حين يصير الحدُّ جزءًا من الوعي
هناك سؤال لا يكادح في كثير من الكتابات حول التغيير الاجتماعي، على الرغم من أنه ربما أهم من سؤال «كيف يتغير المجتمع؟» ذاته كيف يتحول المجتمع إلى مجال يسمح بالعبور، أو يقفل أبوابه في وجهه؟ وكيف تتحول حدودٌ تبدو في الظاهر مجرد حدود اجتماعية أو ثقافية، إلى أنظمة من المعنى والسلطة، تجعل القائم يبدو طبيعيًا، والممكن يبدو مستحيلًا؟
من هذه الزاوية بالذات يمكن أن يُقرأ أنطونيو غرامشي، لا بوصفه فيلسوفًا للعبور بمعنى اصطلاحي، ولا بوصف مشروعه امتدادًا جاهزًا لمشروع «فلسفة العبور»، بل بوصفه جسرًا ينقل هذا السؤال من مستواه الأنطولوجي العام إلى واقعه الاجتماعي والسياسي. غرامشي يتيح لنا أن نسأل على نحو ملموس: كيف تتحول الحدود الاجتماعية إلى وعي؟ وكيف يتحول الوعي إلى قبول؟ وكيف تصبح السلطة قادرة على إعادة إنتاج نفسها لا بالقسر وحده، بل بإقناع الناس بأن الحدود التي يعيشون داخلها حدود طبيعية، لا تاريخ لها؟
حين لا تقول السلطة: «لا تعبر»
من السهل أن نختزل فهم السلطة في نموذج بدائي من يملك القوة، ومن يخضع لها. لكن غرامشي جعل المسألة أكثر تعقيدًا، فأبرز أن السيطرة لا تعمل بالقوة المباشرة وحدها، بل تحتاج إلى إنتاج قدر من القبول، وإلى بناء عالم رمزي تصبح داخله مصالح فئة معينة قابلة للظهور بوصفها مصالح عامة. وهنا ينقلب السؤال من «من يملك السلطة؟» إلى سؤال أعمق: كيف تصبح السلطة قادرة على إنتاج الشروط التي تجعل استمرارها ممكنًا؟
والحقيقة أن السلطة، بهذا المعنى، لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول للإنسان « لا تعبر». تكفيها أن تجعله لا يرى أصلًا أن هناك حدًّا يمكن عبوره. فالحد الذي يحتاج شرطيًّا ليحرسه قد ينهار بغياب الشرطي، أما الحد الذي يتحول إلى قناعة داخلية، فإنه يحرس نفسه بنفسه. من هنا يمكن فهم مفهوم الهيمنة عند غرامشي بوصفه لحظة من لحظات إنتاج الثبات: الحد لا يعيش خارج الإنسان فحسب، بل قد يستقر داخله بوصفه معنى للعالم.
ويصبح الصراع إذن ليس صراعًا على الدولة أو المؤسسات وحدها، بل صراعًا على إنتاج المعنى ذاته، وعلى حق تعريف ما هو طبيعي وما هو ممكن وما هو مستحيل.
الحس المشترك: لحظة البداهة
تكمن إحدى أهم نقاط الالتقاء بين غرامشي وفلسفة العبور في مفهوم «الحس المشترك». فالإنسان لا يعيش في العالم من خلال الأفكار الفلسفية المجردة، بل عبر منظومة واسعة من التصورات اليومية التي تجيب، غالبًا دون وعي، عن أسئلة من قبيل: من نحن؟ من الآخرون؟ ما الذي يجب أن يبقى؟ وما الذي يمكن أن يتغير؟
حين يستقر تصور معين في الحس المشترك، لا يعود بحاجة إلى الدفاع عن نفسه في كل لحظة؛ يتحول إلى بداهة. وهنا يحدث أخطر أشكال الثبات. إذ تصف الهيمنة، بعبارة دقيقة، انتقال الحد من الخارج إلى الداخل: تضع السلطة الحدود، ثم تجعلها مألوفة، ثم تصير جزءًا من الوعي، ثم يعود الوعي نفسه إلى إنتاجها من جديد، في دائرة مغلقة: السلطة تنتج الحدود، والحدود تنتج التصورات، والتصورات تنتج الحس المشترك، والحس المشترك يعيد إنتاج السلطة. لكن فلسفة العبور لا تقف عند هذه الدائرة؛ فسؤالها الحاسم هو: كيف يمكن كسرها؟
العبور ليس إلغاء الحد
إذا كانت الهيمنة تعمل على تثبيت الممكن داخل حدود معينة، فإن العبور لا يعني مجرد رفض تلك الحدود، بل إعادة فتح المجال الذي أغلقته. وهنا ينبغي الحذر من فهم العبور بوصفه حركة عشوائية أو خروجًا دائمًا من كل حد. العبور في فلسفة العبور ليس إلغاءً للحد، بل تحويلًا لوظيفته: الحد المغلق يقول «إلى هنا فقط»، أما الحد المفتوح فيقول «من هنا تبدأ جهة أخرى». والفارق بينهما جوهري؛ لأن إلغاء كل الحدود يقود إلى الفوضى بقدر ما يقود تثبيت كل الحدود إلى الجمود. لذلك لا يدور السؤال الفلسفي حول إلغاء الحد، بل حول تحويله من جدار إلى معبر.
ومن هذا المنظور يمكن إعادة قراءة مشروع غرامشي السياسي والثقافي: المسألة ليست في الاستيلاء على موقع داخل البنية القائمة، بل في إعادة بناء القدرة الاجتماعية على إنتاج معنى آخر للعالم. وهذا ما يجعل مفهوم «المثقف العضوي» قابلًا للقراءة من داخل فلسفة العبور؛ فالمثقف ليس مجرد حامل للمعرفة، بل فاعل يعيد تنظيم العلاقة بين المعرفة والمجتمع، ينقل الفكرة من عزلتها إلى فضاء الممارسة، ويجعلها قوة قادرة على التدخل في تشكيل الوعي. وهو، بذلك، وسيط العبور بين الفكرة والمجتمع، والمعرفة والممارسة، والوعي والتاريخ، والممكن والقائم.
حرب المواقع أم حرب المعنى؟
يبدو الصراع السياسي، في صورته المباشرة، صراعًا على المواقع: من يملك الدولة؟ من يمسك القرار؟ لكن غرامشي يدفعنا إلى مستوى أعمق: من يملك القدرة على إنتاج المعنى الذي تتحرك داخله هذه المؤسسات؟ وهنا يتجاوز مفهوم «حرب المواقع» كونه تكتيكًا سياسيًا، ليكشف أن التحول الاجتماعي لا يحدث بالضرورة في لحظة فاصلة واحدة، بل يكون غالبًا عملية طويلة لإعادة تشكيل المجال الثقافي والاجتماعي.
وهذا قريب جدًا من العبور بوصفه عملية. فالعبور ليس قفزة سحرية من حالة إلى أخرى، بل سلسلة انتقالات صغيرة متراكمة تغيّر طبيعة المجال نفسه: قد يتغير المصطلح قبل المؤسسة، واللغة قبل القانون، والوعي قبل الدولة. وفي لحظة ما يصير ما بدا مستحيلًا قابلًا للتفكير، ثم للنقاش، ثم للممارسة، ثم للتحول إلى مؤسسة.
هنا يظهر الفرق بين التغيير والتحول: الأول قد يعني استبدال عنصر بعنصر، أما الثاني فيعني إعادة تشكيل العلاقة بين العناصر نفسها. ولهذا يمكن استثمار غرامشي في بلورة مفهوم «التحول العابر»: تحول لا يبدأ بالضرورة من المركز، بل قد ينطلق من الهوامش، ومن اللغة، ومن الثقافة، ومن إعادة صياغة الحس المشترك، حتى يعيد المجتمع تدريجيًا تعريف حدود الممكن.
الإنسان العابر
كل بنية اجتماعية، مهما بدت صلبة، تمر عبر الإنسان. وهنا يلتقي غرامشي مع البعد الأنثروبولوجي في فلسفة العبور: الإنسان ليس كائنًا يتلقى الثقافة سلبًا، بل كائن يتشكل داخلها ويعيد إنتاجها، ويملك في الوقت نفسه القدرة على إعادة تشكيلها. يعيش داخل حدود لم يخترها كلها، لكنه ليس محكومًا بالبقاء فيها.
لو كان الإنسان مجرد انعكاس للبنية، لما أمكن للتحول أن يحدث أصلًا. لكن وجود الوعي والممارسة والتنظيم وإنتاج الثقافة يعني أن البنية الاجتماعية ذاتها تحمل إمكانات تجاوزها. ومن هنا يُفهم الإنسان بوصفه كائنًا عابرًا: لا لأنه يعيش خارج الحدود، بل لأنه يستطيع تحويل الحدود التي ورثها من شيء نعيش داخله إلى شيء نراه، فنفكر فيه، فننتقده، فنعيد بناءه.
فالعبور يبدأ لحظة يتحول الحد من قدرٍ نعيشه إلى سؤالٍ نطرحه. وحين يبدأ السؤال، يبدأ إمكان التحول.
غرامشي جسر، لا منتهى الطريق
قد يُقال إن غرامشي يظل فيلسوف صراع وهيمنة وكتلة تاريخية، بينما فلسفة العبور أوسع من أن تُختزل في الصراع الطبقي أو تفسير التحولات الاجتماعية عبر علاقات القوة. والاعتراض مشروع، إذا ما حاولنا جعل غرامشي أساسًا شاملًا للمشروع. لكن هذا ليس المقصود أصلًا.
قيمة غرامشي هنا ليست في تقديم نظرية مكتملة للعبور، بل في كشف الطبقة الاجتماعية والسياسية من مشكلته: كيف يتحول الحد إلى ثقافة، والثقافة إلى حس مشترك، والحس المشترك إلى قبول، والقبول إلى إعادة إنتاج للبنية القائمة. أما فلسفة العبور فتتجاوز غرامشي حين تسأل عن مصدر أوسع للحركة: عن الصيرورة ذاتها، وعن التعدد، وعن العلاقة بين الهوية والسيولة، وعن قدرة الإنسان على إعادة فتح الممكن.
وبهذا يشغل غرامشي موقعًا منهجيًا واضحًا داخل المشروع: أرسطو جسر في سؤال الحد، وابن عربي جسر في العبور الروحي، وفوكو في إنتاج الذات، ودولوز في الصيرورة والسيولة، وغرامشي جسر في العبور الاجتماعي والسياسي، من الهيمنة إلى إعادة إنتاج الممكن. لا نقرأ هؤلاء لنعلن أن مفهومًا معاصرًا كان عندهم مكتملًا، بل لأنهم عقد في شبكة طويلة من التحولات الفكرية، ولا يصير المشروع بذلك تابعًا لأي واحد منهم.
العبور ممارسة اجتماعية
إذا اتخذنا من غرامشي نقطة انطلاق لا نقطة انتهاء، نصل إلى فكرة تتجاوز السياسة بمعناها الضيق: العبور ليس قرارًا فرديًا أو حركة جغرافية أو انتقالًا بين هويتين، بل ممارسة اجتماعية لإعادة بناء شروط الإمكان. حين يتغير التعليم، يتغير مجال العبور. حين تتغير اللغة، تتغير حدود التفكير. حين يُعاد تعريف علاقة الجماعات بعضها ببعض، تتغير حدود الهوية. وحين يتحول المختلف من موضوع للإقصاء إلى شريك في إنتاج المعنى، يتغير المجال الاجتماعي كله.
ولهذا فإن «السياسة العابرة» لا تعني استبدال الحكومات أو هندسة المؤسسات فحسب، بل إعادة فتح المجال الاجتماعي أمام الحركة والتعدد والعلاقة. ويمكن، من داخل هذا المنظور، إعادة صياغة السؤال الغرامشي: ليس «كيف ننتصر في الصراع؟» بل «كيف نمنع انتصار الثبات على إمكان التحول؟» وليس «من يملك الهيمنة؟» بل «كيف نعيد توزيع القدرة على إنتاج المعنى؟»
خاتمة:
أهمية غرامشي لفلسفة العبور تكمن في أنه يجعلنا نرى ما قد يغيب حين نفكر في الحدود بصورة مجردة: الحدود الاجتماعية لا تُفرض علينا دائمًا من الخارج، بل قد تصير جزءًا من الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم. وهنا تظهر الهيمنة شكلًا من أشكال تثبيت العبور؛ السلطة لا تمنع الحركة فقط، بل تعيد تعريفها، فتجعل طريقًا معينًا يبدو طبيعيًا، وآخر مستحيلًا، وهوية بديهية، وأخرى خطرة، وترتيبًا اجتماعيًا وكأنه قدر لا تاريخ له.
لكن التاريخ لا يتوقف. وما يبدو ثابتًا اليوم كان في لحظة ما نتيجة تحول، وما يبدو طبيعيًا نتيجة تاريخ طويل من التثبيت، وما يبدو مستحيلًا مجرد ممكن لم تجد بعد شروط ظهورها. لذلك لا تنتهي قراءة غرامشي من داخل فلسفة العبور إلى مقايضة ثبات بثبات، بل إلى إعادة بناء السؤال ذاته: كيف تتحول الحدود إلى هويات، والهويات إلى سلطات، والسلطات إلى أنظمة لإعادة إنتاج الحدود؟ وكيف يستطيع الفكر والثقافة والممارسة إعادة فتح هذا المسار؟
عند هذه النقطة بالذات يصبح غرامشي جسرًا حقيقيًّا لـ«فلسفة العبور»: ينقلنا من أنطولوجيا التحول إلى سوسيولوجيا الحدود، ومنها إلى سياسة العبور. فلا يعود المجتمع مجرد فضاء تتحرك فيه القوى، بل مجالًا دائمًا للصيرورة، ولا يعود الإنسان حاملًا لهوية جاهزة، بل فاعلًا في إنتاجها وتجاوزها، ولا تعود الثقافة انعكاسًا للواقع، بل إحدى القوى التي ترسم حدود الممكن.
ومن هنا تتضح القاعدة المركزية: ما دام الثبات منتجًا تاريخيًّا، فليس قدرًا ميتافيزيقيًّا. وما دام الحد قد تشكل عبر عبورات سابقة، فإن إمكان عبوره لا يزال مفتوحًا. والفكر، في النهاية، فعلُ إعادة فتح الطريق: الوجود يتحول، والتحول ينتج عبورًا، والعبور يصطدم بالحدود، والحدود تنتج ثباتًا، والثبات يحاول غلق الدائرة، في حين يظل الفكر والثقافة والممارسة إمكانَ كسرها من جديد.
***
د. عامر عبد زيد الوائلي








