ليس الغفران مفهومًا يستقر في اللغة كما تستقر الأشياء في أمكنتها؛ إنه، منذ اللحظة التي نحاول فيها الإمساك به، يبدأ في الإفلات. نقول: «غفرتُ»، فنظن أن الأمر قد انتهى، لكن ماذا يعني أن ينتهي ما لا يمكن محوه؟ وهل الغفران هو أن أنسى ما حدث، أم أن أتذكره بطريقة أخرى؟ وهل هو أن أعفو عن الجاني، أم أن أعفو عن نفسي من الاستمرار في حمل أثر الجريمة؟ وهل الغفران قرار تتخذه الذات، أم حدث يأتي إليها من مكان لا تستطيع التحكم فيه؟ لعل هذه الأسئلة هي التي تجعل الصفح عند جاك دريدا (1930-2004) ليس موضوعًا أخلاقيًا فحسب، وإنما حدًّا فلسفيًا تنكشف عنده هشاشة المفاهيم التي نظنها مستقرة: العدالة، الذاكرة، النسيان، المسؤولية، الاعتذار، المصالحة، الزمن، وحتى اللغة نفسها. فدريدا لا يدخل إلى الصفح من باب التعريف، بل من باب التشكيك في إمكانية التعريف؛ لا يقول لنا أولًا ما الصفح، بل يضعنا أمام الكلمة وهي تتعثر في نفسها، ويبدأ نصه Pardonner: l’impardonnable et l’imprescriptible بعبارة تكاد تكون اعتذارًا عن مجرد الكلام («Pardon, oui, pardon»)؛ «عفوًا، نعم، عفوًا».¹
إن هذه البداية الصغيرة ليست هامشًا بلاغيًا، بل تحمل، في تقديري، مفتاح القراءة كلها؛ فالصفح يظهر هنا قبل أن يتحول إلى مفهوم، أي يظهر بوصفه فعلًا لغويًا سابقًا على التنظير. إنني لا أقول «ما هو الصفح؟» ثم أصفح، وإنما أقول «عفوًا» قبل أن أعرف تمامًا ما الذي تعنيه كلمة «عفوًا». وهنا تبدأ الحركة التفكيكية: الكلمة تسبق المفهوم، والفعل يسبق تعريف الفعل، واللغة تقول أكثر مما تستطيع الذات أن تراقبه فيها. ولهذا يلتفت دريدا إلى القرابة بين الصفح والهبة، فيقول: («Entre don et pardon, il y a au moins cette affinité ou cette alliance»)؛ «بين الهبة والصفح توجد، على الأقل، هذه القرابة أو هذه المصاحبة».² وليس المقصود مجرد تشابه لفظي بين don وpardon، بل إن دريدا يضع يده على بنية مشتركة: الهبة والصفح، في صورتهما القصوى، يبدوان فعلين يخرجان من اقتصاد التبادل. فالهبة التي تنتظر مقابلًا لم تعد هبة خالصة، والصفح الذي ينتظر اعتذارًا أو توبة أو إصلاحًا بوصفها ثمنًا له يوشك أن يتحول إلى صفقة أخلاقية. ومن هنا يبدأ الصفح في مقاومة كل منطق للحساب: ماذا أعطيت؟ ماذا أخذت؟ ماذا استحق الآخر؟ ماذا بقي عليه أن يدفع؟ إن الصفح، حين يدخل هذا الاقتصاد، يصبح مهددًا من داخله؛ لأن ما كان ينبغي أن يكون خروجًا من دائرة الدين يتحول إلى دين جديد. أنا أصفح لأنك اعتذرت، وأنت تعتذر لكي أصفح؛ وهكذا يصبح الصفح شيئًا يشبه عقدًا أخلاقيًا، لا حدثًا استثنائيًا. لذلك لا تكمن راديكالية دريدا في دعوته إلى الصفح، وإنما في سؤاله عن الشروط التي تجعل الصفح صفحًا فعلًا، لا مجرد اسم أخلاقي لتبادل آخر.
ومن هنا يصل دريدا إلى المفارقة التي تختصر تقريبًا بنية تفكيره كله في هذا الموضوع: («Le pardon pardonne seulement l’impardonnable»)؛ «الصفح لا يصفح إلا عن اللامغتفر».³ تبدو العبارة في ظاهرها مستحيلة؛ فإذا كان الشيء «غير قابل للغفران»، فكيف يمكن أن يكون موضوعًا للغفران؟ لكن المستحيل هنا هو بالضبط ما يجعل الصفح ممكنًا في معناه الأقوى. فإذا كان ما أصفح عنه قابلًا للصفح بسهولة، وإذا كان الاعتذار يكفي لكي يزول كل شيء، وإذا كانت التوبة تعيد ترتيب العلاقة بطريقة آلية، فإننا لم نعد أمام الصفح في حدّه الأقصى، وإنما أمام تسامح أو مصالحة أو عفو مشروط. أما الصفح الذي يستحق اسمه فيبدأ حيث تقول الأخلاق: «لا ينبغي أن يُغفر هذا». ولهذا لا يضع دريدا اللامغتفر خارج الصفح، بل يجعله يسكن قلبه؛ فاللامغتفر ليس عدو الصفح فقط، وإنما هو ما يمنع الصفح من أن يتحول إلى إجراء عادي. إنني لا أحتاج إلى فعل الصفح لكي أتجاوز خطأً بسيطًا يمكن إصلاحه باعتذار؛ لكنني أحتاج إلى التفكير في الصفح عندما أكون أمام ما يهدد إمكان الصفح نفسه. ولهذا يكتب دريدا في «القرن والصفح»: («N’est-ce pas en vérité la seule chose à pardonner ?»)؛ «أليس هذا، في الحقيقة، هو الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يُغفر؟».⁴
إن السؤال هنا ينقلب على نفسه: بدل أن نسأل «ما الذي يمكن أن نغفره؟»، يصبح السؤال «ما الذي يجعل الغفران غفرانًا؟». والجواب لا يأتي في صورة تعريف، بل في صورة مفارقة: إن الصفح يتحدد بما يعجز عن تبريره، بما يقاوم التسوية، بما لا يمكن إدخاله في ميزان المقابلة بين الخطأ والاعتذار. ولذلك يقول دريدا أيضًا: («Le pardon doit s’annoncer comme l’impossible même»)؛ «ينبغي للصفح أن يعلن نفسه بوصفه المستحيل نفسه».⁵ والمستحيل هنا ليس ما يستحيل وقوعه، وإنما ما يستحيل تحويله إلى قاعدة؛ فالصفح إذا صار قاعدة فقد جزءًا من فرادته، وإذا صار مضمونًا سلفًا فقد شيئًا من حدثيته، وإذا أمكن حسابه فقد دخل في اقتصاد يناقضه. إن الصفح الحقيقي، إذا حدث، يحدث في تلك اللحظة التي لا توجد فيها قاعدة أخلاقية تضمنه مسبقًا. وهذا هو ما يجعل الصفح قريبًا من فكرة الحدث عند دريدا: الحدث لا يكون حدثًا لأنه متوقع، بل لأنه يأتي بما لا يمكن توقعه.
لكن هنا تظهر مشكلة الاعتذار. أليس الاعتذار شرطًا للصفح؟ ألا ينبغي للمذنب أن يعترف أولًا؟ ألا ينبغي أن يقول: «لقد أخطأت»؟ نعم، ولكن دريدا لا ينكر قيمة الاعتذار؛ بل يسأل عن اللحظة التي يتحول فيها الاعتذار من فعل أخلاقي إلى شرط اقتصادي. فإذا قلت: «لن أصفح إلا إذا اعتذرت»، فإن الصفح أصبح مشروطًا. وإذا قلت: «سأصفح لأنك ندمت»، أصبح الصفح مكافأة على الندم. وإذا قلت: «أصفح لأنك أصلحت الضرر»، صار الصفح جزءًا من عملية التسوية. وفي Le Siècle et le pardon يميز دريدا بين أفق الصفح غير المشروط وأفق الصفح المشروط بالتوبة والاعتراف والتحول، ويصف الأول بأنه («inconditionnel, gracieux, infini, anéconomique»)؛ أي «غير مشروط، مجاني، لا متناهٍ، ولا اقتصادي».⁶ وهنا ينبغي الانتباه إلى كلمة anéconomique: فالصفح في حدّه الأقصى لا يعمل وفق منطق الربح والخسارة، ولا وفق منطق «أعطيك شيئًا لأنك أعطيتني شيئًا». إنه خروج من الحساب لا نتيجة لحساب جديد. ولذلك فإن السؤال الدريدي ليس: هل ينبغي أن نعتذر؟ بل: هل يستطيع الاعتذار أن يكون شرطًا ضروريًا للصفح دون أن يحول الصفح إلى تبادل؟ وهل يستطيع الصفح أن يظل صفحًا إذا أصبح مشروطًا بتحول المذنب إلى شخص آخر؟ وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة: إذا اعتذر المذنب، وندم، وتغير، وأصبح شخصًا مختلفًا، فقد أصبح من السهل الصفح عنه؛ لكن هل أصفح عندئذ عن المذنب نفسه؟ أم أنني أصفح عن شخص لم يعد مطابقًا تمامًا لمن ارتكب الفعل؟ إن الصفح، في هذه الحالة، يوشك أن يصبح أكثر سهولة لأنه لم يعد يواجه الجاني في ثقل فعله، بل يواجه شخصًا أعاد بناء نفسه من خلال الاعتذار. أما الصفح الراديكالي فيواجه المذنب بوصفه مذنبًا، لا بعد أن يصبح بريئًا رمزيًا من خلال التوبة. وهذا هو ما يجعل الصفح، عند دريدا، تجربة لا تستقيم داخل الأخلاق التقليدية بسهولة: إنه لا يريد أن يساوي بين المذنب وذنبه، لكنه لا يريد أيضًا أن يمحو الذنب لكي يجعل الصفح ممكنًا.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الصفح والتبرئة. فالصفح لا يقول: «لم يحدث شيء»، ولا يقول: «أنت بريء»، ولا يقول: «ما ارتكبته يمكن تبريره». بالعكس، إن الصفح يحتاج إلى أن يبقى الجرح جرحًا لكي يكون صفحًا. وإذا محا الصفح الجريمة، لم يعد صفحًا بل نسيانًا؛ وإذا برر الجريمة، لم يعد صفحًا بل تبرئة؛ وإذا ألغى مسؤولية الجاني، تحول إلى إنكار. ولذلك فالصفح لا يغير الحدث، وإنما يغير علاقة الذات بالحدث. الجريمة تبقى جريمة، لكن الجريمة لا تعود قادرة على احتكار المستقبل. وهنا بالذات تتقاطع التفكيكية مع الهرمينوطيقا: إن التأويل لا يغير النص الذي حدث، لكنه يغير أفق علاقته بالقارئ؛ وكذلك الصفح لا يغير ما حدث، لكنه يغير أفق علاقة الذات بما حدث. ولذلك يمكن أن نقول إن الصفح ليس محوًا للماضي، بل إعادة تأويل لعلاقته بالحاضر والمستقبل. وهذا ما يمنح العبارة الدريدية حول الزمن قوتها: فالصفح، كما يقول، مرتبط بـ(«un passé qui d’une certaine façon ne passe pas»)؛ أي «بماضٍ لا يمر، بطريقة ما».⁷ إن الماضي هنا ليس مجرد شيء انتهى، وإنما هو ما يستمر في الحضور من خلال أثره. الحدث مضى زمنيًا، لكنه لم يمضِ تأويليًا؛ وقع وانتهى من حيث الواقعة، لكنه لم ينتهِ من حيث أثره في الذاكرة. ولهذا فالصفح لا يأتي لكي يجعل الماضي ماضيًا مرة أخرى، وإنما لكي يمنع الماضي من التحول إلى قدر نهائي.
ومن هنا لا يكون النسيان شرطًا للصفح، بل ربما يكون نقيضه. لأنني إذا نسيت، فلن يكون ثمة شيء أصفح عنه. إن الصفح يحتاج إلى ذاكرة، لكنه يحتاج إلى ذاكرة لا تتحول إلى انتقام. وهنا يظهر ذلك التوتر الجميل بين التذكر والتحرر: أتذكر ما حدث، لكنني لا أسمح لما حدث بأن يقرر وحده ما سأكونه. أتذكر الجرح، لكنني أرفض أن يصبح الجرح هويتي. أتذكر المذنب، لكنني لا أجعل ذنبه قدرًا أبديًا له. ولذلك فإن الصفح لا يلغي الذاكرة، بل يحرر الذاكرة من أن تكون آلة لإعادة إنتاج الجريمة. فالذاكرة التي لا تعرف إلا التكرار يمكن أن تصبح شكلًا آخر من أشكال العنف؛ أما الصفح فيدخل إليها لا لكي يمحوها، وإنما لكي يفتح فيها إمكانًا جديدًا للتأويل. وهنا نستطيع أن نفهم لماذا يظل دريدا حذرًا من مساواة الصفح بالمصالحة. فالمصالحة مشروع اجتماعي وسياسي، وقد تكون ضرورية لاستعادة العلاقة بين الجماعات، لكنها لا تستنفد الصفح. قد أصفح دون أن أصالح، وقد أصفح دون أن أستعيد الثقة، وقد أصفح دون أن أعود إلى العلاقة القديمة، وقد أصفح دون أن أتخلى عن حق العدالة. فالصفح ليس عودة الأشياء إلى ما كانت عليه؛ إنه قبول بأن الأشياء لن تعود كما كانت، ومع ذلك يمكن للمستقبل ألا يكون نسخة من الماضي.
وفي هذا السياق تصبح علاقة الصفح بالعدالة أكثر تعقيدًا. فالعدالة تحكم، أما الصفح فلا يمكن أن يكون مجرد حكم. القانون يستطيع أن يقرر أن الجريمة لا تسقط بالتقادم، لكنه لا يستطيع أن يأمر الضحية بالصفح. وهنا يميز دريدا بدقة بين «اللامتقادم» و«اللامغتفر»: («l’imprescriptible n’est certes pas l’impardonnable»)؛ أي إن «ما لا يسقط بالتقادم ليس، بالتأكيد، هو نفسه ما لا يُغتفر».⁸ إن اللامتقادم مفهوم قانوني، أما اللامغتفر فيتجاوز القانون. فالزمن القانوني يمكن أن يقرر أن بعض الجرائم تظل قابلة للملاحقة مهما طال الزمن، لكن هذا لا يعني أن القانون يستطيع أن يقرر ما إذا كان للضحية أن تغفر. ولذلك فإن العدالة والصفح لا ينتميان إلى المستوى نفسه. العدالة تحمي الحق العام، وتحفظ الذاكرة القانونية، وتمنع الجريمة من الاختفاء في الزمن؛ أما الصفح فيحدث في منطقة لا يستطيع القانون أن يحتلها بالكامل. إن الدولة يمكن أن تعفو، ويمكن أن تمنح عفوًا قانونيًا، ويمكن أن تعلن عفوًا عامًا، لكن ذلك لا يعني أنها صفحت بالمعنى الذي يفكر فيه دريدا. فالدولة تستطيع أن تتخذ قرارًا قانونيًا بشأن العقوبة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضحية في التجربة الشخصية للصفح.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين pardon وamnistie وgrâce وprescription. فالصفح ليس عفوًا سياسيًا، ولا عفوًا قانونيًا، ولا إسقاطًا للعقوبة، ولا سقوطًا للحق بسبب مرور الزمن. وتشير قراءة دريدا المتأخرة، خصوصًا في Le parjure et le pardon، إلى أن الصفح ينبغي ألا يختلط بالاعتذار أو العفو أو المصالحة أو التقادم، وأنه، في صورته غير المشروطة، «يمتحن المستحيل» ويظل خارج الحساب والتبادل.⁹ وهذا ما يجعل الصفح أقرب إلى الحدث منه إلى المؤسسة: المؤسسة تحتاج إلى قواعد، أما الصفح في معناه الأقصى فيحتاج إلى ما يتجاوز القاعدة. المؤسسة تقول: «هذا ما يجب فعله». أما الصفح فيقول: «لا توجد قاعدة تستطيع أن تحسم هذا الأمر نيابةً عني». لذلك لا يمكن للمؤسسة أن تضمن الصفح، كما لا يمكنها أن تمنعه نهائيًا.
وفي Le parjure et le pardon يتسع السؤال حين يربط دريدا الصفح بالحنث والوعد والقسم. فالحنث ليس مجرد خطأ عابر، وإنما هو إخلال بوعد؛ والوعد، بطبيعته، يفتح المستقبل. عندما أقول «أعدك»، فأنا لا أصف حاضرًا، وإنما أفتح إمكانًا في المستقبل. وعندما أحنث، فإنني لا أخون الماضي فقط، بل أخون المستقبل الذي وعدت به. وهنا يصبح الصفح بدوره علاقة بالمستقبل: إنه لا يعيد الماضي إلى ما كان، وإنما يفتح إمكانًا لمستقبل لم يعد الماضي قادرًا على احتكاره. وهذه النقطة، في تقديري، هي ما يمنح فلسفة دريدا للصفح طابعها التأويلي العميق: الصفح ليس مجرد علاقة بالذنب، بل علاقة بالزمن؛ ليس مجرد استجابة للجريمة، بل إعادة توزيع لإمكانات المستقبل. ولهذا فإن الصفح، في أقصى معانيه، لا يقول للجاني: «لم تفعل شيئًا»، وإنما يقول للزمن: «ما فعلته لن يكون الشيء الوحيد الذي سيحدث». وهذه العبارة، وإن كانت صياغة تأويلية وليست اقتباسًا حرفيًا من دريدا، تلخص ما يمكن تسميته فك احتكار الماضي للمستقبل.
إن الجرح يريد أحيانًا أن يتحول إلى ماهية: «أنا ما حدث لي». والجاني يريد أحيانًا أن يتحول ذنبه إلى ماهية: «أنا ما فعلته». لكن الصفح، إذا أمكن، يقاوم هذين الإغلاقين معًا. إنه لا ينكر أنني ضحية، لكنه يرفض أن يجعل الضحية هويتي النهائية؛ ولا ينكر أن الآخر مذنب، لكنه يرفض أن يجعل الذنب ماهيته الوحيدة. هنا يصبح الصفح حركة ضد تحويل الحدث إلى جوهر. فالإنسان أكثر من ماضيه، لكن الماضي لا يُمحى. والآخر أكثر من خطئه، لكن الخطأ لا يُنكر. وهذه المسافة الدقيقة بين الاعتراف وعدم الإغلاق هي التي تجعل الصفح فعلًا تفكيكيًا: إنه لا يحل التناقض، بل يمنع التناقض من أن يتحول إلى هوية مغلقة.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يريد دريدا أن يجعل الصفح فضيلة سهلة. إن الصفح الذي أصبح عادة فقد شيئًا من قوته، والصفح الذي أصبح قاعدة فقد شيئًا من استثنائيته، والصفح الذي أصبح شرطًا في عقد أخلاقي فقد شيئًا من لااقتصاديته. ولذلك فالصفح، في حدّه الأقصى، يظل معرضًا للخطر؛ إنه لا يضمن نفسه، ولا يستطيع أن يقول: «لقد صفحت نهائيًا». ربما لأن الجرح يمكن أن يعود، ولأن الذاكرة لا تتحرك في خط مستقيم، ولأن الذات قد تكتشف بعد سنوات أن ما ظنته قد انتهى لم ينتهِ بعد. لكن هذا لا يجعل الصفح مستحيلًا؛ بل يجعل إمكانه أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر معنى. فالصفح ليس نقطة نهائية توضع في نهاية الجملة، وإنما هو انفتاح في الجملة نفسها؛ إنه الفاصلة التي تمنع التاريخ من أن يضع نقطة نهائية على المستقبل.
لهذا يمكن القول إن الغفران، في القراءة التأويلية التفكيكية، ليس محوًا للجرح، بل فكًّا لاحتكار الجرح للمعنى؛ وليس تحريرًا للماضي من الذاكرة، بل تحريرًا للمستقبل من الاستبداد بالماضي؛ وليس تبرئةً للجاني، بل رفضًا لتحويل ذنبه إلى ماهية نهائية؛ وليس نسيانًا، بل ذاكرةً تحررت من الانتقام؛ وليس مصالحةً بالضرورة، بل إمكانًا لعدم استمرار العنف في صورة جديدة. وهذا ما يجعل الصفح، في أفق دريدا، تجربة تقع عند الحد الذي لا تستطيع فيه الأخلاق أن تتحول إلى تقنية.
إن الصفح، في النهاية، لا يقول: «لم يحدث شيء». ولا يقول: «كل شيء انتهى». إنه يقول شيئًا أكثر صعوبة: لقد حدث ما حدث، ولا يمكنني أن أجعله لم يحدث، لكنني أستطيع ــ إن أمكن الصفح ــ أن أرفض أن يكون ما حدث هو آخر كلمة في قصتي. وهنا تتضح المفارقة الكبرى: الصفح لا ينتصر على الماضي بمحو الماضي، وإنما ينتصر عليه بمنع الماضي من أن يصبح قدرًا. إنه لا يغلق الجرح، وإنما يمنع الجرح من أن يغلق المستقبل.
ولذلك، فإن العبارة الدريدية («Le pardon pardonne seulement l’impardonnable») لا تعني فقط أن الصفح يواجه ما لا يُغتفر؛ إنها تعني، في أعمق تأويلاتها، أن الصفح لا يكون صفحًا إلا عندما يقترب من الحد الذي تتراجع فيه كل الضمانات. فالصفح لا يعيش في منطقة اليقين، وإنما في تلك المنطقة المعلقة بين «لا يمكن» و«ربما». إنه مستحيل من جهة القاعدة، وممكن من جهة الحدث؛ غير قابل للبرمجة، لكنه قابل للوقوع؛ لا يمكن امتلاكه، لكنه يمكن أن يحدث. ومن هنا تكمن غرابته الفلسفية: إنه فعل لا نستطيع أن نطالب به، ولا أن نأمر به، ولا أن نحسبه، ومع ذلك يظل أحد آخر الإمكانات التي تترك للمستقبل بابًا مفتوحًا بعد أن حاول الماضي أن يغلقه.فالصفح ليس أن أقول للماضي: «انتهيتَ»، بل أن أقول للمستقبل: "لم تنتهِ بعد."
***
بقلم: د. معروفي العيد
................................
الهوامش والمراجع:
1. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, Paris, Galilée, 2012, p. 7 وما بعدها. والكتاب نص ندوة/محاضرة أُلقيت في جامعات عدة بين 1997 و1998، وصدر في 71 صفحة.
2. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, op. cit. ويظهر في النص الأصلي الربط الصريح بين (don) و(pardon) وعلاقتهما باللاشرط والزمن.
إن نص دريدا هو قراءة ومناقشة لأطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح إشكالية «الصفح» في كتابيه: «الصفح» (1967)، و«ما لا يقبل التقادم» (1969)، يطرح جانكليفيتش في هذين الكتابين إشكالية الصفح بمقولات وإفرازات متزايدة، يهم مسألة المحرقة التي ارتكبتها النازية.
إن المحرقة لا تناسب، حسب جانكليفيتش، والسُّلَم الإنساني، إنها تتجاوز حدود ما هو إنساني وحدود الشّرّ، لتطال إنسانية الإنسان، إنها تدخل في باب ما يُسمّيه «ما لا يقبل التكفير Inexpiable»، وما لا يمكن تجاوُزه والتغاضي عنه، بمُجرّد إقامة مصالحة وصفح ساذَجين. إن ما ارُتكب لا يطاله الصَّفْح، ولا يقبل التجاوز، إنه يدخل في ما لا يقبل التقادُم، وما لا يتقادم، إنها جرائم تتطلب أن تبقى الذاكرة متّقدة وحيّة، بل ويجب أن تظلّ الذاكرة شاحبة في الماضي، في ماضي الأحداث، حتى يصبح هذا الماضي حاضرًا بصيغة الماضي، أو بعبارة أخرى، تعيش الذاكرة الماضي بصيغة الحاضر. إن صرخة جانكليفيتش قوية وُمدوّية، يكرّرها على لسان الشاعر الفرنسي إيلوار Eluard: :" لا يوجد خلاص على الأرض ما دمنا نستطيع الصَّفْح عن الجلادين». إنها صرخة الضحية، أو من يتقمص دور الضحية، في مقابل الجلاد. ينظر في مقدمة المترجم، جاك دريدا الصّفح مالا يقبل الصفح وما لا يتقادم، ترجمة: مصطفى العارف ــــ عبد الرحيم نورالدين، منشورات المتوسط، إيطاليا، ط1 2018. ص 7، ص8.
4 ـــ جاك دريدا، «القرن والصفح»، أنظر الأصل الفرنسي، حيث يطرح دريدا صراحة السؤال : («N’est-ce pas en vérité la seule chose à pardonner ?»).
5. Jacques Derrida, «Le Siècle et le pardon», op. cit. ويأتي هذا القول في سياق تحديد العلاقة المفارقة بين الصفح واللامغتفر، حيث يرى دريدا أن الصفح ينبغي أن يظهر بوصفه المستحيل نفسه.
6 : Jacques Derrida, Le parjure et le pardon, vol. I, Séminaire (1997-1998), Paris, Seuil, 2019.
ويؤكد عرض الناشر أن موضوع الصفح عند دريدا يقوم على «اللاشرطية» وأنه لا ينبغي الخلط بينه وبين العذر أو العفو أو التقادم أو النعمة.
7. Jacques Derrida, Pardonner : l’impardonnable et l’imprescriptible, op. cit.، حيث يربط دريدا الصفح بماضٍ «لا يمر بطريقة ما»، ويضعه في علاقة مخصوصة مع الزمن والتزمين.
8. Jacques Derrida, «Le Siècle et le pardon», op. cit.
في تمييزه بين (l’imprescriptible) «اللامتقادم» و(l’impardonnable) «اللامغتفر». وقد ظهر النص في ملف Le Pardon المنشور في Le Monde des débats في ديسمبر 1999، الصفحات 10-17.
9. Jacques Derrida, Le parjure et le pardon, vol. I, Séminaire (1997-1998), éd. Ginette Michaud et Nicholas Cotton, Paris, Seuil, 2019.








