عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عماد خالد رحمة: الهوية بين أسر الماضي واستلاب الآخر

نحو وعيٍ نقدي يعيد إنتاج الذات

تتشكّل الهوية في المسافة الجدلية بين الذاكرة والتجدد، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على المنجز الإنساني. غير أنّ هذه العلاقة تفقد توازنها حين يتحول الماضي إلى سلطةٍ مغلقة تعطل أسئلة الحاضر، أو يصبح الآخر نموذجاً يُستنسخ بدافع النقص أو تحت ضغط الهيمنة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وعيٍ نقدي يعيد تأويل الموروث، ويستوعب التجارب الإنسانية دون الوقوع في أسر التقليد، ليجعل من الهوية مشروعاً حيّاً للإبداع والتجدد، لا صدىً للماضي ولا نسخةً من الآخر.

ليست الهوية كياناً جامداً يقيم خارج حركة التاريخ، ولا مرآةً مصقولة تستعيد ملامح الماضي كما كانت، ولا مساحةً فارغة تنتظر من الآخر أن يملأها بما ينتجه من نماذج ومعايير. إنها سيرورة تاريخية وثقافية متجددة، تتفاعل فيها الذاكرة مع الحاضر، والتراث مع الحداثة، والخصوصية مع المشترك الإنساني، في جدلٍ لا يستقيم بالقطيعة المطلقة، ولا يتحقق بالتبعية العمياء، بل يحتاج إلى وعيٍ نقدي قادر على التمييز بين ما ينبغي الاحتفاظ به، وما يستوجب المراجعة، وما يمكن تجاوزه أو إعادة تأويله.

إنّ إحدى المعضلات العميقة التي تواجه المجتمعات في علاقتها بذاتها وتاريخها تتمثّل في الخلط بين الوفاء للماضي والتطابق معه، وبين الانفتاح على الآخر والذوبان فيه. ففي الحالة الأولى، يتحول التراث من رصيدٍ معرفي قابل للحوار إلى سلطةٍ مغلقة تستمد مشروعيتها من قِدَمها، لا من قدرتها على الإجابة عن أسئلة الحاضر. وفي الحالة الثانية، يتحول الآخر من شريكٍ في إنتاج المعرفة إلى مرجعيةٍ مطلقة، تُستعار منها الأفكار والنماذج دون مساءلة شروط نشأتها أو اختبار مدى ملاءمتها للسياق الذي تُنقل إليه.

وهكذا تجد الهوية نفسها بين انغلاقٍ يحرس الماضي من الحياة، وتقليدٍ يجرّد الحاضر من حقّه في الإبداع؛ بين ذاتٍ تخشى التغيير خشية أن تفقد أصولها، وذاتٍ تستعير ملامح غيرها لأنها لم تعد تثق بقدرتها على إنتاج ملامحها الخاصة.

أولًا: حين يتحول الماضي إلى سلطة تعطل الحاضر

لا تكمن المشكلة في العودة إلى الماضي، فالمجتمعات التي تقطع صلتها بذاكرتها تفقد جانباً مهماً من قدرتها على فهم ذاتها، وإنما تكمن في طبيعة هذه العودة: أهي عودةٌ استلهامية تفتح التراث على أسئلة الحاضر، أم عودةٌ استنساخية تسعى إلى إعادة إنتاج الماضي بوصفه نموذجاً مكتملًا لا يجوز تعديله؟

إنّ التطابق الجامد مع الماضي يفترض ضمنًا أنّ التاريخ قد أنجز مهمته، وأنّ الأجيال اللاحقة ليست مطالبةً إلا بإعادة تمثيل ما أنجزته الأجيال السابقة. وفي هذا التصور تختزل الهوية إلى مجموعة من الصور والرموز والعادات والأحكام التي يُطلب من المجتمع تكرارها، حتى عندما تتغير الشروط الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية التي أنتجتها.

لكنّ التاريخ ليس مستودعاً للصور الجاهزة، بل مجالٌ للصراع والتفاعل والتحول. وما كان استجابةً عقلانية لمشكلةٍ في زمنٍ سابق، قد يتحول، إذا نُقل حرفياً إلى زمنٍ مختلف، إلى عائقٍ أمام حلّ مشكلاته الجديدة.

مثال ذلك: حين يستدعي مجتمعٌ ما نماذج التعليم القديمة، لاستخلاص قيم الاجتهاد واحترام المعرفة ومكانة المعلّم، فإنه يمارس استلهاماً نقدياً للتراث. أما إذا جعل تلك النماذج قالباً نهائياً يرفض تطورات العلوم وطرائق التعليم الحديثة، فإنه لا يحفظ روح الماضي، بل يحوّل بعض أشكاله التاريخية إلى قيودٍ على المستقبل.

والأمر نفسه ينطبق على التراث الفكري العربي. فقراءة ابن رشد، مثلاً، لا تقتضي الاكتفاء بترديد آرائه أو التعامل معها بوصفها أجوبةً نهائية عن أسئلة العقل والدين والمجتمع، بل تقتضي استعادة منهجه في البرهان والنظر، وفحص حججه في سياقها التاريخي، واختبار إمكانات الإفادة منها في معالجة إشكاليات معاصرة. إنّ الوفاء الحقيقي للمفكر لا يتحقق بتحنيط أفكاره، بل بإحياء قدرتها على إثارة الأسئلة.

من هنا، لا يكون التجديد خيانةً للتراث بالضرورة، كما لا يكون التمسك بالموروث دليلاً كافياً على الأصالة. فقد يكون التجديد أعمق أشكال الوفاء حين يستعيد المبادئ المنتجة للمعرفة، ويتجاوز الأشكال التي استنفدت وظائفها التاريخية.

 ثانياً: حين يتحول الآخر إلى مرآة للنقص

إذا كان الارتهان للماضي يجمّد الهوية داخل سردية مكتملة، فإنّ التطابق مع الآخر قد يدفعها إلى التخلي عن حقّها في صياغة سرديتها الخاصة.

ولا يعني ذلك أنّ الانفتاح على الثقافات الأخرى يمثل تهديداً في ذاته؛ فالتبادل الحضاري من الشروط الأساسية لتطور المجتمعات، والتاريخ الإنساني شاهدٌ على أنّ الأفكار لا تنمو في عزلةٍ تامة، وأنّ كثيراً من المنجزات الكبرى نشأت من التفاعل بين ثقافات متعددة. إنما تبدأ الأزمة حين يُنظر إلى الآخر بوصفه معياراً مطلقاً للتقدم، وإلى الذات بوصفها نقصاً ينبغي محوه، فتتحول الاستفادة من التجارب الإنسانية إلى محاكاةٍ تفقد معها المعرفة شروطها النقدية.

مثال ذلك: عندما تستورد دولةٌ نموذجاً تعليمياً ناجحاً في مجتمعٍ آخر، ثم تطبقه بحذافيره دون مراعاة لغتها وبنيتها الاجتماعية ومواردها الاقتصادية وحاجاتها المعرفية، فقد تنقل المؤسسات والإجراءات، لكنها لا تنقل بالضرورة الشروط التي منحت ذلك النموذج فاعليته. أما حين تدرس التجربة، وتفكك عناصر نجاحها، وتختار منها ما يتلاءم مع واقعها، ثم تعيد بناءه وفق حاجاتها، فإنها تنتقل من الاستيراد إلى إنتاج المعرفة.

وينطبق الأمر ذاته على الحداثة. فالحداثة ليست مجموعةً من المظاهر الاستهلاكية أو التقنيات المستوردة أو المصطلحات التي تُستخدم لإثبات مواكبة العصر، بل هي، في أحد أبعادها الجوهرية، قدرة المجتمع على مساءلة مؤسساته، وإنتاج المعرفة، وتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة، وتطوير أدوات التفكير والعمل.

ولهذا يمكن لمجتمعٍ أن يمتلك أحدث التقنيات، ويستخدم أكثر المفردات الفكرية تداولاً، بينما تظل بنيته الثقافية أسيرة التبعية؛ لأنه استورد أدوات التحديث دون أن يطوّر الشروط المعرفية والاجتماعية التي تتيح له المشاركة في إنتاجه.

وفي المقابل، لا تعني المحافظة على الخصوصية رفض المنجز الإنساني المشترك، ولا تعني حماية اللغة أو الذاكرة أو الموروث إغلاق النوافذ أمام العالم. فالخصوصية التي لا تتفاعل مع غيرها تتحول إلى عزلة، والانفتاح الذي لا يستند إلى وعيٍ بالذات يتحول إلى استلاب.

 ثالثاً: الهوية المحاكاتية بين الانغلاق والتبعية

تتخذ أزمة الهوية، في هذا السياق، صورتين تبدوان متناقضتين، لكنهما تلتقيان في تعطيل الفاعلية التاريخية.

الصورة الأولى هي الهوية المنغلقة التي تستمد يقينها من ماضٍ تتعامل معه باعتباره حقيقةً مكتملة، فتنظر إلى كل اختلاف بوصفه تهديداً، وإلى كل تجديد باعتباره خروجاً عن الأصل. وهي، على الرغم من خطابها الذي يعلن الدفاع عن الخصوصية، قد تعجز عن إنتاج إجاباتٍ جديدة عن المشكلات التي يفرضها الواقع.

أما الصورة الثانية فهي الهوية المقلّدة التي تقيس قيمتها بمقدار اقترابها من نموذجٍ خارجي، فتتبنى لغته ومفاهيمه وأذواقه دون أن تفحص خلفياته أو شروطه. وهي، على الرغم من خطابها الذي يحتفي بالتقدم والانفتاح، قد تفقد القدرة على التمييز بين الاستفادة الواعية والتبعية غير النقدية.

وفي الحالتين، لا تمارس الذات حريتها كاملةً؛ ففي الأولى يهيمن الماضي على الحاضر، وفي الثانية يهيمن النموذج الخارجي على إمكانات الذات. والنتيجة هي هوية محاكاتية، لا تستعيد الماضي بقدر ما تكرر صورته، ولا تستوعب الآخر بقدر ما تقلّده.

ولعلّ المفارقة الأعمق أنّ الانغلاق والتقليد، على الرغم من تعارضهما الظاهري، يشتركان في تعطيل السؤال النقدي. فالمنغلق يرفض السؤال خشية المساس بالموروث، والمقلّد يتنازل عنه لأنه يفترض أنّ الإجابة قد أُنتجت سلفاً في مكانٍ آخر.

إنّ الهوية الفاعلة، في المقابل، لا تكتفي بأن تسأل: من أين جئنا؟ ولا تكتفي بأن تستفسر: ماذا أنجز الآخرون؟ بل تضيف إلى السؤالين سؤالاً ثالثاً أكثر جوهرية: ماذا نستطيع أن ننتج نحن، انطلاقاً من خبرتنا التاريخية، وبالاستفادة النقدية من الخبرة الإنسانية؟

رابعاً: إعادة تأويل التراث بوصفها فعلاً تاريخياً

إنّ إعادة تأويل التراث لا تعني إخضاع الماضي لأهواء الحاضر، ولا انتقاء ما يوافق رغباتنا وإهمال ما يخالفها، وإنما تعني التعامل معه بوصفه نتاجاً تاريخياً متعدد الطبقات، تشكّل في ظروفٍ محددة، وتداخلت في بنائه عوامل معرفية واجتماعية وسياسية ولغوية.

وهذا يقتضي التمييز بين النص وسياق إنتاجه، وبين مقاصده المحتملة وتاريخ تلقيه، وبين القيم التي يمكن استعادتها والأحكام التي ارتبطت بظروفٍ لم تعد قائمة. كما يقتضي الاعتراف بأنّ التراث ليس كتلةً متجانسة، بل فضاءٌ تتجاور فيه الاجتهادات والاختلافات والتناقضات، وأنّ اختيار قراءةٍ واحدة منه بوصفها التعبير الوحيد عن الهوية قد يكون إقصاءً لثرائه الداخلي.

مثال ذلك: إنّ العودة إلى التراث العربي في مجال الشورى أو العدالة أو تنظيم المجتمع لا ينبغي أن تقتصر على استحضار المصطلحات القديمة، بل تستدعي بحثاً في المضامين التاريخية لهذه المفاهيم، ثم مساءلة إمكانات تطويرها في ضوء قضايا المواطنة والمؤسسات الحديثة وحقوق الإنسان. فلا يكفي التشابه اللفظي بين مفهومين لإثبات تطابقهما، كما لا يجوز تجاهل الفروق التاريخية بينهما.

وهنا تبرز أهمية المنهج النقدي الذي لا يقدّس التراث ولا يزدريه؛ إذ يرى فيه مادةً للفهم والحوار وإعادة البناء، لا سلطةً تعفي العقل من مسؤوليته. فالتراث الذي يُمنع من المراجعة يتحول إلى ذاكرةٍ مغلقة، أما التراث الذي يدخل في حوارٍ حيّ مع الحاضر، فيغدو عنصراً فاعلاً في تشكيل المستقبل.

والمعيار، في نهاية المطاف، ليس مقدار ما نستحضره من الماضي، بل نوع العلاقة التي نقيمها معه، ومدى قدرتنا على تحويل الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى فعلٍ تاريخي منتج.

خامساً: استيعاب المنجز الإنساني دون فقدان الذات

لا تنمو الهوية في مواجهة الآخر وحدها، ولا تتطور بالانكفاء على الذات، بل تتشكل من خلال علاقةٍ مركبة بين معرفة الذات وفهم الآخر وإعادة بناء العلاقة بينهما.

فالمنجز الإنساني ليس ملكاً حصرياً لحضارةٍ بعينها؛ إنّه حصيلة تفاعلاتٍ طويلة، أسهمت فيها ثقافات متعددة، عبر الترجمة والاحتكاك والتبادل والصراع. ومن ثمّ، فإنّ الاستفادة منه لا تمثل تنازلاً عن الهوية، بل قد تكون شرطاً لتجديدها، متى تمت بوعيٍ نقدي.

مثال ذلك: إنّ ترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية من اللغات الأخرى لا تحقق غايتها بمجرد نقل المصطلحات إلى اللغة العربية؛ إذ ينبغي أن ترافقها عملية بناءٍ للمفاهيم، ونقدٍ للمناهج، وإنتاجٍ لأبحاثٍ قادرة على اختبار الأفكار وتطويرها. فالترجمة التي تكتفي بالاستهلاك توسّع دائرة الاطلاع، أما الترجمة التي تحفّز الحوار والإبداع فتسهم في توسيع دائرة الإنتاج المعرفي.

وكذلك فإنّ الحفاظ على اللغة العربية لا يتحقق بالاكتفاء بالدفاع الخطابي عنها، بل بتطوير قدرتها على استيعاب العلوم والفلسفات والفنون المعاصرة، وإنتاج معرفةٍ جديدة بها. فاللغة التي تُستخدم للتفكير والابتكار تكتسب حيويةً متجددة، بينما تتراجع فاعليتها حين تُحصر في الاحتفاء بالماضي دون المشاركة في صناعة الحاضر.

إنّ الانفتاح الواعي لا يطلب من الذات أن تتنازل عن خصوصيتها، بل يدعوها إلى اختبار هذه الخصوصية في فضاءٍ أوسع، لتكتشف ما فيها من عناصر قابلة للتجدد، وما تحتاج إليه من مراجعة، وما يمكن أن تضيفه إلى التجربة الإنسانية المشتركة.

سادساً: من الهوية الموروثة إلى الهوية المنتجة

ليست الهوية شيئاً نتلقاه مكتملاً من الأجيال السابقة، ثم نحمله كما هو إلى الأجيال اللاحقة؛ إنها أيضاً ما نصنعه بأنفسنا من خلال خياراتنا الثقافية والمعرفية والأخلاقية، ومن خلال قدرتنا على تحويل التجربة التاريخية إلى إمكاناتٍ جديدة.

فالإنسان لا يختار جميع عناصر ماضيه، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يفهم بها ذلك الماضي، وأن يحدد ما يريد استمراره منه، وما يحتاج إلى إعادة النظر فيه. والمجتمع لا يستطيع محو تاريخه، لكنه يستطيع أن يغيّر علاقته به، وأن يحوّل جراحه القديمة إلى معرفة، وإخفاقاته إلى دروس، وإنجازاته إلى حوافز لمزيدٍ من الإبداع.

ومن هنا، فإنّ الهوية المنتجة لا تقاس بمدى تشابه الحاضر مع الماضي، ولا بمقدار اقترابه من الآخر، بل بقدرة المجتمع على ممارسة الاختيار الواعي، وإنتاج المعنى، والمشاركة في تشكيل التاريخ بدل الاكتفاء بمشاهدة الآخرين وهم يصوغونه.

إنّ الهوية التي تخشى النقد تضعف أمام التحولات، لأنها تربط وجودها بثبات صورها. والهوية التي تتنازل عن مرجعياتها تفقد قدرتها على الاختيار، لأنها تجعل قيمة ذاتها رهينة الاعتراف الخارجي. أما الهوية المتجددة، فتستمد قوتها من قدرتها على الجمع بين الذاكرة والمراجعة، وبين الخصوصية والانفتاح، وبين الاستمرار والتحول.

ولا يتحقق هذا التوازن بقرارٍ لغوي أو شعارٍ ثقافي، بل يحتاج إلى مؤسسات تعليمية وبحثية فاعلة، وإلى حريةٍ في التفكير والتعبير، وإلى فضاءٍ عام يسمح بتعدد الآراء، وإلى ثقافةٍ لا تعاقب الإنسان لأنه يراجع أفكاره، ولا تمنحه الامتياز لمجرد أنّه يكرر المألوف.

فلا هوية حية بلا نقد، ولا أصالة بلا قدرةٍ على التجدد، ولا انفتاح مثمر بلا وعيٍ بالذات.

  أن نكون أنفسنا دون أن نكون أسرى أنفسنا

إنّ المعضلة الحقيقية ليست في الاختيار بين الماضي والآخر، بل في تجاوز الثنائية التي تجعل أحدهما نقيضاً للآخر. فالماضي ليس قدراً مغلقاً، والآخر ليس نموذجاً مطلقاً، والهوية ليست جوهراً ثابتاً لا تمسه التحولات. إنّها بناءٌ تاريخي متجدد، يتغذى من الذاكرة، ويتعلم من الاختلاف، ويختبر أفكاره في ضوء التجربة، ويعيد صياغة ذاته كلما اتسعت معرفته بالعالم وبنفسه.

ومن ثمّ، فإنّ استعادة الفاعلية التاريخية تبدأ حين نتحرر من وهمين متقابلين: وهم أنّ كل ما ورثناه صالحٌ لكل زمان، ووهم أنّ كل ما ينتجه الآخر صالحٌ لنا لمجرد أنّه صادرٌ عنه. وبين الوهمين تنفتح مساحة العقل النقدي، حيث يصبح التراث موضوعاً للفهم لا صنماً للتقديس، ويصبح الآخر شريكاً في المعرفة لا مرآةً نقيس بها قيمتنا، وتصبح الهوية فعلاً من أفعال الإبداع لا مجرد امتثالٍ لما سبق أو محاكاةٍ لما هو قائم.

إنّ الهوية لا تُصان بتكرار الماضي، ولا تتجدد باستعارة الآخر، بل بامتلاك القدرة على إعادة تأويل الموروث، واستيعاب المنجز الإنساني، وإنتاج إجاباتٍ تنبع من شروطنا التاريخية دون أن تنغلق داخلها. فالأصالة ليست أن نظل كما كنا، والحداثة ليست أن نصبح نسخةً من غيرنا؛ الأصالة أن نمتلك شجاعة مراجعة ذاكرتنا، والحداثة أن نمتلك القدرة على المشاركة في صناعة مستقبلنا.

وعند هذه النقطة، تتحول الهوية من عبءٍ نحمله خوفاً من الفقدان، إلى طاقةٍ ننتج بها المعنى؛ ومن سرديةٍ مكتملة تخشى الأسئلة، إلى مشروعٍ مفتوح يثق بأنّ الذات لا تفقد نفسها حين تتغير، بل قد تكتشف حقيقتها الأعمق حين تتحرر من الخوف من التغيير.

فالهوية الحية ليست ما نكرره عن أنفسنا، بل ما نستطيع أن نصنعه بأنفسنا، دون أن ننكر جذورنا أو نتنازل عن حقنا في الإضافة إلى العالم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم