بأقلامهم (حول منجزه)
د. شهرزاد حمدي تُحاوِر الأستاذ ماجد الغرباوي (3)
الحلقة الثالثة من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.
***
المحور الثاني: فلسفة الدين (1)
فلسفة الدين أو عقلنة الدين هي تعبير صَريح عن تشابُكيَة الصِلَة بين الفلسفة والدين وعن تَأَسُّس نَظَر عقلي في القَضَايَا الدينية وأن الدين من اهتمامات الفلسفة.
س7- د. شهرزاد حمدي: حَدثًنا عن فلسفة الدين بِمَا هي دِراسة نقدية لكلّ ما يَتّصِل بالدين من دون تَولِّي مُهِمّة الدِفاع والتبشير، كيف يُمكن تفسير التمزّق الحاصِل بين ماهيتها وواقِع موقِعها في الفكر العربي؟ وإذا كان مُنطلقُها حُرًّا من غير تسليم، هل يُعقَل هذا؟ ألاَ نستطيع القول بأن مبدأ المُنطلق هو ذاته مبدأ وتسليم؟ ثُمّ إنّ العقل لا يُفكِّر من عدم، والأكثر أن العدم بحاجة إلى نَقيضه الوجود!
ج7: ماجد الغرباوي: فلسفة الدين، فرع من فروع الفلسفة. تدرس الظاهرة الدينية دراسة عقلية نقدية، لفهم طبيعة الدين ومعتقداته ومفاهيمه الكبرى، وتحليل أسسها المعرفية والأخلاقية والوجودية، مُستعينة بِعِدّة عُلوم كتاريخ الأديان وعِلم الاجتماع والنقد التاريخي، بَعيدًا عن أية مُنطلقات إيمانية مُسبقة. إذن، فلسفة الدين دراسة الدين من خارجه دراسة نقدية مُحايدة. لا تنحاز لدين مُعيّن، ولا تُدافع عن دين دون غيره. بل تنظُر للدين بِمَا هو ظاهرة إنسانية وجودية. وهُنَا يأتي السُؤال:
أ- كيف يُمكن تفسير التمزّق الحاصِل بين ماهيتها وواقِع موقِعها في الفكر العربي؟
المقصود بالسُؤال: لماذا لم تستقر فلسفة الدين في المجال العربي بوصفها تخصّصًا نقديًا مُحَايدًا، كَمَا في الأكاديميات الغربية مَثَلًا، وبقيت مشدودة إلى ثُنائية الدفاع/ الهُجوم؟ أين يكمُن الخَلَلَ؟ ما هو السبب الحقيقي وراء هذه المُفارقة؟ كما جاء في السؤال؟.
الجواب: أن فلسفة الدين تضعُ مَسَافَة بين الناقد والدين، ليُمَارس نقده على الظاهرة الدينية بِمَا هي ظاهرة دينية، بتجرّد كامل، بِلا تحيّز أو دفاع أو تبشير. فالدين بالنِسبة لفلسفة الدين ظاهرة يُمكن دراستها نقدية، بيد أن نقد الظاهرة الدينية بتجرّد تام يكاد يكون مُستحيلاً في البيئة العربية، لخُصوصية موقع الدين في حياة الإنسان والمُجتمع، فهو ليسَ علاقة خاصّة بين الإنسان وربه، بل هو هُويّة ومرجعية تشريعية وأخلاقية، وسُلطة رمزية، فينحاز الناقد لا شُعُوريًا، ليغدو مُبشّرًا أو مُلحدًا. بمعنى أدَقّ، كلّ دراسة عن الدين تستقطبُها ساحة الصراع الإيديولوجي. إمّا أن تكون دفاعًا لاهوتيًا أو هُجومًا إلحاديًا. وهذا هو سبب التمزّق الذي تسأل عنه الباحثة الجَلِيلَة.
ب - وإذا كان مُنطلقُها، (أيّ فلسفة الدين)، حُرًّا من غير تسليم، هل يُعقَل هذا؟
الجواب: هذا إشكال مُهِمّ بصيغة سُؤال، يقول: هل التجرّد التام مُمِكن بحد ذاته؟ أم ثَمَّة مُسَلّمَات مُسّبَقَة ينطلق منها الباحث؟.
الحقيقة لا يوجد تفكير بِلاِ مُسَلّمَات تُمَثِّلُ ثقافته وقبلياته، لكن ثَمَّة فرق بين قبليات يتوقّف عليها نظام المعرفة، وقبليات أيديولوجية ينحاز لها المُتلقِّي، عَـِلم أو لم يعلم بذلك. فالنقد المُحايد الذي تشترطه فلسفة الدين، هو عدم الانطلاق من أيّة مُسلّمة أيديولوجية، لا مُطلق القبليات. وهذا هو معنى الحيادية والاستقلالية. فهُناك فرق بين مُسلّمة قابلة للمُراجعة ومُسَلّمة عقائدية مُغلقة. النوع الثاني يُخرِج النقد من صفة الحيادية، ويغدو نقدًا مُنحازًا، مُوجهًا. الفكر العربي يعي شُروط النقد الموضوعي المُحايد في فلسفة الدين، بيد أن ولاءَهُ الديني يسلب استقلاليته.
ج - ألاَ نستطيع القول بأن مبدأ المُنطلق هو ذاته مبدأ وتسليم؟
الجواب: نعم، إن مبدأ المُنطلق هو ذاته مبدأ وتسليم، حتى عندما أقول: أنَا لا أُسلِّم بشيء"، فأنَا أُسلّم، ضِمْناً ولو لا شُعُورياً، بمبدأ مثل حرّية النقد واستقلال التفكير. لكن تقدّم ما هو المقصود من النقد المُحايد: "النقد المُحايد الذي تشترطه فلسفة الدين أن لا ينطلق الباحث من أيّة قبليات إيديولوجية، لا مُطلق القبليات، وهذا هو معنى الحيادية والاستقلالية"
د - ثُمّ إنّ العقل لا يُفكِّر من عدم، والأكثر أن العدم بحاجة إلى نَقيضه الوجود!
اتّضح الجواب مِمَّا سَبَقَ حول معنى النقد الموضوع، الذي يشترط تجرّد الناقد من قبلياته، وأن تكون هناك مَسَافة بينه وبين الظواهر الدينية حينَ دراستها. ونُؤكِّدُ مع السُؤال أن العقل لا يُفكِّر من عدم، فَثَمَّة قبليات يتوقَّف عليها نظام المعرفة البشرية. والمقطع الأخير أيضًا صَحيح بالمعنى الذي تقدم، فالوجود هي قبليات مُسّبَقَة لكنها ليست قبليات إيديولوجية تسلب الناقد استقلاليته.
س8- د. شهرزاد حمدي: هل من الضرورة بِمَكَان أنَّنَا بحاجة إلى فلسفة دين كمَا سَطّرت له مُدوّنات "كانط" و"هيغل" وكمَا مارسه العقل الغربي في عُموم الشأن؟ ألا يأتي هذا كنوع من الإسقاط التعسّفي القاحِط على موضوعات بيئة ثقافية مختلِفة من حيث الدين، اللغة والتاريخ، ونمط تفكير مُغاير، وطبيعة إنسان له مفاهيمه المَخْصُوصَة، ودلالة المُقدّس التي لا تَتّفِق بين المَرجعيتين؟
ج8: ماجد الغرباوي: دَعِينَا أوّلاً، أن نَتَحَرَّى أهميّة النقد بشكلٍ عام:
النقد ليسَ هَدمًا ولا تَشْكيكًا عبثيًا، بل مُساءلة مشروعة لجَميع الظواهر التي تحيط بنا، فيُسَاهم في تحرير الوعي من خِلال نقد المُسلّمات والبديهيات التي يتبناها الإنسان، وتحريرها من سُجون الوصاية والعادات والتقاليد، بعد اكتشاف حقيقتها، ومَدَى صِدّقيتها. كمَا يتولّى النقد فرز المفاهيم عند التباسها، لتفادي كثيرًا من الأزمات الفكرية التي سَبَبُهَا لُبس المفاهيم. ويتولَّى حِماية المُجتمع من الاستبداد الفكري، الذي يظهر عادة عند غياب النقد، وانقلاب الأفكار إلى سُلطات مُغلقة. ويحوّل دون تقديس الفهم البشري، بعد كسر احتكار الحقيقة. بهذا نفهم أن النقد حاجة إنسانية لتقويم مَسَار الفكر والإنسان، وحاجة دينية لحِماية الدين من أيّ تداخُل أو التباس بين الدين والديني، يُؤدي إلى استغلال الإنسان، وسلبه حُرّيته وإرادته. ما دام النقد يُساهم في تفكيك البديهيات، وإعادة النَظَر في ما يبدو كذلك. وبالتالي العقل النقدي ليسَ رفضًا دائِمًا، بل يعني القُدرة على التمييز بين الأدلة، وفرز الفكرة المَبْنِية على دَليل عن غيرها.
أمَّا فلسفة الدين، فَلاَ ريب أنها تفكير نقدي يُلاحِقُ الحقيقة، ويَسْعَى لاكتشافها، بيد أنها تتجنب نقد الدين بوصفه وحيًا إلهيًا، وتُكَرّس جُهودها النقدية لفهم الدين باعتباره فهمًا بشريًا، ووجهات نَظَر شخصية قد تُصيب وقد تُخطئ. بهذا تحوّل فلسفة الدين دون احتكار الحقيقة، واختزال الدين بقِراءة أو مَرجعية واحدة. وضَمَان عدم انقلاب الإيمان إلى إيديولوجيا، تُستغل سياسيًا. اتضح إذًا، لا إشكال في فلسفة الدين بِمَا هي نَشَاط فكري نقدي، بل لا ريب في وجودها بتجلّيات مَختلفة في جَميع الحضارات. وإن لم تكَن بهذه الصِفَة الحديثة. في الحضارة الإسلامية نجدُ أصداءه في عِلم الكلام وأصول الفقه والفلاسِفَة. فلم ينقطع الجدل الفلسفة والفكري حول مجموعة مفاهيم دينية.
نعود للسُؤال:
الجواب: نحنُ لسنا بحاجة إلى فلسفة دين كمَا سَطّرت له مُدوّنات "كانط" و"هيغل" وكمَا مارسه العقل الغربي. حاجتنا الأساس إلى النقد أوّلاً وليسَ لتِلك النماذج بالذات. التي هي وليدة بيئة ثقافية وسياق تاريخي مُختلف، وبيئة دينية وثقافية مُغايرة في بنيتها العقدية واللغوية والتاريخية. وضِمن سياق صراع العقل مع الكنيسة، فهي إذًا استجابة تاريخية لأزمة لاهوتية أوروبية، فتحويلها إلى نموذج كوني يفرض نفسه على الآخرين، فيه كثير من التعسّف.
س9- د. شهرزاد حمدي: هل من وجوب القول والفِعل أن تكون لدينَا فلسفة دين على شاكِلتها الغربية ومِثّلَمَا أسّست له الدِراسات ضِمن هذا المُعترك، حتى نُصرِّح بوجود فلسفة دين على صَعيد شبكة الفكر العربي؟
ج9: ماجد الغرباوي: اتّضَحَ من خِلال جواب السُؤال السابق أن تِلك النماذج وليدة بيئة فكرية وسياسية مُغايرة، ونتاج أسئلة وتَحَدّيات تختلف عن أسئلتنا وتحدياتنا. نحنُ لم نُعانِ صراع العقل والكنيسة، ولم نَعِشْ أزمة تنوير كمَا حَصَلَ لديهم. وليسَ لدينَا شُكوك حول النصّ المُقدّس بِمَا هو مُدوّنَة أولى، ومَرجعية نِهائية للفهم الديني بِمَعية العقل. نحنُ نُساءل الوعي الديني، ونشكو أسْطَرَة الرموز الدينية، وتقديس الفهم البشري، واحتكار الحقيقة، كمَا يُدلي بِهَا حديث الفرقة الناجية، فهُناك أسئلة لا يفهمها الطرف المُقابل، كمَا نحنُ لم نَعِشْ تناقُضات البيئة الغربية في عصر النهضة وما قبلها وما بعدها.
بإمكاننا تأسيس فلسفة دين تنبثق من واقعنا، تستجيب لتحدياتنا، وتردّ على أسئلتنا، وتُعيد للإنسان كرامته وحيثيته والاهتمام بمَصَالحه وأولوياته، وتقديم فهم جَديد للدين والنصّ الديني يُواكب العصر والزمان، لتفادي ما يُحيط بِنَا من تَحَدِّيَات.
س10- د. شهرزاد حمدي: إذا كانت ماهية فلسفة الدين لا تهتمّ بإيمان الفيلسوف أو المُفكِّر، ألا تُشكِّل بعض الآراء القائِلة بأن مُبتغى "محمد أركون" هو ضرب القرآن الكريم ونزع صِفة القَدَاسة، ونَسّلاً من هذا الحُكم يأتي حُكم التكفير في حالاتٍ مُتطوِّرة الحِدّة والشَطَط، إخلالٌ واضِح بتِلك الماهية، ومَسّلَك مسدود ينتهي بنَسَفّ المشاريع بمَا تتضمّنه من نِقاط مُشرِقة؟
ج10: ماجد الغرباوي: الفيلسوف والمُفكِّر في فلسفة الدين لا يَعْمَل واعِظًا أو داعية، بل باحثًا نقديًا موضوعيًا بعيدًا عن الدوافع الإيديولوجية. كمَا أن صِدّقية البحث النقدي في فلسفة الدين، لا تُقَاس على أساس إيمان الباحث وتَقْواه، بل تُقُاس على أساس موضوعيته واستقلاليته وعدم انحيازه، ومَدَى قُدرته على تحليل بنية الخطاب الديني: (علاقة النصّ بالتاريخ والسُلطة والتأويل. آليات تُشَكّل المعرفة الدينية حُدود العقل في فهم المُقَدّس). وبالتالي فإن إقحام معيار الإيمان الشخصي في تقييم البحث الفلسفي يُعد بالفِعل إخْلاَلاً بمبادئ هذا الحقل المعرفي.
في هذا السياق يأتي مشروع "نقد العقل الإسلامي" لـ "محمد أركون"، الذي سَعَى من خِلاله، إخضاع التُراث الإسلامي لأدوات العُلوم الإنسانية الحديثة كالأنثروبولوجيا والتاريخ النقدي، والتفكيك، للكشف عن "المسكوت عنه" و"اللامُفكر فيه" و"الممنوع التفكير فيه" في التُراث الإسلام. فارتفعت نِسبة المُشَككين في مشروعه، مِمَن اعتبروا النقد هدمًا للمُقَدّس، لأن الإلهي بنظرهم يبقى إلهيًا، لا يخضع للنقد ومُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة. كمَا يجب بقاء النصّ المُقَدّس خارج دائرة التفكيك النقدي. فَبَدَا مشروع "أركون" وكأنه يستهدف قَدَاسَة النصّ. بينمَا كان "أركون" يعتقد أنه يُمارس نقدًا معرفيًا للخطاب الديني وليسَ إلغاءً للدين نفسه.هُناك فرق بين نقد الفهم البشري للنصّ، وإنكار قَدَاسَة النصّ نفسه.
إن الارتياب والتشكيك بالمشاريع الفكرية والفلسفية يقمع النقاشات العِلمية، ويطمس الجوانب المُضيئة في المشروع. إنّ تحويل الخلاف المعرفي إلى صراع إيديولوجي –عقائدي، تنقلب فيه المُناقشات الفكرية إلى مُحاكمة النوايا، ويسود منطق الوصاية الفكرية، واحتكار فهم النصّ، وهو اتجاه خَطير جدًا يكرّس روح العبودية والانقياد والاستبداد، وقد يُفضي إلى تكفير المُفكرين والفلاسِفَة، كمَا حَصَلَ لـ "نصر حامد أبو زيد" وغيره.
س11- د. شهرزاد حمدي: لماذا يَتَردّد بعض الطلبة من بحث موضوعات فلسفة الدين؟ هل الأمر موصول بصُعوبة البحث أم نَتيجة للأفكار التي سيُعالجونها تَحليلاً ونقدًا واستنتاجًا؟ أم أن الحَال مُتَعَلِّق بخلفيات دينية، ثقافية، اجتماعية ونفسية تجعل من الدين مُقَدّسًا في مُطلق التقديس، لا يُمكن مُسَاءَلته، إنّمَا كلّ أقوالنا وأفعالنا مُؤطّرة بتأطير منطق: "الأمر والنهي"؟
ج11: ماجد الغرباوي: إنّ تردّد بعض الطلبة في اختيار موضوعات فلسفة الدين يعود إلى مجموعة عوامل مُتداخلة معرفية وثقافية ونفسية، هي جُزء من مشكلة أوسع تخصّ العُلوم الإنسانية بشكلٍ عام، والفلسفة بشكلٍ خاصّ. فَثَمَّة اعتقاد بأن العُلوم الإنسانية تخصّصات نَظَرية تعتمد على الحفظ والتلقين بَدَلاً من التفكير النقدي. والأمر الثاني، ضُعف ارتباط هذه العُلوم بسوق العَمَل، وقلّة الفُرص الوظيفية ومخاوف البطالة وصُعوبة إيجاد وظائف ذات دخل مُرتفع، مُقارنة بتركيز سوق العَمَل على التخصّصات العِلمية والتقنية. وثالثًا، ضُعف التقدير الاجتماعي لِخِريجي تِلك الكُليات، مُقارنة بالعُلوم التطبيقية. كلّ ذلك وغيره لا يشجع الطلاب على اختيار العُلوم الإنسانية.
وذات الأسباب أعلاه تنطبق على الفلسفة بشكلٍ عام، إضافة إلى صُعوبة الدراسة وتعقيد المادة الفلسفية التي تتطلّب قُدرات عقلية وجُهدًا فكريًا لتحليل المفاهيم المُجَرّدَة. يعتقد الطلاب أنه أمر مُرهق وغير عَمَلي، لا علاقة له بالواقع. فلماذا يقضون سنوات عِدّة في دراسة الفلسفة، ويتركون التخصّصات العِلمية التي تُعالج قَضَايا الواقع، ومطلوبة في أسواق العَمَل؟.
وأمَّا لماذا يَتَردّد بعض الطلبة في مُقاربة موضوعات فلسفة الدين. فقد تضمّن السُؤال مجموعة احتمالات وراء ذلك التردّد، كلّها صَحيحة، بنسب مُتفاوتة، فَثَمَّة علاقة بصُعوبة البحث في هذا التخصّص، وطَبيعة القَضَايا التي على الطالب مُعالجتها تحليلاً ونقدًا واستنتاجًا، تخلق حالة من التردّد لَدَى الطالب. فلسفة الدين حقل مُركّب يجمع بين أكثر من مجال: الفلسفة، عِلم الكلام، عِلم الاجتماع الديني، المنطق، تحليل المفاهيم، تاريخ الأفكار، والقُدرة على قِراءة نُصوص فلسفية مُعَقّدة. يحتاج معها الطالب إلى أدوات مُتَعَدِّدَة، لذا يشعُر بعضهم، بثقل الموضوع معرفيًا مُقارنة بموضوعات أسهل في الفلسفة والدراسات الدينية. فالطالب يحتاج إلى أدوات معرفية تُمكّنه من اقتحام هذا التخصّص، وهُنَا سبب التردّد.
العامل الأهمّ هو حساسية الدين. فهو ليسَ مُجرّد موضوع معرفي، بل هو بنية إيمانية وهُويّة ثقافية، ومَرجعية أخلاقية وتشريعية ومصدر للمعرفة الدينية. وأيّة مُقاربة للدين تسلبه قُدسيته تستفز المُتلقي / الباحث / الطالب. ونحنُ نعلَمُ أن فلسفة الدين تعني: دراسة الدين دراسة عقلية موضوعية من خارج الدين، لا تفرق بين دين وآخر، ولا تنحاز لواحد دون غيره. تختلف أدواتها عن أدوات اللاهوت الديني، الذي يَرَى قُدسية الوحي، وصدق معارفه بل ومُطابقتها للواقع ولنفس الأمر، بينمَا منهج فلسفة الدين يقوم على المُسَاءَلَة والتحليل والمُقارنة ودراسة تاريخ الأفكار. فهو لا يؤمن بوجود معطى نهائي، وصدق القضية عنده يرتهن للبُرهان والدليل العقلي. فالأديان مثلاً تتحدّثُ عن وجود مخلوقات سماوية كالملائكة، والمُؤمنون يصدقون ذلك مادام الوحي مصدره، والرسول قد نقله. بينما منهج فلسفة الدين يقوم على دراسة تاريخ تِلك العقائد، كيف نشأت، وما هي الظُروف التاريخية المُحيطة بها عند نشوئها. فيدرس مثلاً تاريخ الملائكة أو تاريخ الجنة، كيف نشأت الفكرة وكيف تطوّرت عبر مراحلها التاريخية، ومَدَى صِدّقيتها وغير ذلك؟ وهذا المنهج الفلسفي مرفوض لاهوتيًا. وهُنَا يشعُر بعض الطلبة بأنهم يتورّطون بمنطقة حسّاسة؛ مادام السُؤال الفلسفي قد يبدو وكأنه تشكيك في المُقدسات، حتى لو لم يكن مقصودًا. لذا أحيانًا يتردّد الطلبة ليسَ خوفًا من البحث نفسه، بل من تبعاته الاجتماعية. وبعضهم يلتبس عنده المطلب بين النقد والهدم، فَيَتَحَسًّس من النقد مادام الأمر يرتبط بالدين والمُقدّسات السماوية.
***
حاورته: د. شهرزاد حمدي