بأقلامهم (حول منجزه)
د. شهرزاد حمدي تُحاوِر الأستاذ ماجد الغرباوي (4)
الحلقة الربعة من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.
***
المحور الثاني: فلسفة الدين (2)
***
س12- د. شهرزاد حمدي: ما رأيكم في مشاريع بعض المُفكّرين العرب المُعاصرين على سَبيل الذِكر لا الحَصّرِ: "محمد أركون"، "نصر حامد أبو زيد"، "محمد شحرور"؟ هل حمِلت اجتهادًا مأصولاً أم مَسّعًى منقولاً؟
ج12: ماجد الغرباوي: المَشَاريع الثلاثة المُشَار إليها في السُؤال وغيرها من مَشَاريع، تُمثّل مرحلة من مراحل تطوّر الوعي النقدي، في سِياق تأسيس عقل نقدي عربي. هي ليست نقلاً آلياً للغرب، ولا اجتهادًا تُراثيًا تقليديًا. بل هي مَسَارًا ثالثًا، كَرَّسَ المناهج الغربية في نقد النصّ. فَلاَ يصدق أنها استعارة للمناهج الغربية مُطلقًا، ولا قَطيعَة معرفية مع التُراث، بل توظيف مُعطيات العُلوم الإنسانية في فهم النصّ:
محمد أركون: كَرَّس مشروعه لنقد العقل الإسلامي، وهو مشروع شامل، يدرس شُروط صلاحية كلّ المعارف التي أنتجها. وكان سُؤاله المركزي عن: (كيفيّة الانتقال من مرحلة العقل الديني إلى مرحلة العقل العِلمي أو العلماني الفلسفي من دون التضحيّة بجوهر الدين أو مُثله الأخلاقيّة العُليا وروحانيته). وفي هذا السياق اشتغل على كشف اللامُفكر فيه، والممنوع التفكير به، واستدعى المُهَمّش والمتروك في النُّصوص الأولى. وقام بتفكيك العلاقة بين السُلطة والنصّ. بيد أن "أركون" نقل أدوات نقد اللاهوت المسيحي إلى بنية نصّية مُختلفة، وبيئة مُغايرة، فكان نقده نقدًا عقليًا من خارج الدين. وقد اتخذ عِدّة خُطوات إجرائية لتحقيق هذا الهدف، منها:
- الفصل بين مرحلتي العقل الأسطوري والحداثي.
- الفصل بين مرحلة الخطاب الشفاهي ومرحلة تدوين القرآن.
- تَحَرِّي اللامُفكر فيه.
- تفكيك العقل والتُراث، لتحديد مَدَى صلاحية معارفها.
- مُقاربة النصّ المُقدّس كغيره من النُّصوص الأدبية، بعد أنسنته في سياق تاريخية النصّ القرآني.
- اعتبر الـقـرآن، كالأناجيل، لـيـسَ سوى مـجـازات عالية تتكلّم عن الوضع البشري.
- اعتبر القصص في القرآن نظمًا رمزية.
- يعتقد "أركون"، ثَمَّة حقيقة مُشتركة بين الأديان الكبرى، وصفها بـ (المُعطى المُنَزَّل).
- وَظَّفَ "أركون" مناهج النقد التاريخي والأدبي واللغوي، والهرمينوطيقا، والتفكيك، والإسلاميات التطبيقية. التأويل الذي يُمثّل إضافة للأنسنة جوهر مشروعه، لإثبات تاريخية النصّ القرآني. أعاد بموجبها قراءة النصّ المُنَزَّل / القرآن، وارتكز على حزمة مناهج، كان الغرب قد سبقه في قِراءة النُّصوص المُقَدَّسَة، التوراة والإنجيل.
واضح أن ما تَوَصَّل إليه "أركون" هو نِتاج مُعطيات العُلوم الإنسانية والمناهج الغربية. ولا مانع من ذلك، لولاَ أن الباحث "أركون" جعل من تلك المناهج نِهائيات ومُقَدّسَات، لا يطالُها الخطأ، رُغم نسبيتها، واشتراطاتها التي قد لا تنطبق على نُصوص القرآن بالضرورة. فكلّ من الكتب الثلاثة نزلت في وضع تاريخي ثقافي واجتماعي مُختلف، فينبغي أخذها بِنَظَر الاعتبار في دراسة الظاهرة الدينية.
نصر حامد أبو زيد: قارب النصّ القرآني باعتباره مُنتَجًا ثقافيًا: أيّ كَمَا يُصَرِّح (رسالة إلهية تشكّلت مُفرداتها وتصوّراتها من خِلال لغة وثقافة البيئة التي نزلت فيها). بهذا قَوَّضَ الرأي المُهيّمن على الفكر الإسلامي القائل بأنَّ للنصّ وجودًا ميتافيزيقيًا غيبيًا سابِقًا لوجوده في عالَم الشهادة. ودَعَا إلى قِراءة القُرآن كخطاب لا كـ"نصّ"، لاشتمال القُرآن على آياتٍ تبدو مُتناقضة كآيات التجسيم والتشبيه، وشرط النصّ عدم التناقُض ووجود مركز للمعنى وبؤرة للدلالة، والتناقُض يتنافى معه. ولازمه خُضوع النصّ القرآني بشكلٍ خاصّ والنصّ الديني بشكلٍ عام، للنقد العقلي والتحليل العِلمي، شأنه شأن أيّ خِطاب بشري وأيّ إنتاج معرفي، في مُحاولة للتحرّر من الرؤية القدسية للوحي والتنزيل. وقد أكّدَ في كتاب "مفهوم النصّ" (ص 24). "إنّ الإيمان بالمصدر الإلهي للنصّ ومن ثم لإمكانية أيّ وجود سابق لوجوده العيني في الواقع والثقافة، أمر لا يتعارض مع تحليل النصّ من خِلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها". فقدّم "أبو زيد" قِراءة داخلية للنصّ من خِلال عُلوم اللغة. ولم ينطلق من موقف عدمي تجاه الدين، بل من داخل الدين. فمشروعه قِراءة للنصّ الديني من داخل الدين، وليسَ من خارجه، كمَا هو منهج فلسفة الدين، فَيَصْدُق أن بحثه لاهوتيًا وليسَ فلسفيًا. سِيَمَا أنه اعتمد على الفكر المُعتزلي والتراث الصوفي، خاصّة التأويل عند "محي الدين بن عربي". إضافة لمنهج الفكر الحديث. وكان يعتمد على الفكر المُعتزلي – نِسبة إلى المُعتزلة- والذي أعلى من دور العقل في فهم وتحليل النُّصوص وكذلك على التُراث الصوفي وخاصّة التأويل عند "محي الدين بن عربي" وطَبّق هذا المنهج في قِراءته للتُراث الإسلامي بشكلٍ واضح، مُستعينًا بآليات جديدة لم تكن موجودة من قبل فقد استفاد من المناهج الفلسفية واللغوية الحديثة كنظرية التلقِّي وتحليل الخطاب، والهرمنيوطيقا، التي تتناول بالدرس والفحص والتحليل النصّ بشكلٍ عام، سواء كان نَصًّا تاريخيًا أو دينيًا.
وهُنَا أسَجِّلُ مُلاحظة، رُغم قُوّة طُروحاته وقناعتي بكثيرٍ من أفكاره إجمالاً لا تفصيلاً، فليسَ ثَمَّة مشروع فكري ناجز، نِهائي، ويبقى رأيه تحت الاختبار النقد. إنّ تناول النصّ القُرآني كمنتج ثقافي مثله مثل أيّ نصّ رَفيع، واستنطاقه بمُختلف مناهج نقد النصّ، فيه اختزال واضح. إذ ليسَ القُرآن مُجرّد نصّ لُغوي ومنتج ثقافي، وثَمَّة رهانات على سُلطته، واختزاله تفريط بها. وبشكلٍ أوضح ينبغي فهم القُرآن ضِمن إطار واحد، يرتهن لهدف الدين. والقُرآن أساسًا كتاب ديني، له لُغته ودلالاته، وسُلطته، وارتباطه الميتافيزيقي بالله والمُطلق. فيُمكن تناول النصّ بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مَهْمَا تعالى. لكن لا يُمكن تجاهله عندمَا يتعلّق الأمر بتحديد سُلطة النصّ، لتوقف حَقيقتها وفِعليتها على معرفة مصدره. ولا يُمكن تجاهل مصدر النصّ، حينمَا تترتّب عليه حُقوق وواجبات. كذلك لا يُمكن تجاهله في حالات التنافُس القيمي؛ حيث تكون القيم الأخلاقية نِسبية، غير محسومة نهائيًا. ولا يُمكن إهمال مصدر النصّ، عندمَا يُؤسِّسُ لأيّة سُلطة: سياسية أو دينية أو اجتماعية أو معرفية أو قضائية. كمَا لا يُمكن إهمال مصدره في رهان الضَمير الديني، مَهْمَا كانت قُوّة الضَمير الإنساني. نعم يُمكن ذلك في مجال التشريع عندمَا نقطع بارتهان الأحكام لمبادئ التشريع، فترتهن لتِلك في سُلطتها لتلك المبادئ. وقد كتبتُ كثيرًا عن هذين البُعدين. وعليه يجب انفتاح الباحث على جَميع الكُشوفات المعرفية لاستنطاق النصّ القرآني، وعدم اختزالها ببُعدها اللغوي والثقافي.
محمد شحرور: قَدَّمَ "محمد شحرور" من خِلال مشروعه قِراءة تأويلية عقلانية مُستقلة، للقُرآن باعتباره المُدَوَنَّة الأولى. بيد أن طرحه كان استفزازيًا بالنِسبة للعقل التُراثي؛ حيث فَرَّقَ "محمد شحرور" بين النبي والرسول، فخصّ النبي بالتنبؤ والعلاقة بالغيب، دون حَقّ التشريع، ليبقى الرسول هو المسؤول عن الرسالة، التي تفرض عليهم طاعته في حُدودها. بهذا كمَا يقول المُعارضون سلب السنة النبوية حُجّيتها. وعندي كمَا فَصَلت الكلام في كتبي أن حُجّية السُنّة تقتصر على ما له جذر قرآني، لتكون بيانًا وتفصيلاً، وِفْقاً لِمُهِمّة الرسول قُرآنيًا، كمَا جاء في الكتاب المَجيد.
وفَرّق "محمد شحرور" بين الإسلام والإيمان ... الإسلام بمفهومه يصدُق على مُطلق من أسلم وجهه لله لا فرق بين ديانة وأخرى. بينمَا خَصّ الإيمان بالرسالة الخاتمة، مِمَّا أثار غضب المُتَطرفين والتكفيريين مِمَنّ يدعون احتكار الحقيقة واحتكار النجاة يوم القيامة. كمَا نَفَى "محمد شحرور" الترادُف في اللغة. وقَرَّرَ: ما من لفظ إلاّ وله معنى خاصًّا به. وقد نسب آلية التفريق ونفي الترادُف إلى "ثعــلب" و"ابن فارس". وعندي أن نفي الترادُف مُطلقاً صعب جدًا. وطَالَمَا شَاعَ في خطاباتنا ترادُف، فكيف ينفى مُطلقاً. وبالتالي فقد وَظَّفَ "محمد شحرور" مناهج تُراثية وأخرى غربية في قِراءة النصّ الديني / القرآن، وقد تَوَصَّل إلى نتائج مُغايرة لمشهور المُفسرين.
وبشكلٍ عام يَصْدق أن "محمد أركون" قد وَظَّفَ المناهج الغربية ومُعطيات العُلوم الإنسانية في مشروعه الفكري – الفلسفي، فهي مناهج مُستعارة وليست أصيلة، بينمَا تَتَّصِف مناهج "نصر حامد أبو زيد" و"محمد شحرور" بالأصالة والاستعارة معًا نَظَرًا لتنوّعها، فقد استخدمَا مناهج تُراثية وأخرى مُستعارة.
مُلاحظة أخيرة، ثَمَّة حساسية فائقَة من توظيف مناهج العُلوم الحديثة رُغم أهميتها، وأنا لست مع هذا الاتجاه، بل أدعو إلى الاستفادة من المناهج التي يُمكن توظيفها ضمن بيئتنا وثقافتنا وتراثنا، مَهْمَا كانت النتائج، مادامت تِلك المناهج تُعزِّز روح التجديد والتنوير وتمنحنا أفُقًا لفهم النصّ، نحنُ بحاجة ماسَّة له في نهضتنا. بيد أني أدعو إلى الحذر في استخدامها، وتجنب الارتقاء بِهَا إلى مُستوى القَدَاسَة التي تَحول دون نقدها ومُراجعتها.
س13- د. شهرزاد حمدي: ما تقييمكُم لاجتهادات "محمد إقبال" خاصّة في كتابه: "تجديد التفكير الديني في الإسلام"، تَقييمًا مُوجزًا رَبّطًا بسياق فلسفة الدين؟
ج13: ماجد الغرباوي: "محمد إقبال"، شاعر ومُفكر وفيلسوف ومتصوف، حَظِيَ باهتمام واسع جدًا تَنَاوَلَ أعماله وأبعاد شخصيته وفكره وفلسفته وآراءه، عدد كبير من الباحثين بلُغات مُتَعَدِّدَة. سِيَمَا كتابه "تجديد الفكر الديني في الإسلام" الذي مَثّلَ مُحاولة جادّة وجَريئة لإعادة بناء الفكر الإسلامي وتحديثه بِمَا يتناسب مع مُعطيات العصر دون التَخَلِّي عن الثوابت. ويُعدّ اليوم أحد المَراجع المُهِمَّة في تجديد الفكر الإسلامي وفهم الدين فهمًا مُعاصرًا، ومن الكتب النهضوية التي شهدت حُضورًا واسِعًا، والكتاب يهدف إلى "الارتقاء بالذات الإنسانية، والسُّمو بها إلى قِمَّة الإيمان والمعرفة بالله". وقد اشتمل على مجموعة من آرائه الاجتهادية في سياق تحديث الفكر الديني والمُزاوجة بينه وبين مُعطيات العُلوم الحديثة.
في هذا الكتاب حاول الدكتور "محمد إقبال":
- ردم الفجوة بين التُراث الإسلامي الأصيل ومُتطلبات العصر الحديث، وهي مُحاولة جادّة للمُوازنة بين التُراث والمُعاصرة.
- دعَا بقُوّة إلى إحياء الاجتهاد، ورَفَضَ الجُمود الفكري والتقليد الأعمى، مُعتبرًا أن العقل جُزء لا يتجزّأ من فهم الوحي والواقع.
- طَوَّرَ "إقبال" نظرية "الخودي" (الذات) لتعزيز قيمة الفرد، من خِلال مُشاركته الفاعِلَة في الحياة الاجتماعية والسياسية، بَدَلاً من تجاهل الذات، كمَا في الفناء الصوفي السلبي. وذات الإنسان عنده تساوي حُرّيته وخُلوده. وطالَمَا استغرب "إقبال" من إهمال الذات الإنسانية في تاريخ الفكر الإسلامي، والتضحية بها ضمن معادلات دينية أو سياسية أو اجتماعية.
- دَعَا إلى تخليص الفكر الإسلامي من التأثيرات المُفْرِطَة للمنطق والفلسفة اليونانية التي جمدت الفكر، والعودة إلى المنهج القرآني الذي يُشجع على المُلاحظة والتجربة. وهذا ينطبق على العُلوم الإسلامية التي غالت في توظيف الفلسفة والمنطق.
- يُمثِّلُ الكتاب بنية تحتية لتجديد الفكر الإسلامي، بعد أن أضفى "إقبال" طابعًا ديناميكيًا على مجموعة من المفاهيم: الله، الكون، والزمن ...
- سَاهَمَ الكتاب بشكلٍ كبير في إيقاظ العالَم الإسلامي. وبالفِعل يُعدّ من كتب النهضة من أجل رُقي العالَم الإسلامي.
- يُعتبر الكتاب مرجعًا أساسًا لكلّ باحث في فلسفة الدين وتجديد الفكر الإسلامي.
- طالَمَا انتصر للإيمان والوجدان. ولا ريب، فإن الدكتور "محمد إقبال" عاشَ وترعرع في أحضان الإسلام ونَشَأَ نشأة دينية. وقد تأثَّر بالشاعر الفارسي "جلال الدين الرومي"، خاصّة عمله "المثنوي المعنوي" الذي يُعدّ ثورة وجدانية ضِدّ الموجة العقلية الإغريقية.
يُمكن التنويه هُنَا بأهمّ الآراء التي تضمّنها كتاب تجديد الفكر الديني في الإسلام، وهُمَا التجربة الدينية، وفلسفة الدين.
المعرفة والتجربة الدينية
خَصَّصَ "إقبال" أحد فُصول الكتاب للتجربة الدينية، التي منحها أهمية قُصوى جدًا، يَرَى أن "التجربة الدينية" هي السبيل إلى المعرفة الحَقّة، لا تقلّ أهمية عن أيّ مجال من مجالات التجربة الإنسانية". ويُحَدِّدُ "إقبال" مصادر المعرفة الثلاثة التي حَدَّدَهَا الإسلام، وهي: التاريخ والطبيعة والتجربة الجوانية، التي لا يُمكن معرفتها أو الوصول إليها إلاّ عن طريق التصوف التعبّدي. ويُؤَكِّد أن التجربة الدينية مصدر من مصادر العِلم. و"يَرَى أن المعرفة الدينية لا تقتصر على العقل أو الحِسّ فقط، بل تشمُل أيضًا التجربة الروحية والحدس. فالدين يُقَدِم نوعًا من المعرفة يختلف في طريقته عن المعرفة العِلمية، لكنه لا يتعارض معها. ويُؤكِّد أن الوحي يُمثِّل أرقى درجات التجربة الدينية.
والسُؤال هُنَا كيف يُمكن التأكّد من صحّة هذه المعرفة، وهي غبر قابلة للتجربة والبُرهان؟. نعلم أن مصادر المعرفة هي: الحِسّ (المعرفة عبر الحواس الخمسة). التجربة (تكرار التجربة وصدقها في كلّ مرة). العقل والمنطق (عبر التحليل والاستنتاج). أمَّا التجربة الدينية، فهي تجربة روحية بين المخلوق وخالقه، وانفتاح شُعوري على الغيب والمُطلق، يساهم في رقي الفرد روحيًا وأخلاقيًا، وبالتالي هي تجربة فردية، لا تَتَكرَّر. لكلّ شخص تجربته التي يمتاز بها عن غيره. حتى معرفته بالله تعالى، تبقى في حُدود تصوّراته وخلفيته، لا يشاركه فيها أحد إلاّ بحُدود المُشتركات الثقافية. ونحنُ نتكلّم عن مصادر معرفة قابلة للتجربة والبُرهان. بيد أن النُّزوع الصوفي عند "محمد إقبال" كان وراء قوله: "التجربة الدينية هي السبيل إلى المعرفة الحَقَّة". إذ تعتمد المعرفة عند المُتَصَوِّفَة على الكشف، الذوق، والإلهام القلبي، وليسَ فقط على العقل أو النقل. ويسعون للوصول إلى حقيقة الله عبر تصفية النفس ومُجَاهدتها.
بيد أن "إقبال" اقترح ثلاثة معايير للتأكُّد من صِدق التجربة الدينية، وهي: الانسجام مع العقل، والأثر الأخلاقي في حياة الإنسان، والقُدرة على الإسهام في بِناء المُجتمع. لكن تبقى التجربة الدينية تجربة نِسبية والمعرفة هُنَا معرفة نِسبية وليست مُطلقة.
إقبال وفلسفة الدين
هل يَصْدُق أن "محمد إقبال" فيلسوف دين بالاصطلاح الحديث للمفهوم؟. تعتمد الإجابة على مفهوم فلسفة الدين بالذات، ومَدَى صِدَق المفهوم على محمد إقبال من خلال مشروعه.
سَبَقَ أن عرفنا فلسفة الدين، بأنها (فرع من فُروع الفلسفة، تدرس الظاهرة الدينية دراسة عقلية نقدية مُحايدة من الخارج، لفهم طبيعة المُعتقدات الدينية، لا تهدف لإثبات صِحّة دين مُعيّن، بل للبحث عن عقلانية المعارف الدينية ومُحاكمتها.مُستعينة بعِدّة عُلوم كتاريخ الأديان وعِلم الاجتماع والنقد التاريخي، بَعيدًا عن أيّة مُنطلقات إيمانية مُسّبَقَة). فالتعريف يشترط الموضوعية والحيادية الكامِلَة في فهم ودراسة الدين، كمَا في الفلسفة الأكاديمية الغربية. و"إقبال" مُنحاز للإيمان والدين، ومشروعه هو تجديد الفكر الديني في الإسلام، ويُؤكِّد أن "التجربة الدينية هي السبيل إلى المعرفة الحَقًّة". فالتعريف يُقصي مشروع "إقبال" عن فلسفة الدين. وهذا لا ينفي أن يكون "إقبال" مُفكرًا إصلاحيًا يستخدم أدوات فلسفية لإعادة تشكيل الوعي الديني. ويَصْدُق أيضًا أنه مُفكر ديني إصلاحي سَعَى إلى إعادة بناء الفكر الإسلامي بأدوات فلسفية حديثة. سِيَمَا أن الرجل سَعَى إلى تجديد طريقة التفكير في الدين، وحاول تغيير منهج التفكير الديني.
يتبع
***
حاورته: د. شهرزاد حمدي