عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

ياسر البتانوني: الفلسفة من الدفاع عن وجودها إلى صناعة فاعليتها

قراءة فلسفية في سيمينار كلية البنات المعنون بـ"الفلسفة ضرورة للارتقاء إلى المرتبة الأولى"

ليس من السهل أن نتحدث اليوم عن الفلسفة من خارج سؤال مشروعيتها وضرورتها، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم وسوق العمل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. غير أن قيمة السيمينار الذي قدمته الدكتورة سهام النويهي، أستاذ المنطق وفلسفة العلوم، بكلية البنات جامعة عين شمس، والمعنون بـ"الفلسفة ضرورة للارتقاء إلى المرتبة الأولى"https://www.facebook.com/share/v/1Pti6r5Hpp/) )، تكمن في أنه لم يكتف بالصيغة التقليدية التي اعتدناها في الدفاع عن الفلسفة، وإنما حاول أن ينقل النقاش إلى مستوى أكثر عمقا وواقعية. فليس السؤال فقط لماذا نحتاج إلى الفلسفة، وإنما كيف يمكن للفلسفة أن تستعيد فاعليتها، وأن تصبح جزءا من عملية التطوير والتحديث وصناعة الإنسان القادر على التعامل مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. وهذه- في تقديري- هي النقلة الأهم في السيمينار، وهي أيضا ما يمنحه قيمة تتجاوز حدود الدفاع الأكاديمي عن تخصص بعينه.

لقد انطلقت الدكتورة سهام من ملاحظة مهمة تتصل بالتغيرات التي يشهدها التعليم وسوق العمل، وترى أن الدفاع عن الفلسفة بصورتها التعليمية الراهنة لن يكون كافيا، وأن المطلوب هو إعادة النظر في محتواها ومناهج تدريسها بحيث تصبح أكثر اتصالا بالتطور العلمي والتكنولوجي وبالاحتياجات الجديدة لسوق العمل. وهذه الفكرة تستحق التوقف؛ لأن الفلسفة لا يمكن أن تحافظ على حضورها بمجرد التمسك بصورتها التاريخية أو الاكتفاء بتكرار القول إنها "أم العلوم"، في الوقت الذي تغيرت فيه طبيعة المعرفة الإنسانية تغيرا جذريا. ولعل استبدال هذا التعبير بفكرة أن الفلسفة أصبحت "أساسا للعلوم" يفتح نقاشا أكثر دقة؛ فالفلسفة لم تعد أم العلوم بالمعنى التاريخي الذي كانت عليه في العصور القديمة، حين كانت العلوم المختلفة تتحرك داخل المجال الفلسفي العام، لكنها لا تزال حاضرة في الأسس المنطقية والمعرفية والقيمية التي يقوم عليها التفكير العلمي، وفي الأسئلة المتعلقة بطبيعة المعرفة وحدودها ومناهجها وآثارها الإنسانية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصرار السيمينار على أن المنطق والتفكير النقدي ليسا مجرد موضوعين داخل المقررات الفلسفية، وإنما أداتان لازمتان للتعامل مع المعرفة المعاصرة.

ومن هنا تبرز إحدى أهم قضايا السيمينار، وهي ضرورة إعادة بناء المحتوى الذي يقدم للطالب في المراحل التعليمية، ولا سيما محتوى المنطق. فإذا كان المنطق يقدم للطالب في صورة تاريخ للأفكار والمذاهب والقواعد، دون أن يتحول إلى ممارسة فعلية للتفكير والاستدلال وتحليل المشكلات، فإننا نكون قد حافظنا على اسم المادة أكثر مما حافظنا على جوهرها. فالطالب في عالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أن يعرف من قال ماذا في تاريخ المنطق، وإنما يحتاج إلى أن يمتلك القدرة على تحليل الحجة، واكتشاف التناقض، وتمييز المعلومات، وبناء الاستدلال، والتعامل مع المشكلات المركبة التي لا تقدم لها الحياة إجابات جاهزة. وهنا تنتقل الفلسفة من كونها مادة تدرس إلى كونها قدرة عقلية تتكون وتتدرب وتتطور.

وهذا يقودنا إلى نقطة شديدة الأهمية في السيمينار، هي الانتقال من السؤال التقليدي: ماذا يحتاج سوق العمل من تخصصات؟ إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا يحتاج سوق العمل من مهارات؟ فالسوق المعاصر لا يبحث فقط عن خريج يحمل شهادة في تخصص معين، وإنما يحتاج إلى إنسان يستطيع التفكير النقدي والإبداعي، والحوار والمناقشة، والإقناع بالحجة، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتعلم الذاتي، والمرونة، والتعامل مع البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب ما يرتبط بالمهارات الإنسانية والذكاء العاطفي. وهنا تلتقي الفلسفة مع جانب أساسي من هذه الاحتياجات؛ فالمنطق يدرب على الاستدلال، والتفكير النقدي يدرب على فحص الأفكار والحجج، والمناظرة الفلسفية تدرب على الحوار والإقناع، والفلسفة الأخلاقية تفتح أسئلة المسؤولية والقيمة، والفلسفة السياسية والقانونية تضع الإنسان أمام مشكلات السلطة والعدالة والحقوق. غير أن الاعتراف بذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبالغة؛ فالفلسفة تستطيع أن تقدم الأساس العقلي والإنساني لكثير من هذه المهارات، لكنها لا تغني عن اكتساب المهارات التقنية المتخصصة التي يفرضها عالم العمل الجديد. ومن هنا تصبح الشراكة بين الفلسفة والعلوم والتكنولوجيا ضرورة، لا مجرد خيار إضافي.

ولعل اشارة الدكتورة سهام هنا إلى "المنطق الغائم" تستحق وقفة قصيرة، لا لأن المقام مقام درس في المنطق المعاصر، وإنما لأن هذا المصطلح قد يكون غير مألوف لكثير من القراء، مع أنه أصبح من الأدوات المهمة في التعامل مع بعض مشكلات العلم والتقنية واتخاذ القرار. والمنطق الغائم، في أبسط تعريفاته، هو نمط من التفكير المنطقي لا يتعامل مع الأشياء دائما بمنطق الحد الفاصل بين "نعم" و"لا"، أو "صحيح" و"خطأ"، وإنما يسمح بدرجات متفاوتة من الصدق والانتماء؛ فالشيء قد يكون قريبا من صفة معينة بدرجة ما، بدلا من أن يكون مستوفيا لها أو فاقدا لها بصورة مطلقة. ومن هنا تأتي أهميته في التعامل مع الظواهر والمواقف التي لا تحكمها حدود صارمة، ولا تتوافر بشأنها معلومات كاملة، وهي حالات كثيرة في الواقع الإنساني والعلمي والاقتصادي والإداري. ولذلك ارتبط المنطق الغائم بتطبيقات متعددة في الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التحكم، وتحليل البيانات، ودعم القرار، وقياس بعض الظواهر المركبة التي يصعب اختزالها في أحكام ثنائية. وتلك الأهمية هي التي تجعل استدعاءه في حديث السيمينار عن التقييم والجودة وسوق العمل أمرا ذا دلالة؛ فهو يقدم نموذجا واضحا لكيفية انتقال التفكير المنطقي من صورته المدرسية التقليدية إلى أدوات أكثر قدرة على التعامل مع تعقيد الواقع.

غير أن هذه الإشارة تقودنا في الوقت نفسه إلى ضرورة قدر من الدقة المفاهيمية. فالمنطق الغائم ليس ملكا حصريا للفلسفة، ولا يصح تقديمه باعتباره مجرد فرع فلسفي منفصل عن تطورات الرياضيات وعلوم الحاسوب والهندسة والذكاء الاصطناعي؛ إنه مجال معرفي بيني نشأ من تفاعل أكثر من حقل، واستمد قيمته من قدرته على العبور بين التجريد المنطقي والتطبيقات العملية. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لاستحضاره في الحديث عن مستقبل الفلسفة لا تكمن في أن نقول إن الفلسفة تملك هذه الأداة، وإنما في أن نكشف قدرتها على الدخول في حوار منتج مع العلوم والتقنيات المعاصرة، وعلى توظيف أدوات التفكير المنطقي في معالجة مشكلات لم تعد قابلة للفهم من خلال النماذج التقليدية وحدها. وهنا تحديدا تتأكد إحدى الأفكار العميقة التي يمكن استخلاصها من السيمينار؛ وهي مستقبل الفلسفة لن يصنعه انغلاقها على تاريخها، وإنما قدرتها على إعادة بناء صلتها بالمعرفة المتجددة، وعلى تحويل أدواتها إلى فاعلية حقيقية في العالم.

وفي هذا السياق تبدو الإشارة إلى معايير الارتقاء بالجامعة إلى "المرتبة الأولى" ذات أهمية خاصة؛ فالسيمينار لا ينظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة تعليمية مغلقة، وإنما باعتبارها بنية معرفية ينبغي أن تتفاعل مع البحث العلمي، والشراكات الدولية، والمشروعات البحثية، واحتياجات المجتمع وسوق العمل، وسمعة خريجيها، وقدرتها على إعداد إنسان قادر على المنافسة في عالم تتداخل فيه المعرفة بالتكنولوجيا والاقتصاد. والأهم من ذلك أن اختيار هذه المعايير نفسه لا ينفصل عن تصور معين للجامعة والإنسان والمعرفة ووظيفة التعليم؛ أي عن منظومة من الأفكار والقيم والغايات يمكن للفلسفة أن تسهم في مساءلتها وتحليلها. فكل معيار للتقييم يفترض ضمنا تصورا لما ينبغي أن تكون عليه الجامعة، وما الذي يجعلها جديرة بالتميز، وما الغاية التي من أجلها نطور التعليم ونقيس جودته.

ومن اللافت أن السيمينار لم يكتف بالحديث النظري عن دور الفلسفة، وإنما حاول أن يستعيد بعض التجارب التي أنجزها قسم الفلسفة بكلية البنات في مجالات التفكير النقدي والمنطق الغائم والمنطق المعاصر وتطبيقاته، فضلا عن الدراسات التي ربطت الفلسفة بالذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الطبية وعلوم الحاسوب والرياضيات. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من كونها تكشف أن العلاقة بين الفلسفة والتخصصات الأخرى ليست فكرة مستقبلية محضة، وإنما لها إرهاصات وتجارب فعلية يمكن البناء عليها.

كما أن حديث الدكتورة سهام عن تواضع القسم في التعريف بما أنجزه، رغم وجود هذه التجارب، يطرح قضية أخرى لا تقل أهمية، فالمعرفة لا يكفي أن تنتج، وإنما ينبغي أيضا أن تكون قادرة على التواصل مع المجتمع الأكاديمي والمجتمع الأوسع، وأن تقدم نفسها بلغة تكشف قيمتها دون مبالغة أو ادعاء.

وأحسب أن من أكثر ما يحسب للدكتورة سهام في هذا السيمينار أنها لم تقع في فخ الاكتفاء بتعداد الإنجازات، بل انتهت إلى الاعتراف بأن ما تحقق، مهما كانت قيمته، ليس كافيا، وأن الطريق ما زال مفتوحا أمام أفكار جديدة. وهذه الروح النقدية مهمة؛ لأن الدفاع الحقيقي عن الفلسفة لا يبدأ من إنكار أزمتها، وإنما من الاعتراف بها. فحين تعترف الفلسفة بأن بعض مناهجها ومقرراتها وأساليب تدريسها لم تعد ملائمة بالقدر الكافي لعالم جديد، فإنها لا تنتقص من نفسها، وإنما تمارس بالفعل واحدة من أخص خصائصها، وهي النقد والمراجعة وإعادة النظر.

لكن ربما كان السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه بعد هذا السيمينار، هو-هل يكفي أن نضيف إلى الفلسفة موضوعات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والمنطق الغائم، أو أن نربط بعض مقرراتها بسوق العمل، لكي نكون قد جددنا التعليم الفلسفي؟ أظن أن المسألة أعمق من مجرد تحديث قائمة المقررات. نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في "هندسة التعليم الفلسفي" نفسها.. ماذا نعلم؟ وكيف نعلم؟ وكيف ننتقل بالطالب من حفظ المعرفة الفلسفية إلى ممارسة التفكير الفلسفي؟ وكيف نقيس ما اكتسبه بالفعل من قدرات؟ وكيف نجعل خريج الفلسفة قادرا على توظيف ما تعلمه في البحث العلمي، وصناعة القرار، وتحليل المشكلات، وفهم التحولات الاجتماعية والتكنولوجية؟ إن التغيير الحقيقي لا يحدث عندما تتغير أسماء المقررات وحدها، وإنما عندما تتغير العلاقة بين المعرفة والمتعلم والواقع.

ومع ذلك، ينبغي أن نحذر من أن يتحول الدفاع عن حضور الفلسفة في سوق العمل إلى اختزال قيمتها في قدرتها على إنتاج موظف أكثر كفاءة. فالفلسفة أوسع من ذلك بكثير؛ إنها لا تعلم الإنسان فقط كيف يحل مشكلة، وإنما تدفعه إلى السؤال عن طبيعة المشكلة وغايات الحل وآثاره وحدوده. ولا تعلمه فقط كيف يقنع الآخر، وإنما تعلمه أيضا أن يسأل عن مشروعية الحجة وقيمة الحقيقة. ولا تكتفي بإعداد إنسان قادر على التكيف مع العالم، وإنما تمنحه القدرة على مساءلة هذا العالم نفسه. ولذلك فإن ربط الفلسفة بسوق العمل ينبغي ألا يعني إخضاعها لمنطق السوق، وإنما يعني أن نكشف كيف يمكن لقدراتها العقلية والإنسانية أن تكون ذات أثر في الواقع، من دون أن تفقد استقلالها النقدي ورسالتها المعرفية والإنسانية.

ومن هنا تبدو فكرة "الفلسفة ضرورة للارتقاء إلى المرتبة الأولى" أعمق من أن تكون دعوة إلى تحسين ترتيب مؤسسة جامعية فحسب؛ إنها دعوة ضمنية إلى إعادة تعريف وظيفة الفلسفة في عالم جديد. فالارتقاء الحقيقي لا يتحقق بمجرد أن تظل الفلسفة موجودة داخل الخطة الدراسية، وإنما بأن تصبح قادرة على المشاركة في إنتاج المعرفة، وفهم التحولات العلمية والتكنولوجية، وصناعة الإنسان القادر على التفكير واتخاذ القرار، والدخول في حوار حقيقي مع العلوم المختلفة، والاقتراب من مشكلات المجتمع لا بوصفها موضوعات خارجية، وإنما باعتبارها أسئلة تمس جوهر الوجود الإنساني.

ولهذا أرى أن سيمينار الدكتورة سهام النويهي يستحق التقدير؛ ليس فقط لأنه دافع عن أهمية الفلسفة، وإنما لأنه حاول أن ينقل الدفاع عنها من مستوى الشعارات إلى مستوى السؤال العملي "ماذا ينبغي أن نفعل حتى تصبح الفلسفة أكثر فاعلية؟" ، وهذه النقلة في حد ذاتها جديرة بالحوار والتطوير والنقد، لأنها تضع الفلسفة أمام مسؤوليتها التاريخية، بأن تعيد اكتشاف أدواتها، وأن توسع مجالات حضورها، وأن تنفتح على العلوم والتكنولوجيا، وأن تعيد النظر في طرق تعليمها، من غير أن تتخلى عن جوهرها النقدي والإنساني.

فالفلسفة التي تكتفي بأن تروي تاريخها قد تظل حاضرة في الكتب وقاعات الدرس، أما الفلسفة التي تعيد بناء أدواتها، وتدخل في حوار مع العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتقترب من أسئلة المجتمع وسوق العمل وصناعة القرار، وتعيد تشكيل علاقتها بالإنسان، فإنها لا تدافع عن وجودها فحسب، بل تصنع فاعليتها بنفسها. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للارتقاء، أن ترتقي الفلسفة نفسها من مجرد الدفاع عن مكانها إلى صناعة المكان الذي تستحقه.

***

بقلم: أ.د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم