عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: سر النبوغ الأدبيّ وفلسفة التنوير

أجد لزاماً عليّ أن أذكر أنني كنت في الحلقة الثانية تحديداً من سلسلة "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة" أقول: إنني لن أنسى إذ نسيت مقالاً كنت قرأته في صغري للأديب المصري الكبير مصطفى صادق الرافعي (ت ١٩٣٧) في كتابه "وحي القلم" كان بعنوان "سر النبوغ الأدبي"، وكان "الرافعي" يرى فيه أن سر هذا النبوغ يكمن في التوليد.

ولم أكن لأذكر مقال الرافعي هذا، لولا أنني كتبت عنه منذ ما يقرب من ثلاثين سنة دراسة نقديّة مطولة، نُشرت إذ ذاك بالصفحة الثقافية بجريدة الأهرام المسائي المصرية على عددين، كان الأول بتاريخ ٢ فبراير سنة ١٩٩٧م، والثاني بعدد آخر بتاريخ ١٦ فبراير سنة ١٩٩٧م، ولسوف أضع اليوم هذا المقال بين يدي القارئ ليكون شاهداً على فترة خصبة من فترات الحياة العقلية التي عاشها كاتبه، وتطور تلك الحياة مع الزمن، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى؛ لعلاقة هذا المقال نفسه بسلسلة أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة، فسر النبوغ متصل بالمعرفة، وموصول بتنوير العقل، ولا ينفصل مفهوم التوليد المعرفي مطلقاّ عن معطيات العمل العقلي.

والمعرفة نور وتنوّر وتنوير. وسر هذا كله كامن في التوليد. سيجد القارئ في هذا المقال علاقات متشابكة بين المعرفة وفكرة التقدّم، أو بين أسرار النبوغ والتوليد، وعلاقة ذلك كله بالفلسفة التنويرية؛ فعلى بركة الله.

***

كُنّا في مراحل الطلب الأولى نعكف عكوف الفحول على رُوّاد القديم - والقارئ مرجوُّ أن يتابع معي هذه السطور - فنقرأ البشري في "مختاره"، والرافعي في "وحي قلمه"، والزّيّات في "رسالته"، وكنا نعجب أشدّ العجب بفرقعة الألفاظ في الأسلوب الخطابي الإنشائي الرنان!

وكنّا نكتب ونحاكي ونقلد؛ ليكون لنا في عالم البيان - بعد التشبه بأولئك الكرام - طبعٌ يُساغ وخصوصية بيانية، عملاً بقول القائل:

فتشبّهوا إنْ لم تكونوا مثلهم

إنّ التشبُّه بالكرام فلاحُ

كانت طبيعة الأمور تفرض علينا إذ ذاك أن نقلد ونحاكي ونتشبّه بالمقدار الذي تفرضه هذه الطبيعة على كل ناشئ غضّ طريٍّ. ولم نكن يومذاك نعرف عظيم الفرق بين قديم وجديد، ولا بين أصالة ومعاصرة، ولا بين تنوير وتضليل، ولا بين صالح وطالح في دولة البيان.

ولم نكن ندرك سوى جمال اللفظة العربية الشاعرة.. من أين جاءت، وكيف تولّدت في ذهن صاحبها، وكيف اُستقيت وصيغت ورُكبت واتجهت هذا الاتجاه الذي قامت لتؤدي أغراضه، وتبيّن مراميه، وتوضح مقاصده الظاهرة والخفيّة؟

مثل هذا الإدراك هو ممّا لم يكن في حسبان الناشئين.

كنّا نقرأ ما تقع عليه العين، ونتمنى لو توقف بنا قطار الزمن عند القراءة وكفى؛ فلا السّاعة التي كنّا نعيشها مع كل مقروء تمضي كما تمضي غيرها من ساعات، هنالك رأينا أنّ للقراءة لمتعة، وأن للبيان لسحراً، وأن للكلمة الصادقة لشعوراً دافقاً فيّاضاً بأرقى ما في سليقة الطبع من فيض شعور.

مضينا، والحالُ كذلك، إلى أن وقعت العين بسبيل الصدفة والاتفاق على كتابات الشيوخ من أقطاب الحركة التنويرية منذ أواخر القرن الماضي حتى منتصف القرن الحالي وما بعده، فتمثلنا العقاد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود؛ ولك أن تضيف ما تعرف وما لا تعرف من أئمة العقل وأئمة التنوير.

رحنا نعبّ الذهن والقلب والوجدان عبّاً، ونقارن بين رأي في القديم ورأي في الجديد، وبين فكرة في الأصالة وفكرة في المعاصرة كلما سنحت لنا فكرة المقارنة والتعقيب.

هنالك عرفنا الفروق الجوهريّة بين المواقف العقليّة والاتجاهات الظنيّة، وبين الأفكار الصالحة والأفكار الطالحة، لكأنما عرفنا الفرق عينه بين الحياة المهينة والحياة الكريمة التي يحياها المرء وهو يسعى في توظيفها لغايات العمل الجاد والمجد الخالد الأبيّ، ذلك لأننا تمثلنا "العقاد" فعرفناه عن قرب، وشقينا في معرفته أبلغ شقاء. لقد عَرّف لنا الحياة الكريمة تعريف الفيلسوف الذي باشرها، وظل لديه هذا التعريف ممتداً لا يتغير ولا يتبدّل منذ أن بدأ حياته العقليّة المنتجة حتى آخر نفس لفظه رحمه الله. كانت أصول الحياة الكريمة عنده تدور حول محور واحد وهو: "الأسف على حميّة الشباب أن تهدر في غير غاية من غايات المجد والعمل، وأن تنقلب إلى عربدة هادمة لنفسها وهادمة لغيرها، بلا هدف ولا اجتهاد ولا جدّ في تناول شئون الحياة".

وقد صدق الأستاذ "العقاد" فيما ذكر وأفاد، فقد كانت حياته هكذا.. هكذا كلها في عرضها وطولها، منحه الله عمراً عريضاً لم يأسف فيه لحظة على حمية الشباب من أن تهدر في غير غاية كريمة من غايات المجد والعمل، وامتلك من قوة الإرادة الجبّارة ما حيل بينه وبين أن تنقلب حمية شبابه الباكر إلى عربدة هادمة لنفسها أو هادمة لغيرها، ولكنه كان أدخرها للهدف السامي والاجتهاد النبيل، وكان كفاحه طيلة حياته تعبيراً أصيلاً عن مظان الحياة الكريمة كما أرادها لنفسه أن تكون، فعرّفها لغيره من تلاميذه ومريديه من طلاب المعاني والحقائق لا طلاب الدّون والإسفاف، إذ لا حياة هنالك بغير هدف ولا غاية من غايات العمل أو غايات المجد الخالد والمطلب الأبيّ.

كنا إذ ذاك نستندر هاته الفضائل في هذا الزمن إلى الدرجة التي ضاق المجال فيها بطلاب العلا، فمشى إلى العلا كل همّازٍ ومشّاءٍ..!!

سَلق "العقاد" مصطفى صادق الرافعي بلسان من حِداد، كما سَلق "المازني" صاحبه "المنفلوطي" بنفس اللسان الحاد العنيف، وتولى الدكتور زكي مبارك "مختار" البشري بالنقد والتفنيد، أعني كتاب "المختار" لمؤلفه عبد العزيز البشري. وأنت أمام أولئك وهؤلاء لست إلا قارئاً لا يحوّلك من رأي إلى رأي، ولا من فكرة إلى فكرة سوى مبلغ الحجة الناصعة وسدادة الرأي الرشيد.

ظهر لنا إذ ذاك عقم القديم أضعف بكثير من مواجهة ثورة المعاصرة والتجديد، إذ كان رد الفعل عند أنصار القديم يتمثل في "هجوم العاجز الضعيف" - وللقارئ أن يذكر تلك العبارة؛ فلسوف نرجع إليها بعد حين - وشاء لنا توفيق الله أن نتتلمذ على الأيادي الكريمة لمفكرنا الكبير الدكتور عاطف العراقي رحمه الله رحمة واسعة، الرمق الأخير من جيل الرّوَاد، وأحد أعمدة الفكر الفلسفيّ التنويري، (في مقابل الفكر الفلسفيّ التضليلي، لدى الأشباه واللصقاء)؛ فنصحبه في حِلّه وترحاله، ونتزوّد في تلك الصحبة بما لديه من ثراء الفكر وثراء المعنى وغزارة المواقف العلميّة والأدبيّة والنقديّة من غير قيد مشروط؛ فتعلمنا منه ثورة العقل والنقد في الفلسفة والأدب، والأبعاد التنويريّة المنفتحة التي تختلف في تصويرها للمواقف والرؤى والاتجاهات عن الخيوط الظلاميّة الدكناء.

فمن آرائه الحضاريّة والتنويريّة ما يذكره هو على الدوام من ضرورة الاهتمام بالترجمة كدور حيوي وفعال في بناء الفكر العربي وتحديث الثقافة المعاصرة. ذكر ذلك في حوار أجرته معه زميلتنا الدكتورة نجاح محسن، ونشر في العدد ٩٩ من مجلة "الموقف العربي" الصادر في أغسطس لسنة ١٩٨٨م حيث قال:"إنني إذا كنت أدعو إلى الاهتمام اهتماماً لا حدّ له بالترجمة، وأربط بين الترجمة من جهة، وثقافة النور أو عصر التنوير من جهة أخرى، فإنّ هذا لا يعنى إغفال كتب تراثنا، وإغفال دور ثقافتنا الأصيلة في الماضي، إذ لن تكون لنا شخصيتنا الواضحة المتميزة إلا إذا حافظنا على تراثنا، وفي نفس الوقت انفتحنا على ثقافات الأمم الأخرى. واعتقد اعتقاداً لا يخالجني فيه أدنى شك أن ثقافة النور أو عصر التنوير لا يمكن تصورهما بدون الاهتمام بالترجمة في جميع المجالات: علميّة وأدبيّة وفكريّة وفلسفيّة..".

ولم يكن حديثه عن "التنوير" خلوّاً من جذوره الفلسفية الأصيلة، حتى إذا أردنا الإمساك بفلسفة التنوير من لحظتها الكانطيّة الحاسمة؛ فإنّ نقطة الانطلاق هي مقال "كانط" سنة ١٧٨٤م ما التنوير؟ لكن ليست تكمن قيمة المقال في تعريف التنوير فحسب، بل في أنه نقل السؤال من كونه سؤالاً عن المعرفة إلى كونه سؤالاً عن وجود الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً مفكراً حراً.

لقد جعل كانط التنوير فعلاً يمارسه الإنسان في ذاته قبل أن يكون مذهباً فلسفياً أو حركة تاريخيّة. ووضعه في مواجهة حالة يسميها القصور الذاتي الفكري، بمعنى عجز الإنسان عن استعمال عقله بحرية كافية دون وصاية عليه من الآخريين، فالعقل ليس بعاجز عند كانط، ولكن العجز في التقصير في استخدامه من حيث إن الإنسان لم يكن ليستخدم عقله مستقلاً عن وصايا الآخريين وفروضهم التي يلزم لوعي العقل أن يتحرر من سلطاتها، وهي التي يسميها كانط سلطة الوصيّ: سلطة التقليد، سلطة الكنيسة، والسلطة السياسية، سلطة العادة... إلى كثير غير هذه كلها من سلطات تقيد حركة العقل وحريته، فلا يعدّ التنوير على هذا مجرد زيادة في المعلومات، فقد يكون الإنسان واسع المعرفة غير أنه غير مستنير إذا كان يستعير عقله من غيره ويسلم نفسه ذليلاً لهواه، أو خانعاً لهوى سواه.

يملك صاحب العقل المستنير حق السؤال النقد والمناقشة ولا يعيش إمّعة على الآخريين أو مع الآخريين. كما يملك حق الاعتراض النقدي. وممارسة النقد في الفكر التنويري هي قلب فلسفة التنوير: نقد المعرفة، نقد السلطة، ونقد ممارسات التدين حين يتحول إلى وصاية على الضمائر والسرائر، ونقد المجتمع حين يمنع الإنسان من استعمال عقله، ونقد العقل نفسه بنفسه، فيما لو ادّعى امتلاك الحقيقة المطلقة.

فلسفة النقد لا محالة ليست هي قلب فلسفة التنوير وكفى؛ بل هي جوهر العمل العقلي والفلسفي على الاطلاق.

كذلك، لم حديث "أستاذنا" عن التنوير خلوّاً من جذوره في الثقافة العربية، قديمها وحديثها، إذْ كان الفكر الإسلامي ضَمَخَ بآيات من الإشراق والتقدّم يمثلها في الماضي الفارابي وابن سينا وابن رشد، ويصيغها في الحاضر أقطاب الفكر التنويري في عالمنا المعاصر أمثال محمد عبده، وعباس العقاد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، أولئك الذين عركوا بالدرس والنقد والمعرفة كل فكرة جليّة وخفيّة من أفكار الغرب والشرق سواء بسواء.

نقول وجدنا "أستاذنا" يعيش ثقافة النور، ويحيا في كنف العقل؛ لأنه يؤمن به كقوة "مبدعة خلاقة في ميدان الفلسفة والأدب"، وهجرنا معه شيئاً فشيئاً كل قديم لا رجاء فيه من حيث لا يجدي معه نفعاً في ميدان النظر أو ميدان الحياة والتطبيق. وليس هجره للقديم كهجر من فرّ وتحلل وركل هويته ولاذ كالمتسوّل المطرود بهويّة غيره كل الملاذ كله في غير تأصيل، وإنّما هو هجر من يؤمن إيمان من لا يخالجني فيه أدنى شك بأن في القديم "قيمة" باقية محفوظة ضمن قيم الدنيا المحفوظات، وأن في التجديد أيضاً قيماً حضاريّة وثقافيّة وعلميّة إذا نحن أضفناها إلى قيم القديم المحفوظة الباقية نهضت حياتنا الفكريّة والثقافيّة نهضتها المبتغاة.

وما هي نهضتها المبتغاة؟

نهضتها المبتغاة ليست في اللفظة الفارهة، ولا في الطبل الأجوف، ولا في الأسلوب الخطابي الرنان، ولا في التقليد والمحاكاة، ولا في التسليم المنساق بما قاله السابقون من سلف أجدادنا الأوائل، تسليماً أعمى لا يدع لنا نحن الخلف الأواخر مواقف نقد أو اتجاهات سير. وإنما نهضتها المبتغاة في هاته "القيمة" الباقية نستعيرها، على وعي الدقة وعمق التحليل، من قيم القديم المحفوظة؛ فندير على رحاها مشكلات حياتنا الثقافية والفكريّة بعد أن نكون قد عرفنا: كيف يمكن لنا استخدامها استخداماً حسناً يُزيننا ولا يشيننا، يرفعنا ولا يخفضنا، ويؤهلنا للنهوض والتقدّم ولا يشدّنا للانغلاق والتقوقع شدّاً أسيراً مُكبلاً لا نفع فيه.

ولا طاقة لنا ولا اقتدار على ذلك الاستخدام الحسن ونحن لا ننظر في قديم مركول، بل ولا نستطيع أن نفحصه جيداً فيما عسانا نفحص من تراث الأقدمين؛ لنقول فيه كلمتنا النقديّة التي نمِيز بها الطيّب من الخبيث، والصالح من الطالح، والمعقول من ذلك الذي لا وعي فيه ولا عقال.

حديث في المنهج:

بيد أنه يطيب لنا في هذا المقام أن نتحدّث قليلاً عن المنهج الإدراكي فيما نتصور بإدراك حركة القيم، فكيف ندركها؟ وبأي الوسائل المنهجيّة يمكننا التعامل معها؟

ربما يجئ حديثنا عن المنهج خارج قيود الاصطلاح المتعارف عليه، فلسنا نتكلم في المنهج الاستنباطي، ولا الاستقرائي، ولا الاستدلالي، ولا الوصفي، ولا ما شابه ذلك من مناهج علميّة، لا ليس هذا حديثنا؛ فما يعنينا هو أن نوضّح شيئاً لا نُعمّيه، وأن نجليه ولا نخفيه، أفئن ظُن بنا في خضم هذا الموضوع منزع العماية والتضليل لا الجلاء والتنوير، فليكن هذا الظن قيداً مشدوداً بأغلال الاصطلاح.. فإلى المنهج على بركة الله.

مَردُّ القيم في حياتنا العقليّة والشعوريّة إلى منهج في التفكير هو المنهج "الهابط" أو "النازل"، لأنه ينزل من أعلى هابطاً يستوحي نشاطه من مبدأ كلي عام مجرد لا يراعي الوصف الجزئي ولا يحتسب للتفاصيل في دَرْسِه حساباً، أي أن الواقع الفعلي مرهونٌ في حساباته بمضاء الفكرة المجردة وبقائها وخلوّها بمفردها عن أن تكون ذات فاعليّة أو تأثير على تطورات الواقع الفكري الراهن.

بعكس المنهج "الصاعد" ذلك الذي ينكفئ على جزئيات الواقع وتفصيلاته صاعداً منها إلى الفكرة المبدئيّة المجرّدة.

ومعلوم على وجه الإجمال أن المنهج الهابط والمنهج الصاعد يمثلان حركتين متقابلتين في التفكير الفلسفي، فالمنهج "الهابط" كما تقدّم ينطلق من المبدأ الكلي أو الحقيقة العليا ثم ينزل منها إلى الظواهر والجزئيات، بينما المنهج "الصاعد" يتحرّك من الأدنى إلى الأعلى، يصعد بالفكر من الجزئي إلى الكلي، ومن المحسوس إلى المعقول متدرّجاً نحو المبدأ العام.

وفي الفلسفة الأفلاطونيّة يتخذ هذا التقابل دلالة عميقة، إذ الطريق الصاعد هو ارتقاء النفس من عالم الحس والتعدد إلى عالم المعقولات حتى تبلغ معرفة مثال الخير. أمّا الطريق الهابط فهو عودة الفيلسوف من مقام المعرفة العقلية إلى عالم المحسوس، عودة من الأعلى إلى الأدنى، ليترجم ما أدركه من الحقيقة إلى رؤية عامة للإنسان: قيمه، وحياته، ومبادئه، وأخلاقه.

فالفلسفة الأفلاطونيّة، من ثمّ، لا تكتفي بالصعود إلى الحقيقة، بل تجعل الصعود المعرفي يعقبه هبوط وجودي وأخلاقي، إذ لا تكتمل حكمة الفيلسوف إلا بالعودة من عالم السماء إلى عالم الأرض، ومن عالم الحقيقة الخالصة إلى عالم الإنسان المحدود.

لكن ماذا لو أنّ تحليلات الواقع اصطدمت بالمبادئ العامة المجرّدة.. أيحق للمفكر ساعتئذٍ أن يكون خاطئاً ومقصّراً في طرق الإدراك؟

مردّ خطأه إن أخطأ أو صوابه إن أصاب إلى: (١) مفردات الواقع التي يشرع هو في تحليلها وتفصيلها. (٢) خلطه - شاعراً أم غير شاعر - بين دائرة ودائرة. (٣) ليس في الفكر الإنساني كله - من ألفه إلى يائه - إلا الاجتهاد. (٤) تطبيق منهجه: أنازل هو أم صاعد؟

أفئن كان منطلقاً من واقعٍ فأعلى، سُمى صاعداً. وإذا كان منطلقاً من فكرة مجرّدة عامة مفروضة على واقعٍ حيّ مُعاش، سُمى هابطاً أو نازلاً. ولربما اصطدم المجرّدون من أهل المبادئ العامة في التفكير بالواقعيين من أصحاب التفاصيل والجزئيات في صعودهم وهبوطهم، فلا يقرّرون اعتباراً للمنهج، ولا يراعون الفروق الخاصّة المخصوصة بطريقة تفكير أصحاب كل منهج يسلكه أصحابه في عالم الفكر أو في عالم الواقع والتطبيق.

للمنهج الصاعد خصائصه وموضوعاته، ولحركة المنهج الهابط خصائصها وموضوعاتها كذلك، ولكل منها دائرة تدور عليها محاور الموضوعات التي يختارونها وفقاً لطريقة التفكير المنهجيّة حتى إذا أتهم أصحاب المنهج "الهابط" الصاعدين من أهل البحث في الواقع وتحليلاته، جاء هذا الاتهام دليلاً كافياً على عدم تفهم المنهج المخالف أو المعارض، وبالتالي عدم تفهم موضوعاته، ووجب هنالك خلط دوائر الاجتهاد بعضها مع البعض الآخر.

وكذلك يكون الحال بالنسبة لاتهام الصاعدين ومعارضتهم للهابطين. وقد يُفسر لك هذا الأمر اختلاف المختلفين حول موضوع واحد يتناوله حزبان، كل حزب بما لديهم من منهج، ودائرة (أعني حقل معرفي)، وموضوع فرحون، هابطاً كان المنهج أو صاعداً ! فلو حُدّد المنهج بداية وحُدّد معه الموضوع لبطل الخلاف.

وممّا يبعث الشفقة والسخرية أحياناً أن ترى موضوعاً من موضوعات المنهج الهابط، يتناوله باحث يُعمل فيه معول الصعود بمثل ما ترى كذلك موضوعاً مندرّجاً تحت دائرة المنهج الصاعد عرضة للنقد والمحاسبة من أصحاب المناهج الهابطة. مثل هذا الخلط في طريقة التفكير هي أسوأ ما في الأعمال الفكريّة من قلة العناية بمنطق البحث العلمي وتحديد الحقول العلميّة.

ولربما كانت النتائج واحدة عند الصاعدين والهابطين، ربما، لكنما المقدمات والوسائل مختلفة إذا كان الموضوع مشتركاً والغاية واحدة. وهذا لا يحدث إلا في القليل النادر؛ إذ من المتفق عليه منطقيّاً أن المقدّمات المختلفة لابد وأن تسفر عن نتائج مختلفة، وتؤدي بطبيعة الحال إلى نتائج مغايرة، ولا بدّ للمنهج الذي ينطلق من قاعدة معينة أن يسفر أيضاً عن نتائج هي من جنس المقدمات التي انطلق منها، وإلا لحقه التناقض المُخل بالمنهج وبتطبيقه على الموضوع.

وليس من الصواب في شيء أن يطرح الموضوع، وهو من أدوات المنهج الصاعد، بأدواتٍ هي من مقومات المنهج الهابط أو النازل. في مثل هذه الحالة لا تتوقع سوى السخط والنفور من أهل الهبوط، أعني أولئك الذين يوالون التفكير بحركة المنهج الهابط؛ كأن يكتب الشاعر قصيدته، تتجلى عليه في حالات الصفاء، أتراه تلقاها بحركة المنهج الصاعد أم بحركة المنهج الهابط؟

وليس من الصواب في شيء كذلك، أن تقحم موضوعات المنهج الهابط في موضوعات المنهج الصاعد، أو تعرض موضوعات لمنهج مختلف لا تُعالج إلا بمنهجها الذي تدور فيه، فنقطة البدء هي تحديد المنهج الذي يدور في فلكه الموضوع، فكما أن لكل منهج دائرته، أي حقله المعرفي، فكذلك لكل موضوع منهجه، وليس يمكن في منطق المعقول أن تعالج كافة الموضوعات بمنهج واحد، حتى إذا ما اختلط الحابل بالنابل، فقدنا النتائج بمقدار فقْدنا تباعاً لمقدمات السير في طريقنا المقصود.

إلى هنا؛ ويتفجر أمامنا سؤال ضخم: ماذا لو وجدت "قيمة" في موضوعات المنهج الهابط لا يصلح أن تعالجها بمنهجها المخصّص لها: أتراك مهملها مدحورة بين مهملات مدحورات، أم نازعها نزعاً عنيفاً لتعمل فيها منهجك الأثير؟

وإنّا لنجيب: إنه من طبيعة الفكر التطور والتجديد ومواكبة الحياة الحيّة المتجددة، فإذا رأيت ثباتاً في النزول والهبوط أو ثباتاً في الصعود والارتقاء، فاعلم أنه عقم يؤدي إلى عطب وفساد، فلا مندوحة من حضور عوامل التغيير وأسباب التجديد.

ولا بدّ في بدائه العقول من مواكبة الحياة بما هو أهلٌ لاعتراكها.

وعليه؛ فليس هناك ما يمنع، والحالة كذلك، من أن تتناول "القيمة" مُطبقة على منهجٍ مخالف لموضوعها شريطة أن تتغير هذه القيمة، لا كل التغير كله بل بعضه، بمعنى أن نعدّل من فهمنا لها، وإدراكنا لمراميها في غير خلل بما عسانا نفهم أو بما عسانا ندرك من وضعها المشروع، فلا يجوز في بداهة العقل أن نأخذها مأخذ التسليم كما كانت بين ركام الأقدمين، تكر كرّاً آلاف آلاف المرات جيلاً وراء جيل.

***

إنّما القيمة التي تنبثق لنا هنا في هاته الأسطر، ننزعها نزعاً عنيفاً من صاحبها؛ لنعمل فيها بما ينفع بعد أن نعطي صاحبها قدره الذي يستحقه، ولا نسلب عنه قدراً خطه بقلمه ووعاه.

سر النبوغ في عالم الفكر والأدب يتجلى في تلك "القيمة" التي نراها سارية باقية ومحفوظة في تراث الأقدمين. وهذه القيمة هي قيمة "التوليد". ومفتاح النبوغ في أذهان الأدباء والمفكرين والفنانين والفلاسفة والمصلحين إنما هو "التوليد". والتوليد فكرة من أرقى أفكار التجديد والتنوير، قال بها أديب من أنصار القديم (لم يكن لها مبتكراً ولا كان بها مبدعاً ومجدّداً) ولكنه خلطها خلطاً عجيباً بحابل الأفكار ونابلها، واستطاب بما لديه من هبوط المنهج؛ ليقذف به في وجوه المجددين هجوماً عاجزاً ضعيفاً، وعقماً يلاحقه تبكيت وتأنيب.

تلك هي في ثوبها القشيب فكرة التوليد: متجددة راقية من حيث التطبيق والاستمرار، قديمة عتيقة من حيث الدلالة والمفهوم، يعرف الذي قرأ كتاباً واحداً في الفلسفة اليونانية أن "سقراط" كان أبتدع منهجاً لتعليم الشباب الأثيني سمّاه "التهكم والتوليد". ومن أجل ذلك؛ قلنا إن صاحبها لم يكن لها مبتكراً، ولا كان بها منتهجاً طرائق التجديد والتفرُّد والابتكار.

(وللحديث بقية)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

في المثقف اليوم