أكثرهم إلا أن يرفعوا أيديهم الى السماء؟ هل من دواء الا أن يسألوا الله شيئا بسيطا: أن تعمى أعينهم عن النظر إليك يا هند حتى يخف عنهم الوجع قليلا؟  وفي الأثناء حذاري أن تكفي عن الأذى يا هند. سلاما أيتها المؤذية.

  أميرة غنيم

 

في المثقف اليوم