عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بأقلامهم (حول منجزه)

د. شهرزاد حمدي تُحاوِر الأستاذ ماجد الغرباوي (1)

الحلقة الأولى من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي* مع الأستاذ ماجد الغرباوي**، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.

بِدايةً، كلّ الشُكر والتقدير موصول للأستاذ: "ماجد الغرباوي"، على تفضّلكم بقبول إجراء هذا الـحِوار، ونـحنُ نُقرّ بكفاءتكم العِلمية والفلسفية واستحقاقكم الدائِم لـأجل أن تكونوا حاضِريـن في كلّ مـحفل تفكّري مُـثْمِر.

المحور الأوّل: أهميّة الدين وصِلَتِهِ العَميقَة بالفلسفة (1)

تَتَقدّم جدلية الفلسفة والدين كأبرز الجدليات الـمُثيرة لمُختلف المواقف والنَاسِجة لطُروحات كثيرة عبر تاريخ الفكر، منها ما جَعَلَ العلاقة بينهُمَا هي علاقة اتّصال وتداخُل وتكامُل، ومنها ما أحَلّ الفصل والتباعُد. وبمُجمل القول ومع توالي العُصور وانفتاح العُقول ونُضجها لم يعُدّ الطرح الذي يُقِيمُ لنُفور قُطبيّ الفلسفة والدين قائِمًا أو مُشَرّع له، فالفلسفة والدين مُتكامِلان من حيث الغاية أسَاسًا.  

 ***

س1: د. شهرزاد حمدي: ما قيمة الدين في الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال وفي عَمَلية البِناء الحضاري؟

ج1: ماجد الغرباوي: بَدْءاً أتَقَدَّمُ بِجَزيل الشُكر والاحترام للأستاذة الدكتورة "شهرزاد حمدي" التي أدارت هذا الحوار بِكَفَاءَة عَالِيَة من خِلال أسْئِلَتِهَا القيّمة، التي ألهمتني فِعل الكتابة.

يُقصد بالاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال، تواصُل بين طرفين يقوم على فهم الآخر دون اختزاله إلى مُجرّد وظيفة أو دور اجتماعي أو أداة لتبادُل المعلومات، بل يُنظر إليه بوصفه كائناً مسؤولاً، يبحث عن معنى لوجوده وحياته. فالتواصُل معه يتجاوز التواصُل الظاهري ليُلامس جوهر تجربته الإنسانية، وما رافقها من اغتراب وقَلَقْ وجودي يعصف بالفرد إبَّان الأزمات النفسية وغيرها. فيصدق أن (الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال) فهم لمشاعر واحتياجات الطرف الآخر والتفاعل معها، مُركّزًا على المعنى والحُرّية والمسؤولية. فهو تواصُل تفاعلي، مشترك لتفادي تداعيات القَلَقْ الوجودي والعدمية والنظرة التشاؤمية، واليأس، وما يترتب عليها من آثار سلبية. إنّ غياب المعنى، كمَا يَرَى "فيكتور فرانكل"، يُؤدي إلى فراغ وجودي، لا يُعالج إلاّ عبر علاقات إنسانية عميقة قائِمة على المعنى والقيم. من هُنَا يصبح الاتصال وسيلة لإنقاذ الإنسان من عزلته الوجودية. بهذا يتضح الفارق بين (الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال) والاتصال العادي. الأوّل تفاعُل ثُنائي بين طرفي التواصُل، بينمَا التواصُل في (الاتصال العادي) تفاعُل أحادي، يقتصر دور الآخر فيه على التلقّي والإصغاء، فيغدو مُجرّد أداة لتبادل المعلومات. وهذا اللون من التواصُل لا يخلو من اضطهاد واستغلال الآخر، بل وانتهاك إنسانيته. فثمّة فرق إذاً بين تواصُل يُلامس التجربة الإنسانية للآخر بوصفه كائناً مسؤولاً، يبحث عن معنى لوجوده وحياته، وبين تواصُل يختزله إلى مُجرّد أداة لتبادل المعلومات. الأوّل يستدعي فهمَ الآخر، والمُساهمة في إيجاد حُلول تضفي معنى لحياته، وتروي ظمأه الروحي وتُطفئ قَلَقَهُ الوجودي، وهُنَا يأتي دور الدين، باعتباره أنجح الوسائل وأقدرها على بعث الطُمأنينة في النفس البشرية، فهو يُطفئ ظمأ الروح ويملأ فراغات القَلَق الوجود ليشعر بالتوازن السلوكي والاستقرار النفسي. الدين يلعب دور المُنقذ ينتشل الفرد من نوازع قَلَقه الوجودي. ويتفرّد بقُدرته على إضفاء معنى لحياة الإنسان ووجوده، من خِلال منحه إطاراً نظرياً لفهم الوجود، وقُدرته على تفسير بعض الظواهر المحيرة كالموت ووجود الشر في حياة الإنسان، وإجابته على الأسئلة الكبرى التي يعجز العِلم عن معالجتها. كمَا يتّسم الدين بقُدرته على ربط الإنسان بخالقه / بالمُطلق، وربط الدنيا بالآخرة وهكذا يبعث الأمل في حياة الفرد، ويحثّه على العَمَل الصالح، فيشعر حينئذٍ بالتوازن النفسي والسلوكي. بهذا تتّضح قيمة الدين في (الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال)، كمَا جاء في السُؤال أعلاه. 

وأمّا عن قيمة الدين في عَمَلية البِناء الحضاري، فقد شَكَّل الدين عُنصرًا بنيويًا في نشوء الحضارات. يَرى "ابن خلدون" أن العصبية الدينية تُمثٍّل أقوى أشكال التماسُك الاجتماعي؛ إذ يقول: "الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوّة على قوّة العصبية"(¹). ويُؤكد "أرنولد توينبي" أن الاستجابة الدينية كانت عاملًا حاسمًا في نُشوء الحضارات واستمرارها(²). الدين يتميّز برُؤيته الكونية الشَامِلَة للكون والحياة والإنسان، وبقيمه الأخلاقية التي هي قيم إنسانية مُشتركة.

لا يُعدّ الجانب المادي مُؤشراً على الرقي ما لم تُصاحبه نهضة فكرية – ثقافية. ومَهمَا كان مُستوى التقدّم المادي لكن المُستوى الثقافي والأخلاقي يبقى العنصر الأهمّ. والثقافة كمَا هو معلوم مفهوم شَامِل للدين والفن، والآداب، والطُقوس والعادات والتقاليد والسلوك، وكلّ السِّمات المُميّزة لهُويّة شعب أو مُجتمع ما. من خِلالها يعي الإنسان ذاته ويُحدِّد علاقته بالآخر والحياة والعالَم، فتكون مُقوّماً أساساً لهُويّته الحضارية. كمَا تُعدّ القيمُ الأخلاقيةُ والروحيةُ ركيزةً أساسيةً في بناء الحضارات؛ إذ تُوجّه الفِعل الإنسانيّ وتمنعُ انحرافه عن مقاصده العُليا. بهذا يكون للدين دور في بناء الإنسان والحضارات. ورُبّمَا الحضارة الإسلامية في قُرونها الهجرية الأولى الأربعة خير شاهد على دور الدين في بناء الحضارات؛ حيث كانت تعاليمه تحثّ على طلب العِلم والمعرفة، وكان المُسلمون وراء جملة من العُلوم، نشأت أو تطوّرت. وعُلماء المُسلمين في شتّى الاتجاهات رموز معرفية شاخصة. إضافة إلى العمارة التي اتّسمت بطابعها الإسلامي المُميّز، والتي هي قائِمة إلى اليوم.

 ***

س2: د. شهرزاد حمدي: لماذا برأيكم لا يُمكن للإنسان أن يستغني عن الدين؟ وهل في عدم إمكانه عن فِعل ذلك تأسيس لضرورة الفلسفة في حياته؟

ج2: ماجد الغرباوي: "قُدرة أو عدم قُدرة الإنسان على الاستغناء عن الدين"، لم تكن يومًا قضية بديهية ومفروغ منها، بل موضع خِلاف الفلاسفة والمُفكرين. وقد أثارت جدلاً واسعًا، ثم تلتها أسئلة مُهِمَّة: هل الدين ضرورة وجودية، فيكون مطلوبًا لذاته. أم أنه ظاهرة تاريخية وُجِدت لمُعالجة مُشكلات نفسية واجتماعية مُعيّنة. فيكون مطلوبًا لغيره وليس مطلوبًا لذاته ... وسيلة وليسَ غاية؟: فَثَمَّة عدد من الفلاسفة والمُفكرين يعتقد أن الإنسان يحمل في بنيته الوجودية نُزوعًا نحو المُطلق والمعنى النهائي، وأن الدين يُمثِّلُ استجابة لهذه الحاجة العَميقة. فالإنسان لا يكتفي بتفسير آلي للعالَم، بل يسأل عن الغاية والقيمة والمَصير. من هذا المُنطلق، لا يكون الدين مُجرّد أداة علاجية، بل تَعْبيرًا عن بُعد أصيل في الإنسان يسعى إلى تجاوز حُدود الوجود المادي.

بينمَا يُؤكّد آخرون على إمكانية الاستغناء عن الدين، متى وجد الإنسان وسائل بديلة تُحقِّق الوظائف ذاتها كـ (الفلسفة، الأخلاق، والفن ....) فالدين، وِفقاً لهذا الرأي، ليسَ غاية في ذاته بل وسيلة لوظائف إنسانية أخرى ... حاجة الإنسان الحقيقية للمعنى والانتماء، للطمأنينة والسلام الداخلي وتبدّد الخوف والقَلَقْ الوجودي الذي يُلازمه مُنذ بداية وعيه، بأيّ وسيلة تحقّقت. لكن الدين هو الأجدر بهذه المُهِمَّة. والأوسع والأشمل في رؤيته الكونية. وقُدرته على تهدئة القَلَقْ المَصيري، وتقلّبات النفس البشرية، وظمأ الروح والحنين الذي يستبد به. كمَا أن الدين يُضفي معنى لحياة الإنسان ووجوده قد لا تُوفره الوسائل الأخرى، ويُجيب على أسئلته الوجودية، في وقتٍ تعجز العُلوم عنها. فنحنُ إذًا، أمام اتّجاهين، الأوّل يرى أن الدين مطلوب لذاته، والآخر يُؤكّد أنه وسيلة لا هدفًا بذاته. بيد أن جواب السُؤال يتوقّف على مفهوم الدين. فمَا هو مفهوم الدين الذي لا يُمكن أو يُمكن للإنسان الاستغناء عنه؟

كان الدين وما يزال مُنذ فجر التاريخ أحد أهم العوامل المُوجِّهة للفِعل الإنساني، وقد تعدّى مجاله الروحي إلى تنظيم الاجتماع البشري وتأسيس القيم والشرائع. وكان أبرز الظواهر التي رافقت الإنسان على الأرض، مِمَّا يُؤكِّدُ أهميته الروحية.

الدين في اللغة يدلٌّ على الطاعة والانقياد والجزاء. وأمَّا اصطلاحًا: "الدين: منظومة من المٌعتقدات والطقوس والقيم التي تٌنظم علاقة الإنسان بالخالق وبالمُجتمع". أو (منظومة من العقائد والتشريعات والقيم الأخلاقية والحِكَم والمواعظ).

والدين بهذا المعني؛ أيّ المعنى الاصطلاحي، يُمكن الاستغناء عنه إلى بدائل تؤدّي الوظيفة ذاتها المُتَوَقَّعَة من الدين، فليسَ الجميع يتبنون العقائد الدينية، أو يلتزمون شرائعه، ويتمثلون قيمه. فلا يكون حينئذٍ مطلوبًا لذاته بل لأنه وسيلة لتحقيق أهدافٍ سامية يعتقد بها مُعتنقوه.

لكن الأمر سيختلف مع جوهر الدين وحقيقته لا بالمعنى الاصطلاحي بل بمعنى التجربة الدينية. ذلك القاسم المُشترك بين جَميع الأديان. أو "تلك الحقيقة التي يدور مدارها صدق وعدم صدق مفهوم الدين". وما عداها تمظهرات، وأنحاء من التديّن، كالعبادات والطُقوس والشعائر والتشريعات، لا تسلب جوهر الدين حقيقته مَهْمَا اختلفت أو تغيّرت استجابة لضرورات روحية أو اجتماعية. فجوهر الدين خُصوص التجربة الدينية. ذلك الحُضور المُهيّمن للغيب، وكيفية تمثّل المطلق / الكائن الأسمى، فتكون أخصّ من التجربة الروحية، بينهُمَا عُموم وخُصوص مُطلق، وِفقًا للمنطق الصوري. فكلّ تجربة دينية هي تجربة روحية بالضرورة، لكن ليسَ كلّ تجربة روحية هي تجربة دينية. فيُمكن تعريف الدين: "تجربة روحية شخصية بين المخلوق وخالقه. آثارها النفسية والاجتماعية تُضفي معنى لحياة الإنسان. تَسمو به خُلقيًا، وتشدُّه إلى عالَم الغيب والملكوت". (للتفصيل: مقتضيات الحكمة 16). فمحور التجربة الدينية الله / الخالق، بينمَا محور التجربة الروحية شيئًا ما، ليسَ بالضرورة أن يكون ذات الخالق تعالى. كثير من الشُعوب تعيش تجربتها الروحية الأعمّ من التجربة الدينية. وتتمثّل ما تُؤمن به.

وأكثر توضيحًا: "الدين تجربة روحية تروي ظمأ الإنسان المُتعطش للمُطلق، والمُرتهن للغيب والمُقدس. يغمره قَلَقْ مَصيري لا شُعوري، وتوق جنوني للسمو يستبد به وهو يعيش تجربته، فتنعكس آثارها على سُلوكه ومشاعره ومواقفه. (للتفصيل: الفلسفة النسوية، ص9).

وبشكلٍ أدقّ: أقصد بالتجربة الدينية هُنَا بالذات، تجربة روحانية، يجد فيها الإنسان نفسه فجأة مُتعلقًا بالغيب، بالمُطلق، بالله. مشدودًا لعالَم لا دليل له عليها سِوى قلبه، في لحظة يشعر أنه بحاجة ماسّة للتماهي معه والانفتاح عليه. وهي لحظة نورانية دافئة، قد تتطوّر وتسمو وترتفع به إلى مُستوى الإنسان الأخلاقي تَبَعًا لنقاء سَريرته وكيفية استثماره للحظة النور الرحمانية في أعماقه. وهذا النوع من التجارب الدينية مُشترك إنساني رغم تفاوتها، تُضفي معنى أخلاقيًا على الحياة، وتُساهم في ترسيخ قيم الفضيلة والحق والاعتراف بالآخر، وحقه في الاختلاف. وبالتالي، هي تدفّق وجداني ونقاء روحي، ينعكس على وعيه وعلاقاته الاجتماعية، فتسمو فوق الأنانية والظلم والجور والعنف، وكلّ ما يُعَكّرُ صفو المُجتمع الإنساني. يفيض فيها المُتلقي بالحب عشقها للجمال. والتجربة الدينية ليستَ حكرًا على دين واحد، بل هي مفهوم شامل لكلّ تجربة بشرية تُؤمن بوجود كائن أسمى، يتمتع بسُلطة فوقية، وقُدسية تستغرق مشاعر المُؤمنين، بل حتى مع عدم تحقّق هذا القدر من الاعتقاد سِوى الإيمان بإنسانية الإنسان. وكلّ ما تعمقت التجربة الدينية كُلّمَا اتسعت الرؤية، وانفتحت آفاق جديدة لوعي الذات، ومعرفة حقيقتها. (للتفصيل: المقدس ورهان الأخلاق، ص95).

والسُّؤال، هل الاستغناء عن الدين كتجربة روحية، "لا باعتباره منظومة من العقائد والتشريعات والقيم الأخلاقية والحِكَم والمواعظ"، ممكن للإنسان؟.

الإنسان كائن مُركّب من روح وجسد. فإذا كانت المادة موضوعاً للعُلوم الطبيعية فإن أعماق النفس البشرية موضوعًا للدين. والمقصود بالدين خُصوص التجربة الدينية والروحية القادرة على تهدئة القَلَقْ الوجودي، وطمأنة النفس البشري، مادامت مُكاشفة مع الذات، وانفتاحًا على غيب / الله / المُطلق. فالمقام مقام روحي شفاف، وليسَ مقام عبادات وطُقوس وتشريعات، بل هي تجرّد النفس، في لحظة روحانية، لا يعي فيها سِوى نفسه عارية من كلّ شيء سواها. هي لحطة مُكاشفة ومُصارحة مع الذات بين يدي الله / المُطلق ... فقط وفقط الإنسان ونفسه، حينمَا يشعر بها وهي تتعذّب بفِعل قَلَقِهَا الوجودي، فتنفتح على أعماقها وعينها ترمُق السماء، وترجو ذلك الغيب. تتأمّل المُطلق بكلّ جوارحها، لتستمد منه ما يساعدها على تحرّي حقيقتها. هذه حالة إنسانية؛ حيث يميل الإنسان، في لحظات الأزمة والقَلَقْ الوجودي، إلى اختبار شكل من أشكال الانفتاح الروحي. فيمرّ بهَا كل إنسان مَهْمَا كانت تجربته الروحية مُتواضعة. ولا يُمكنه الاستغناء عنها مادام يخوض تجربته الحياتية والمَعيشية ويواجه ما يستفزه من ظواهر وأسئلة مَصيرية، فلاَ يجد سِوى تجربته الروحية نافذته على الغيب لبث الطمأنينة في نفسه القَلِقَة. هي قضايا موضوعًا للدين بهذا المعنى. (يَرَى "شوبنهاور" أن لَدَى الإنسان حاجة ميتافيزيقية فطرية لفهم لغز الوجود والموت والمُعاناة. وبمَا أن الفلسفة، بصرامتها العقلية وتجريدها القاسي، لا تصلح للجَميع، يأتي الدين ليملأ هذا الفراغ). بمعنى التجربة الروحية المُطمئنة. بالتالي، كمَا يدعو الجسد لمُعالجة عِلَلِهِ بعلاج من جنسه، كذلك الروح تستدعي علاجًا روحانيًا من جنسها، فتكون التجارب الروحية أقدر على مُعالجة النفس، بل تتفرّد بانفتاح المُتلقّي على الغيب والمُطلق للتزوّد من مَعين روحانيته. فتكون تجربة مُلهِمَة ومُقَوِمَة للمُتلقّي، تضمن له الاستقرار النفسي. ولا يختلف الحال بين نفسٍ وأخرى. الإنسان بطبيعته يعتريه القَلَقْ والهلع والخوف، وتُحيط به أسئلة الوجود الكبرى، وتستوقفه ظواهر شتى كالموت والشر والظُلم والألم. وقد شَكّل الدين عبر التاريخ الإطار الأكثر قُدرة على تقديم تفسير شامل للمُعاناة وربطها بخطة كونية أوسع، مِمَّا يَمنحُ الإنسان قُدرة على الصُمود والاستمرار. فيكون الدين هُنَا ضرورة شَريطة قُدرته على مُعالجة الروح وإخفاقاتها.

لكن السُّؤال يعود، هل البحث عن المعنى هو الدافع الحقيقي للفرد أم الدين بِمَا هو دين ولو لم يُضْفِ معنى لوجود الإنسان؟

قالوا: أن الحداثة أوجدت بدائل جُزئية للمعنى، مثل الفلسفة الإنسانية والعِلم والفن، ما أدّى إلى ظُهور نِقاش حول إمكانية وجود معنى للحياة خارج الأطُر الدينية التقليدية. وتُؤكِّدُ الدراسات الوجودية أن الإنسان لا يستطيع العيش طويلًا دون معنى يُفسّر تجربته في العالَم، خُصوصًا أمام الألم والموت والظلم. ويُشير "فيكتور فرانكل" إلى أن البحث عن المعنى هو الدافع الأعمق للإنسان، وأن فُقدان المعنى يُؤدي إلى الفَراغ الوجودي والاضطراب النفسي. في هذا السِّياق يُؤدي الدين دورًا محوريًا في توفير أفُق معنوي للحياة.وعن "ألبرت آينشتاين": (الإنسان الذي يعتبر حياته خالية من المعنى ليسَ تَعيسًا وحسب، بل بالكاد يصلح للحياة).

المُشكلة أساسًا أن القضايا الغيبية قضايا مُجرّدة يتعذّر معها الجزم. لا حقيقة لها خارج النصّ والفَضَاء المعرفي للمُتلقّي. فتختلف من فرد وآخر تَبَعًا لثقافاته وتُوجهه الأيديولوجي، وتسرب العامل الذاتي، والعاطفي والانتماء الثقافي والبيئة الدينية. الحقيقة في هذه القضية دائِمًا نسبية وليست مُطلقة. فالبيئات التي تتصف بخُصوبة المشاعر الروحية والدينية تجد الدين ضرورة وجودية، ومطلوب لذاته. وهي عُموم الشعوب التي ظهرت فيها النبوات. فثمّة استعداد لتقبّل ما يتجاوز الحسّ والعقل التجريبي. ولولا هذا الاستعداد الذاتي لا يكتب لأيّ ديانة أو رسالة سماوية النجاح، مَهْمَا كانت قُدسيتها. النجاح يتوقف على طبيعة الرسالة ووجود ثقافة تُساهم في قبولها. أضف لذلك عُصور مُتمادية من الاستبداد والنظام الأبوي القمعي الذي سلب الفرد قُدرته على التفكير فضلاً عن السُّؤال والنقد والتمرّد. وبالتي الوازع الديني عندنا وليد بيئتنا وثقافاتنا، وليسَ بالضرورة يشاركنا به من ينتمي لبيئات ثقافية مُغايرة. من هُنَا لا يُمكن الجزم بضرس قاطع أن هدف الفرد هو ذات الدين وإن كان بمعنى التجربة الدينية. الإنسان بطبيعته يبحث عن الاطمئنان. حتى الكتب السماوية تُؤكِّدُ على الطُمأنينة التي يبتغيها الإنسان ليستقر قَلَقَهُ، وتهدأ روحه: (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم). فصَحيح الدين الأجدر بذلك، لكنه الأجدر بَما أنه وسيلة للاطمئنان النفسي.

***

وأمَّا الشق الثاني من السؤال: (وهل في عدم إمكانه عن فِعل ذلك "عدم إمكان الاستغناء عن الدين" تأسيس لضرورة الفلسفة في حياته؟).

نعم، لو ثبت ذلك، فإن احتياج الإنسان للدين يكشف في العمق عن احتياجه للتفلّسف. بمعنى أدقّ: أن سُّؤال المعنى وراء حاجة الإنسان للدين، وسُّؤال المعنى يُفيد أن الإنسان كائن يسأل، ومادام يسأل فهو كائن يتفلّسف. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون إجابة عن أسئلته الوجودية، فهو كائن يتفلّسف. الدين يُقدّم أجوبة كونية ومعنوية. الفلسفة تسأل عن مشروعية هذه الأجوبة، وعن طبيعة الحقيقة والمعنى. وبالتالي الفلسفة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية.

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي

.........................

* شهرزاد حمدي: باحثة وأستاذة جامعيـة من مواليد 1997م بولاية عنابة – الـجزائـر. حاصلة على شهادة الدكتوراه تـخصّص: فلسفة عامة من جامعة مـحمد لـمـيـن دباغـيـن سطيف2. لَـهَا العديد من الـمنشورات العِلمية والـمُشاركـات في مُلتقيات وطنية ودولية. كمَا تَشْغَل عُـضو مُـحـكّـم في مـجلات وطنية ودولية تابِعة لـجامعات ولـمراكـِز بـحثية. من كتبـها: تفكّـرات فلسفية مُـتنوّعـة، إشكالات مُـثارة من وحـي الـيومـي والعِـلـمي، دار إيلياء للنشـر والتوزيع، الـجزائـر – الـذكاء الاصطناعـي ومُـستقبل الإنسان (مُـشتـرك مع د. مفتاح سعودي)، دار الـمتنبـي للنشـر والتوزيع، الـجزائـر.

** ماجد الغرباوي: مُفكّر عربي تنويري معروف بإسهاماته النقدية الإبداعية في مجال الفكر العربي في مُختلف تجلّياته الفلسفية والدينية. ويُعدّ "الغرباوي" من أصحاب المشاريع الفكرية النهضوية في العالَم العربي والإسلامي. وقد شيّدَ مؤسسة المُثقف العربي في سيدني - أستراليا، ويرأس حاليًا هيئة تحرير صحيفة المُثقف الشهيرة. يَتَضَمّن مشروع "الغرباوي" قضايا حسّاسة جدًا في الفكر العربي ويتمحور هذا المشروع في العَمَل على تحرير العقل من بنيته الأسطورية وإعادة فهم الدين على أساس مركزية الإنسان في الحياة. ويُركز على أهمية التنوير الديني وتحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ويُؤكِّد "الغرباوي" على أهمية القِراءة المُتجدِّدة للنص الديني تقوم على النقد والمُراجعة المُستمرة، من أجل فهم مُتجدِّد للدين، كشرط أساس لأيّ نُهوض حضاري، يُساهم في ترسيخ قيم الحُرية والتسامح والعدالة، في إطار مُجتمع مدني خالٍ من العُنف والتنابُذ والاحتراب. ويتناول "ماجد الغرباوي" ضمن مشروعه موضوعات: فكر النهضة، نقد الفكر الديني، التسامح، العنف، الحركات الإسلامية، المرأة، التنوير، والنهضة الحضارية في المُجتمعات العربية والإسلامية ... وِفقاً لمركز نقد وتنوير.

https://tanwair.com/author/majed

له أكثر من (35) عملاً مطبوعًا. صدرت عنه لحدّ الآن (5) كتب فكرية، و(4) كتب حوارات معه. كمَا تُرجمت بعض أعماله إلى لُغات أجنبية. ونشر عددًا كبيرًا من المقالات والبُحوث في مجلات وصحف ومواقع ألكترونية مُختلفة.

1- ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ص 191.

2. أرنولد توينبي، دراسة التاريخ، ترجمة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج1، ص 72.