عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زكريا نمر: هل تستطيع الفلسفة منح الحياة معنى دون الدين؟

هناك مشكلة أخرى تستحق المواجهة: هل يؤمن الإنسان لأنه اقتنع بالحقيقة، أم لأنه ولد داخل مجتمع لقنه منذ طفولته ما ينبغي أن يؤمن به؟ يولد الفرد فيجد دينا ولغة وعادات وتصورات عن الخير والشر سبقته إلى حياته. وقبل أن يمتلك القدرة على الاختيار، يكون قد تعلم ما يجوز السؤال عنه وما ينبغي الصمت تجاهه. لكن هل يكفي أن يكون الاعتقاد موروثا حتى يصبح باطلا؟ بالطبع لا. فالموروث قد يتضمن معرفة وقيمًا جديرة بالحفاظ عليها، مثلما قد يتضمن أفكارا تحتاج إلى مراجعة. المسألة ليست في أصل الفكرة وحده، بل في قدرتنا على فحصها وتبريرها. و يواجه الإنسان اختبارا حقيقيا: هل يستطيع مراجعة معتقداته دون أن يشعر بأنه يخون أسرته أو مجتمعه؟ وهل يستطيع المتدين أن يطرح أسئلة صعبة على عقيدته دون أن يعتبره الآخرون ضعيف الإيمان؟ وهل يستطيع غير المتدين أن يعترف بحدود معرفته دون أن يرى في ذلك تنازلا عن استقلاله الفكري؟ إن النضج لا يعني امتلاك إجابة عن كل شيء، بل القدرة على التمييز بين ما نعرفه، وما نعتقده، وما لا نملك دليلا كافيا للحسم فيه.

ويزداد النقاش تعقيدا عندما ننتقل من الفرد إلى المجتمع. فالتاريخ الاجتماعي والسياسي يقدم حالات استخدمت فيها جماعات دينية معتقداتها لتبرير التمييز أو احتكار السلطة، كما شهد حالات استُخدمت فيها أفكار غير دينية لتبرير القمع باسم الدولة أو الثورة أو التقدم. وهذا لا يعني أن الدين والعلمانية متطابقان في كل شيء، ولا أن جميع التجارب التاريخية متشابهة، لكنه يفرض سؤالا ضروريا: هل تكمن المشكلة في المرجعية الفكرية وحدها، أم في السلطة التي تحاول تحويل مرجعيتها إلى أداة لإخضاع الآخرين؟. إذا رفع الحاكم شعار الدين، فهل يصبح حكمه عادلا لمجرد أنه يستند إلى خطاب ديني؟ وإذا أعلن أن دولته علمانية، فهل يضمن ذلك وحده حماية الحريات والمساواة؟ لا يكفي اسم المرجعية للحكم على التجربة؛ بل ينبغي النظر إلى القوانين والمؤسسات، وطريقة توزيع السلطة، وحقوق المواطنين، ومدى خضوع الحاكم للمساءلة. فالأفكار لا تُختبر في الكتب وحدها، بل في آثارها عندما تتحول إلى قرارات تمس حياة الناس. وفي هذا السياق، ينبغي ألا نخلط بين نقد الدين ونقد استخدامه السياسي، مثلما ينبغي ألا نخلط بين نقد العلمانية ورفض حرية الاعتقاد. يمكن للإنسان أن ينتقد توظيف النصوص الدينية دون أن ينكر حق الآخرين في الإيمان، كما يمكنه أن ينتقد بعض التصورات العلمانية دون أن يبرر فرض عقيدة على المجتمع. حرية التفكير لا تعني الاتفاق الدائم، بل تعني أن الاختلاف لا يتحول إلى سبب للإقصاء أو الحرمان من الحقوق.

أما السؤال المتعلق بالأخلاق، فهو أكثر تعقيدا مما يبدو. إذا قلنا إن الإنسان لا يستطيع أن يكون أخلاقيا دون الدين، فكيف نفسر وجود أشخاص غير متدينين يلتزمون بالصدق والعدل والتضامن؟ وإذا قلنا إن الأخلاق لا تحتاج إلى الدين مطلقا، فهل نكون قد حسمنا بذلك جميع الأسئلة المتعلقة بمصدر القيم ومعناها وإلزامها؟ ليس بالضرورة. فهناك فرق بين تفسير سبب تصرف الإنسان بصورة أخلاقية، وتفسير الأساس الذي يجعل الفعل صحيحا أو خاطئا، وتفسير سبب التزام الإنسان بالواجب الأخلاقي حتى عندما يتعارض مع مصلحته الشخصية. يستطيع المؤمن أن يرى في أوامر الله أساسا للواجب الأخلاقي، بينما قد يستند آخر إلى العقل أو الكرامة الإنسانية أو تقليل المعاناة أو مبدأ المساواة. لكن كل موقف من هذه المواقف يواجه أسئلة فلسفية تحتاج إلى إجابات وحجج. فإذا كان الفعل صحيحا لأنه مأمور به، فكيف نفهم العلاقة بين الأمر الإلهي والخير؟ وإذا استندنا إلى العقل وحده، فكيف نبرر المبادئ الأخلاقية التي ينبغي أن تلزم الإنسان حتى عندما لا تحقق له منفعة مباشرة؟ لا يحسم طرح هذه الأسئلة النقاش، لكنه ينقله من تبادل الاتهامات إلى البحث الفلسفي الجاد.

وتبقى قضية الموت من أكثر المسائل التي تكشف الاختلاف بين التصورات الدينية والفلسفية. يمنح الإيمان بالآخرة كثيرين أفقا يتجاوز الموت، ويجعل العدالة النهائية ممكنة في تصورهم حتى عندما يعجز العالم عن إنصاف المظلومين. أما بعض التصورات الوجودية غير الدينية، فتنطلق من أن محدودية الحياة تجعل الاختيارات الإنسانية أكثر أهمية، لأن الوقت الذي نملكه ليس مفتوحا بلا نهاية. لكن هل يحتاج الإنسان إلى حياة أبدية كي تكون حياته الحالية ذات قيمة؟ وهل يكفي أن تكون الحياة محدودة حتى تصبح أكثر معنى؟ لا توجد إجابة يتفق عليها الجميع، غير أن الاختلاف يكشف أن معنى الحياة يرتبط أيضا بتصورنا للموت والعدالة والغاية. وإذا كانت الفلسفة تعلمنا شيئا في هذا المجال، فهو أن السؤال لا يصبح عديم القيمة لمجرد أنه لا يصل إلى إجابة نهائية. لكن الشك نفسه ليس دليلا على الذكاء، كما أن اليقين ليس دليلا تلقائيا على الجهل. فقد يشك الإنسان لأنه يبحث عن معرفة أدق، وقد يشك لأنه يرفض الالتزام بأي موقف؛ وقد يتمسك آخر بقناعة بعد فحص طويل، بينما يتمسك بها غيره خوفا من المراجعة. الفارق ليس في وجود الشك أو اليقين وحدهما، بل في الطريقة التي وصل بها الإنسان إلى موقفه واستعداده لمراجعته أمام الحجة.

لهذا، فإن النقاش الجاد بين الدين والفلسفة لا ينبغي أن يتحول إلى مباراة لإثبات تفوق فريق على آخر. السؤال الأهم هو كيف نبني مجتمعا يستطيع فيه الإنسان أن يؤمن دون إكراه، وأن يشك دون خوف، وأن يناقش دون أن يفقد حقوقه، وأن يختلف مع الآخرين دون أن ينكر إنسانيتهم. فالمجتمع الذي يحمي حرية الاعتقاد والتفكير لا يطلب من أفراده أن يتفقوا في مسائل الوجود، بل يضع قواعد تضمن قدرتهم على العيش المشترك رغم اختلافهم.

أسئلة أكثر عمقا للنقاش:

 هل يمكن إثبات أن للحياة معنى موضوعيا، أم أن المعنى تجربة شخصية يصنعها الإنسان؟.

إذا كان الإنسان يفعل الخير خوفا من العقاب أو طمعا في الثواب، فهل يكون فعله أخلاقيا بالقدر نفسه الذي يكون عليه إذا فعله اقتناعا بحق الآخرين؟.

هل يحق للمجتمع منع فكرة من التداول لمجرد أنها تمس معتقداته، أم أن مواجهة الأفكار تكون بالحجة والنقد؟.

هل يستطيع الإنسان التحرر من الموروث الذي نشأ عليه، أم أن كل تفكير يظل متأثرا بالثقافة التي أنتجته؟.

إذا لم يكن هناك اتفاق على مصدر الحقيقة، فهل يمكن الاتفاق على قواعد عادلة للعيش المشترك؟.

هل الغاية من التفكير الوصول إلى إجابة نهائية، أم تعلم كيفية طرح الأسئلة الصحيحة ومراجعة الإجابات باستمرار؟.

ربما يكون الاختبار الحقيقي للإنسان ليس في عدد الكتب التي قرأها، ولا في قوة إيمانه أو جرأته على إنكار ما يؤمن به الآخرون، بل في قدرته على مواجهة الأسئلة التي تهدد قناعاته دون أن يتحول إلى خصم لمن يختلف معه.فهل نبحث عن الحقيقة حتى لو أجبرتنا على مراجعة أنفسنا، أم نبحث عن الأفكار التي تمنحنا الطمأنينة وتحمينا من القلق؟ وهل يستطيع الإنسان أن يحب الحقيقة أكثر من حبه للشعور بأنه على حق؟.

***

زكريا - نمر

في المثقف اليوم