هل يؤدي العقل إلى الوحدة أم إلى تعدد التأويلات؟
في البدء لم يكن السؤال كاستفهام عابرٍ تذروه رياح الفضول بل كوجع ميتافيزيقي يتملك الفكر حين يُصادف ذاته في مرآة العقل فيتساءل عن ماهية ذلك النور الذي يزعم أنه يُبدد الظلمات، وهو في حقيقة أمره يُضاعفها ويُشعبها في متاهاتٍ لا تنقضي. فالعقلانية ذلك المشروع الإنساني الأغرى الذي راهن عليه الفلاسفة منذ أفلاطون حتى هابرماس، لم تكن يوما تلك السلطة الجامعة التي توحد القلوب والأذهان تحت رايةٍ من اليقين بل كانت في كل محطاتها التاريخية أداةً للتمييز والتفريق تارةً باسم المنطق وتارةً باسم التجربة وأخرى باسم النقد، لكنها مهما تنوعت تجلياتها ظلت تُنتج من رحم عنفها التأسيلي اختلافاتٍ لا يُمكن لمشروعٍ عقلانيٍ واحدٍ أن يلملم شظاياها. ونجد أنفسنا أمام مفارقةٍ عصيةٍ على الحل عقلٌ يدعي الوحدة وهو يُمارس التشتيت؛ عقلٌ يزعم السمو فوق الأهواء وهو يغرق في تأويلاتٍ تتعدد بتعدد رغبات العقلاء أنفسهم.
إن السؤال عن أثر العقل في إنتاج الوحدة أو التعدد ليس سؤالا هامشيا في فلسفة المعرفة بل هو السؤال الذي يُحدد مصير الفكر نفسه وموقعه من الحقيقة ومن الآخر ومن العالم. فمنذ أن قام سقراط بتفكيك اليقينيات الساذجة عبر سؤاله السقراطي مروراً بديكارت الذي جعل من الشك منهجاً وصولاً إلى كانط الذي قسم العقل إلى نظريٍ وعمليٍ، كانت العقلانية تبحث عن نفسها في مرايا متعددةٍ، كل منها يُعيد إنتاج صورتها بصورةٍ مخالفةٍ لما سبقها، كأن العقل يسير في حلقةٍ لا تنفك تعيد فيه الاعتبار للاختلاف كلما ظن أنه اقترب من الوحدة المنشودة. وإننا إذ نُقدم على هذا المقال لا نبتغي فيه إعادةَ إنتاجٍ لجدلٍ فلسفيٍ قديم بل نريد أن نقترب من العقلانية كظاهرةٍ حيةٍ تعيش في نسيج العلاقات الإنسانية وتتحدى بسحرها كل محاولات التقعيد والتجميد، ذلك أن العقل لم يُخلق ليُغلق الأسئلة بل ليُولدها ولم يُوجد ليُنهي الاختلاف بل ليُؤصله ويُعمقه في مفارقةٍ تبقى جوهر الإدهاش الفلسفي.
في هاته الأسطر سنغامر في دهاليز العقل حيث يختلط النور بالظل وتتشابك البراهين بالرؤى ولا يكاد الحكم على شيءٍ يستقر إلا لينفتح على حكمٍ جديدٍ يخالفه أو يُكمله، وسنحاول قدر الإمكان أن نكون أمناء لهذه الحركة الأبدية متجاوزين كل محاولةٍ لتجميد العقل في قولٍ واحدٍ أو نسقٍ نهائي، لأن العقل كما سنرى ليس في النهاية سوى مرآةٍ مشروخةٍ تعكس الكون في أجزاءٍ متكاثرةٍ وكل جزءٍ يحمل في طياته صورةً تختلف عن الآخر مما يجعل السعي إلى الوحدة سعياً جميلاً لكنه مستحيل، والسعي إلى فهم التعدد سعياً متواضعاً لكنه كافٍ ليُبقينا في رحاب التساؤل الذي لا يُعرف الكلل.
لا يمكن للعقل أن يكون سوى أداةٍ للتفريق في لحظةٍ ما بقدر ما هو أداةٌ للتجميع. هذه هي المفارقة التي تطل برأسها كلما حاولنا أن نمسك بالعقلانية كمنهجٍ جامعٍ للحقيقة أو كطريقٍ ممهدٍ إلى اليقين. فالعقل في منشئه الأرسطي كان ذلك الجوهر الذي يفصل بين الأشياء ليُعيد تركيبها وفق نظامٍ من العلاقات الضرورية، لكنه ما إن يشرع في عمله هذا حتى يُنتج من رحم التصنيف والتحديد اختلافاتٍ لا تنتهي. إننا إذ نستعمل العقل نستعمل آلةً للقطع والتقسيم ثم نستعملها مرةً أخرى للربط والتركيب، وفي كلتا الحالتين نحن نُمارس إنتاجاً للاختلاف لا يقل عن كونه إنتاجاً للوحدة. والسؤال الذي يطرح نفسه بعنفٍ ليس عن ماهية العقل في ذاته بل عن أثره في جمهرة التأويلات التي تتوالد من رحم ممارساته، هل يؤدي العقل بإرادته الصارمة للنسق والانسجام وإلى توحيد الرؤى واندماجها في كل متماسك أم أنه بإجراءاته التحليلية وتفاصيليه الدقيقة ويفتح الباب على مصراعيه أمام تعددٍ لا يُحصر من القراءات والتأويلات؟
لعلنا قبل أن نقدم على جوابٍ حاسم نقف عند تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الفلسفة حينما ارتبطت العقلانية بالرياضيات والهندسة، حينما رأى ديكارت في العقل تلك "الملكة الطبيعية" التي تمنحنا القدرة على التمييز بين الصدق والكذب، على أن نُخضع كل ما يرد علينا من معطياتٍ لعمليةٍ من الشك المنهجي الذي لا يستقر إلا على بديهياتٍ واضحة كل الوضوح. لكن ديكارت نفسه وهو يبني منهجه على أسسٍ رياضية لم يستطع أن يُفلت من شرك التأويل إذ كان "الكوجيتو" ذاته – ذلك الوميض الأول لليقين – محمّلاً بفرضيةٍ أناويةٍ جعلت منه أرضيةً لتأويلاتٍ متضاربة بين من يراه إنجازاً منهجياً ومن يراه انزلاقاً وجودياً. إن العقل الديكارتي على قدراته الهائلة في التأسيس لم ينتج وحدةً في الفهم بقدر ما أنتج مدرسةً فلسفيةً كاملةً قامت على اختلافٍ جوهري في قراءة هذه البداية الأولى. وهنا نلمح بصيصاً من سرّ العقلانية، وهي أنها كلما ازدادت صرامةً وتحديداً ازدادت معها مساحات التأويل اتساعاً، لأن الدقة متناهية الصغر تترك وراءها فجواتٍ تعجز اللغة عن ملئها فتُصبح كل محاولةٍ لسد تلك الفجوات تأويلاً جديداً وكل تأويلٍ جديدٍ يضيف طبقةً أخرى من الاختلاف إلى نسيج الفكر الإنساني.
ولا نغالي إذا قلنا إن العقلانية في جوهرها تقوم على مبدأ الهوية الذي يمنع التناقض لكن هذا المبدأ نفسه حين يُطبّق على عالمٍ متدفقٍ بالأحداث والوقائع يتحول إلى أداةٍ لتوليد التعدد. فالهوية ليست سوى حدٍّ يفصل شيئاً عن آخر وكل حدٍّ هو إعلانٌ عن اختلافٍ وكل اختلافٍ يحمل في طياته بذورَ تأويلٍ مغاير. لقد أدرك هيجل هذا التناقض الظاهر حين رأى في العقلانية حركةً جدليةً تنبني على التناقض ذاته، حيث لا يمكن للوعي أن يدرك ذاته إلا عبر اختباراتٍ متتالية من التضاد والتصالح فلا تكون الوحدة العقلانية إلا نتاجاً لمسارٍ من الاختلافات المتصاعدة كأن العقل يكتب تاريخه بتوقيعاتٍ متعددة كل منها يناقض الآخر ليُنتج في النهاية تركيباً أعلى. لكن هيجل الذي راهن على نهايةٍ مطلقةٍ لهذه الحركة لم يُفلت من نقدٍ لاذعٍ من أولئك الذين رأوا في فلسفته ذروةً للاختلاف لا نهايةً للتوحد، إذ أن حركة العقل في جدليتها لا تستقر على وضعٍ نهائي، بل تنفتح على إمكانياتٍ لا حدّ لها من التأويل لأن كل تركيبٍ هو في الآن ذاته نفيٌ لما قبله وتأكيدٌ لما بعده وهكذا يتوالد الاختلاف من رحم الوحدة المزعومة.
من هنا نجد أنفسنا أمام مفارقةٍ كبرى، وهي أن العقل وهو يسعى إلى النظام والترتيب لا يملك في الواقع إلا أن يُنتج فوضى خصبة من التأويلات. ذلك أن العقل كونه نشاطاً إنسانياً لا إلهياً يظل مرتبطاً باللغة التي هي وعاؤه الطبيعي واللغة ليست مرآةً شفافةً للحقيقة بل هي نظامٌ من العلامات التي تتغير دلالاتها بحسب السياقات والمقامات والأهواء. حين يقول أرسطو إن العقل هو صورةُ الصور فإنه يُلمّح إلى أن العقل ليس سوى انعكاسٍ لانعكاساتٍ متتالية وكل انعكاسٍ يُشوّه الأصل ويُعيد إنتاجه بصورةٍ مغايرة. وإذا كان أرسطو قد وضع قوانين القياس المنطقي كضمانةٍ لصدق الاستدلال فإن هذه القوانين نفسها لم تمنع تلاميذه والمعلقين عليه من الانقسام إلى مدارسَ متباينة، كل يقرأ النصوص الأرسطية من زاويةٍ تخالف الأخرى. فالمتن الأرسطي بتلك الدقة المنطقية التي يُضرب بها المثل، أصبح مادةً لتأويلاتٍ متضاربةٍ جعلت من المنطق نفسه حقلَ معركةٍ بين من يراه نسقاً جامداً ومن يراه آلةً حيةً تتفاعل مع متغيرات الوجود.
وإذا انتقلنا إلى العقلانية الحديثة بتجلياتها في فلسفة كانط نجد المسألة تتعقد أكثر. كانط في نقده للعقل المحض لم يكتفِ بتحديد حدود العقل بل مضى إلى تفكيك بنيانه الداخلي مفرقاً بين الأحكام التحليلية والتركيبية وبين الظاهرات والنوامين مقدماً لنا صورةً للعقل كقاضٍ يُشرّع قوانينه على الواقع بوصفه موضوعاً للتجربة. لكن هذا التشريع الكانطي بكل دقته وأصالته لم يُسفر عن وحدةٍ في المذهب بل عن تشظٍ كبير إذ أن "نقد العقل المحض" نفسه ألهم مدارسَ متضاربة، بعضها رأى فيه دفاعاً عن الميتافيزيقا وبعضها الآخر اعتبره نقضاً لها وثالثةٌ تجاوزته إلى فلسفاتٍ أخرى بنيت على أنقاضه أو على امتداده. ويبدو العقل الكانطي في سعيه الحثيث إلى إرساء دعائم المعرفة على أسسٍ متينة كمن يزرع بذور خلافٍ معرفيٍ عميق، فكلما حاول أن يُحكم قبضته على موضوع المعرفة انفلتت منه زوايا جديدة تحتاج إلى تأويل وكل تأويل يفتح باباً لمزيدٍ من التساؤلات التي تعيد صياغة العقلانية ذاتها من الداخل.
إننا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن العقلانية في حقيقتها الباطنة تعيش حالةً من التوتر الدائم بين الرغبة في التماسك والخوف من الانغلاق. فهي من جهةٍ تحلم بنظامٍ كاملٍ لا يُخترق أشبه ما يكون بالنسق الهندسي لإقليدس حيث كل مُسلّمة تؤدي إلى نتائجها حتماً وكل نظرية تنسجم مع سابقاتها في بناءٍ صلب لا يتزعزع. لكنها من جهةٍ أخرى تدرك أنها ليست سوى فاعليةٍ بشريةٍ تعبث في نسيج الوجود بيدٍ لا تخلو من الهفوات وأن إنتاجها للمعرفة هو في حقيقته إنتاجٌ لاحتمالاتٍ لا تنتهي. وهذه الازدواجية هي التي تجعل من العقلانية ظاهرةً تاريخيةً متجددة لا كما يظن بعضهم أنها جوهرٌ ثابتٌ خارج الزمان والمكان. فالعقل الأرسطي ليس العقل الديكارتي، والعقل الديكارتي ليس العقل الهيغلي، والعقل الهيغلي ليس العقل النيتشوي أو الفوكوي، لكن رغم هذه التحولات الجوهرية يظل السؤال عن إنتاج العقل للاختلاف سؤالاً عبّر عنه كل عصرٍ بلغته ومفاهيمه. نيتشه مثلاً كان من أشد المنتقدين للعقلانية التي تزعم أنها تؤدي إلى الحقيقة الموضوعية، فرأى فيها إرادةً خفيةً للسلطة تُخفي تناقضاتها خلف ستارٍ من المنطق، وذهب إلى أن كل تأويلٍ هو تعبيرٌ عن رغبةٍ دفينة وأن العقل مجرد أداةٍ في يد الغرائز فلا يمكن أن يكون مصدراً لوحدةٍ حقيقيةٍ لأن جذوره مُشتبكةٌ في تربة الاختلاف والصراع.
لكن هل يعني هذا أن العقل عاجزٌ بطبيعته عن إنتاج أي شكلٍ من أشكال الوحدة؟ كلا، بل إن العقل يمارس نوعاً من الوحدة الإجرائية التي لا تعني التطابق في النتائج بل تعني الاشتراك في قواعد اللعبة نفسها. فمن يعقلن يلتزم بمنهجٍ في الاستدلال ويخضع لمعاييرٍ من الاتساق والتناسق ويقبل بفكرة الحجة والبرهان، وهذا الالتزام الإجرائي هو وحدته الحقيقية، أما ما يُنتجه من تأويلاتٍ مختلفة فهو ثمرةٌ طبيعيةٌ لثرائه الحيوي. وكأن العقل بهذا المعنى أشبه ما يكون باللغة، فاللغة نظامٌ واحدٌ يجمع المتكلمين بها، لكنها في الآن ذاته أداةٌ لإنتاج خطاباتٍ لا تُحصى يتنازعها الشعراء والفلاسفة والعلماء والعامة، كل يستعملها لبناء عالمه الخاص. ونجد أن العقلانية لا تؤدي إلى الوحدة بمعنى التطابق بل تؤدي إلى وحدةٍ من نوعٍ آخر هي وحدة الإطار والمنهج، وهي وحدةٌ لا تمنع الاختلاف بل تحفزه وتشرعنه لأنها تمنح كل تأويلٍ شرعيته ما دام يلتزم بقواعد اللعبة العقلانية. إن العقل هو في آنٍ معاً جامعٌ ومفرق، لكنه جامعٌ على مستوى الشكل ومفرقٌ على مستوى المضمون، وهو بهذا يشبه النسيج الذي تتشابك خيوطه في بنيةٍ واحدةٍ مع أن كل خيطٍ يحتفظ بلونه ونوعه.
غير أن هذه الرؤية الإجرائية للعقل لا تحل الإشكال كله، لأنها تظلّ محكومةً بإشكاليةٍ أعمق هي إشكالية المعنى. فهل يمكننا أن نتحدث عن معنى واحد للأشياء يظل ثابتاً رغم تعدد التأويلات أم أن المعنى نفسه ينبثق من التأويل وبالتالي يتعدد بتعدده؟ لقد طرح غادامير هذه القضية في فلسفته التأويلية حين رأى أن الفهم ليس مجرد إعادةٍ لإنتاج نية المؤلف بل هو اندماجٌ لآفاقٍ مختلفة حيث يندمج أفق القارئ مع أفق النص في عملية خلاقة تنتج معنى جديداً لا يمكن ردّه إلى الأصل. وهذا يعني في سياق حديثنا أن العقل حين يواجه نصا أو واقعاً أو مسألة لا يكتشف معنىً موضوعياً كان كامناً هناك بل يُشارك في بنائه ويُضيف إليه من خلفياته واهتماماته وتاريخيته فيكون الاختلاف في التأويلات ليس نقصاً في العقلانية بل هو تعبيرٌ عن غناها وقدرتها على التكيف مع شروطٍ تاريخيةٍ وثقافيةٍ متغيّرة. إن العقلانية ليست برجاً عاجياً يُطل منه العاقل على الحقيقة في وحدتها البكر بل هي سوقٌ للرؤى تتلاقح فيه التأويلات وتتصارع ليخرج من رحم الصراع ما يمكن تسميته بالمعرفة المؤقتة، تلك المعرفة التي لا تدعي الأزلية ولا الكمال بل تكتفي بأن تكون مقنعة في زمنها وقابلة للنقض أو التعديل في زمنٍ لاحق.
إننا إذ نتبنى هذه النظرة إلى العقل نكون قد تجاوزنا المأزق التقليدي الذي يرى في الاختلاف آفةً تصيب العقلانية من الخارج، إلى موقفٍ يعتبر الاختلاف جزءاً من بنائها الداخلي، بل شرطاً لاستمرارها وحيويتها. فالعقل الذي لا يُنتج اختلافاً هو عقلٌ ميتٌ، عقلٌ أسيرٌ دوغمائيته، لا يختلف عن الإيمان الأعمى في شيءٍ سوى الشكل. والعقلانية الحية هي التي تبقى في حالةٍ من التوتر والقلق تطرح الأسئلة ولا ترتاح إلى إجاباتٍ نهائية وتُخضع كل يقينٍ إلى تمحيصٍ جديد، وهذه الحركة الدائبة هي التي تُنتج عن حق ذلك التعدد الخصب في التأويلات الذي يُميّز تاريخ الفكر الفلسفي والعلمي على السواء. لقد كان كارل بوبر من أوائل الذين أدركوا هذه الحقيقة في مجال فلسفة العلوم، حيث جعل من قابلية التكذيب معياراً للعلمية مؤكداً أن أي نظريةٍ علميةٍ لا تستحق اسم العلم إلا إذا كانت قابلةً للنقض والتجاوز، وهذا يعني أن العقلانية العلمية لا تؤدي إلى اليقين المطلق بل إلى يقينٍ مؤقت قابلٍ للتفكيك والبناء من جديد، وكل تفكيك هو إنتاجٌ لاختلافٍ معرفيٍ جديد.
غير أن هذا التعدد مهما بدا محموداً في سياق العقلانية النقدية يطرح إشكالاً عملياً على مستوى الممارسة الاجتماعية والسياسية إذ كيف يمكن للعقل أن يكون أساساً للتفاهم والحوار إذا كان هو نفسه أداةً لإنتاج الاختلاف؟ هنا نصل إلى نقطةٍ جوهريةٍ تتعلق بالدور التواصلي للعقل وهو دورٌ أبرزه هابرماس في نظريته الفعل التواصلي حيث رأى أن العقل ليس مجرد أداةٍ معرفيةٍ فردية بل هو أساسٌ للتفاهم بين الذوات في فضاءٍ عموميٍ يقوم على الحوار والجدال، شريطة أن يُلتزم المتحاورون بمعاييرٍ عقلانية من الشفافية والصدق والإنصاف. لكن هابرماس نفسه لم يُغفل حقيقة أن التوافق الذي ينتج عن هذا الحوار ليس توافقاً نهائياً بل هو توافقٌ مؤقتٌ يعكس الظروف التاريخية لوقوعه، مما يعني أن العقل التواصلي لا يلغي الاختلاف بل يُنظّمه ويُؤطره فيجعل من الاختلاف مادةً للحوار بدلاً من أن يكون عائقاً أمامه. ونجد العقلانية في صورتها التواصلية تحافظ على مشروعها الوحدوي في المستوى الإجرائي والأخلاقي بينما تترك الباب مفتوحاً لتعددية التأويلات في المستوى المعرفي والمضموني وكأنها تقول لنا إن الوحدة التي ننشدها ليست وحدة الرأي بل وحدة الطريقة ووحدة الاعتراف بالآخر كشريكٍ في البحث عن الحقيقة لا كخصمٍ يجب إسكاته أو إلغاؤه.
وإذا تأملنا هذه الرحلة العقلية في أعماق الفلسفة نجد أن كل محاولةٍ لتجميد العقل في قالبٍ واحدٍ قد باءت بالفشل وأن كل نظامٍ فلسفيٍ حاول أن يُنتج معرفةً نهائيةً سرعان ما تفككت أجزاؤه تحت وطأة القراءات النقدية والتأويلات المتجددة. ليس العقل إذن كالنقطة الجامدة التي تُبقي كل شيءٍ في مدارها بل هو كالدوامة التي تجذب الأشياء إليها ثم تلفظها في اتجاهاتٍ شتّى، إذ أن قوّته ليست في ثباته بل في حركته وليس في يقينه بل في شكّه وليس في وحدته الساكنة بل في توالده المستمر للاختلافات التي تمنح الفكر نضجاً وامتداداً. وعلى الرغم من أن بعض الفلاسفة كسبينوزا مثلاً قد حلموا بمنظومةٍ عقلانيةٍ شاملةٍ تنتظم فيها الجزئيات في كلٍّ متجانس ورأوا في العقل سبيلاً إلى التحرر من الآلام والانفعالات إلا أن التاريخ الفلسفي بيّن أن هذا الحلم بقدر ما هو نبيل يظلّ حلماً لا يمكن تحققه في عالمٍ تتشابك فيه عواملُ الذاتية والتاريخ واللغة لتُشكّل شبكةً من الإمكانيات التي لا يمكن حصرها. ونستطيع أن نقول إن العقلانية في أعمق مستوياتها هي فلسفة الاختلاف بقدر ما هي فلسفة النظام وأنها تُنتج الوحدة كأفقٍ تنظيمي لكنها تُنتج التعدد كواقعٍ معاشٍ لا مفرّ منه.
وإذا كان العقل في حركته الجدلية وتاريخانيته المفتوحة يؤسس للاختلاف كشرطٍ لاستمراره فإن السؤال لا ينتهي عند حدود المعرفة النظرية بل يمتد ليشمل الفعل الإنساني بأبعاده العملية والأخلاقية. فالعقل حين يغادر حيز التأمل الذاتي ليتوجه إلى العالم بوصفه مجالاً للتدخل والإرادة، ولا يجد نفسه أمام موضوعٍ جامدٍ ينتظر الكشف بل أمام نسيجٍ معقدٍ من العلاقات والملابسات التي تحتمل قراءاتٍ متضاربة وتستدعي أحكاماً لا تستقر على رأيٍ واحدٍ أبداً. إن العقل العملي في صيغته الكانطية حاول أن يُرسخ مبدأ الوصاية الأخلاقية الجامعة عبر الإرادة الخيرة والقانون الأخلاقي الكوني، لكن هذا القانون نفسه بكل تجريده وعلوّه أثار في تاريخ الفلسفة الأخلاقية نقاشاتٍ لا تنتهي حول كيفية تطبيقه على حالاتٍ فرديةٍ لم يتوقف عندها كانط في تفصيلاته فأصبحت الوصايا الأخلاقية الكبرى ميداناً لتأويلاتٍ تتفاوت بين التشدد والمرونة، بين الحرفية والروحية وبين فهم الواجب كالتزامٍ صارمٍ وبين النظر إليه كاستجابةٍ حدسيةٍ للظرف. ونحن هنا في قلب الأخلاق نجد العقلانية تتصارع مع تعقيد الحياة الواقعية فتبدو وكأنها تقدم حلولاً عامة لكنها تترك التفاصيل الدقيقة لاجتهاداتٍ فرديةٍ تستحيل معها وحدة الرأي وتتنوع معها التأويلات بتنوع التجارب والمصالح والقيم التي تُشكِّل وجدان كل عاقل.
ففي السياسة مثلاً تبدو العقلانية وكأنها تدعو إلى نظامٍ عقلانيٍ للدولة كما رأى ذلك أفلاطون في جمهوريته التي يقوم فيها الحكم على أسسٍ فلسفيةٍ يقودها العقلاء، غير أن هذه المدينة الفاضلة في واقع الأمر لم تكن يوماً سوى مثالا نظريا أثار من الاختلافات والتأويلات ما يفوق ما أثارته أي مدينةٍ فعلية إذ ذهب بعضهم إلى اعتبارها نموذجاً مثلياً يجب الاقتداء به ورأى آخرون فيها نواةً للشمولية والديكتاتورية الفلسفية، وفريقٌ ثالثٌ اعتبرها تنبيهاً رمزياً لا يُطلب تحققه بقدر ما يُطلب أن يظل بعيداً منالاً كي يكون ناقداً للواقع لا بديلاً عنه. والعقلانية الحديثة في السياسة بتجلياتها في نظرية العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو لم تخرج عن هذه القاعدة حيث أن فكرة العقد كتعبيرٍ عن الإرادة العاقلة للجماعة تحولت في التطبيق إلى نظم سياسية متباينة تراوحت بين الملكية الدستورية والديمقراطية الراديكالية وكلها تدعي أنها التفسير الصحيح لمقتضيات العقل في إدارة الشأن العام، بينما هي في الحقيقة قراءاتٌ مختلفةٌ لجوهرٍ نظريٍ لا ينفصل عن سياقاته التاريخية ورهاناته الأنثروبولوجية. فالعقل هنا بدلاً من أن يكون جامعاً للجماعة حول مشروعٍ سياسيٍ واحد أصبح أداةً لتبرير مشاريعَ سياسيةٍ متعددة كلٌ منها يلبس ثوب العقلانية ويحتج بمنطقها لشرعية اختياراته، وتتوالد الدولة العقلانية في صورٍ متعددةٍ كما تتوالد التأويلات الفلسفية حول ماهية العدالة وكأن العقل يُمسك بالقلم ليكتب دستوراً لكن كل قارئ يرى في نصوصه ما يتوافق مع ميوله وتطلعاته.
إن هذه الظاهرة التي قد تبدو للبعض فشلاً للعقل في مهمته التوحيدية هي في حقيقة الأمر انعكاسٌ لطبيعة العقل ذاتها، تلك الطبيعة التي لا تكتمل إلا بالآخر، بمعنى أنها لا تستطيع أن تدرك حدها إلا حين تصطدم بحد غريب عنها، وهذا الارتطام هو ما يُنتج المعنى الجديد، وهو ما يمنع العقل من أن يتحول إلى نظام مغلقٍ يلتهم كل ما يخالفه. لقد عبر ميشيل فوكو عن هذه الحقيقة بطريقةٍ مختلفةٍ حين نظر إلى العقلانية باعتبارها ممارسةً تاريخيةً للسلطة وأنظمةً معرفيةً تتغير بتغير العصور، لكنه لم يقل بإلغاء العقل بل قال بفضح هشاشته النسبية وتفكيك مسلّماته ليكشف عن أن كل عصرٍ ينتج عقله الخاص وكل عقل خاص يُنتج حقيقةً خاصةً، وهذه الحقيقة لا يمكنها أن تدعي العالمية دون أن تُغفل الاختلافات التي تُشكلها من الداخل. إن الاختلاف الذي تُنتجه العقلانية ليس اختلافاً هامشياً أو عَرَضياً بل هو اختلافٌ بنيويٌ يحفر في صميم المفهوم العقلاني بحيث يصبح من المستحيل الحديث عن عقلٍ واحدٍ يتعالى على كل تأويل بل عن عقلياتٍ متعددةٍ تتنافس في فضاءٍ مفتوحٍ على السجال والتصحيح المستمرين.
لكن أليس في هذا القول تراجعٌ عن قيمة العقلانية نفسها وتفريطٌ في دورها كمعيارٍ للتمييز بين الصواب والخطأ وبين الحقيقة والوهم؟ كلا، بل هو تحريرٌ للعقلانية من أسطورة الحياد المطلق وإعادةُ اعتبارٍ لها كفعلٍ إنسانيٍ يمارس في ظل شروطٍ تاريخيةٍ ولغويةٍ واجتماعية حيث لا يمكن فصله عن رغبات الفاعلين وتطلعاتهم وخلفياتهم الثقافية، وهذا لا يقلل من قيمته بل يضفي عليه بعداً نقدياً يجعل منه أداةً فاعلةً لا في الكشف عن الحقيقة فحسب بل في تفكيك الخزعبلات والدعاوى الباطلة التي تتخفى خلف أقنعة العقلانية الزائفة. فالعقل النقدي المتشبث بالتشكيك المنهجي وفحص الأدلة والنظر في البدائل هو العقل الذي ينتج الاختلاف لكنه ينتجه في إطارٍ من المسؤولية أي لا يترك الأمور للانفلات الفوضوي بل يُخضعها لمنطق الحوار الذي يُلزم المتكلمين بتقديم حججهم ومواجهة نقد الآخرين، وهذا هو الأفق الأخير للعقلانية التي لا تريد أن تُصبح أيديولوجيةً جديدةً بل تريد أن تظل حركةً دائمةً من البحث عن معنى لا يكتمل إلا بتعدد آفاقه وامتداداتها.
حتى في مجال العلم الذي يُعد نموذجاً للعقلانية الموضوعية بامتياز نجد هذه الآلية تعمل بقوة، إذ أن العلم لا يتقدم باتفاقٍ تام حول النظريات بل بفعل التنافس بين النماذج والبرامج البحثية المختلفة، كما أشار إلى ذلك توماس كون في مفهومه للثورات العلمية حيث يرى أن العلم يتطور عبر أزماتٍ تفضي إلى تحولاتٍ باراديغماتية لا يمكن اختزالها إلى مجرد تراكم معرفي بل هي قفزاتٌ تفسيرية تعيد بناء الموضوع العلمي برمته، وهذا التحول ليس أقلّه إنتاجاً للاختلاف إذ يولد من رحم كل باراديغمٍ جديدٍ أسئلةً ومشكلاتٍ لم تكن مطروحة من قبل ويُعيد صياغة الأسئلة القديمة في قوالب جديدة بحيث يصبح تاريخ العلم تاريخاً للخلافات العميقة حول طبيعة الظواهر ومناهج دراستها ومعايير التحقق منها. والعالم العقلاني في هذه اللعبة المعرفية لا يُفكر بمفرده خارج سياق الجماعة العلمية التي تُشاركه الأعراف والضوابط لكنه يُفكر أيضاً في مواجهة هذه الجماعة حين يشعر أنها تتحجر في نموذجٍ بالٍ، وهذه المواجهة ليست خروجاً على العقلانية بل هي إحدى تجلياتها الأكثر شجاعة لأنها تؤكد أن العقلانية ليست خضوعاً للسلطة المعرفية القائمة بل هي تمرينٌ دائمٌ على الشك والمراجعة، وهذا التمرين هو بالذات ما يضمن استمرار الاختلاف كقوةٍ محركةٍ للمعرفة لا كعائقٍ أمام انسجامها المزعوم.
وبعد هذا السير في مناحي العقلانية وأغوار الاختلاف نصل إلى ما يمكن اعتباره وقفةً استعراضيةً لا نهائيةً ذلك أن الموضوع بطبيعته يفلت من كل إغلاق معرفي أو حكم قطعي ويفضل أن يترك الباب مشرعاً على احتمالاتٍ لا تُحصى. فالعقلانية ليست في نظرنا تلك الهيئة المطلقة التي تُلغي التعدد باسم النظام ولا هي تلك الفوضى التي تبرر كل قراءة باسم الحرية بل هي تلك الرقعة الممتدة بين النقيضين حيث يُمارس العقل فعله في وسطٍ من التوتر الخلاق ويتقبل الاختلافات ولا يسعى إلى طمسها، لكنه في الوقت ذاته يفرض على أصحابها أن يتكلموا لغةً مشتركةً تقوم على الاحترام المتبادل والإحالة إلى أدلةٍ ومنطقٍ وبراهين. وهذه اللغة المشتركة في جوهرها ليست ضماناً للاتفاق بقدر ما هي ضمانٌ لاستمرار الحوار لأنها تُنشئ فضاءً عمومياً لا تختفي فيه الأصوات المختلفة بل تتصاعد فيه كلما تشابكت الأوتار في سيمفونيةٍ ناقصةٍ لكنها صادقة في تنافرها المعلن كما أن تنافر الأصوات في الموسيقى هو ما يُنتج لحناً غنياً لا تملّه الأذن، كذلك العقل في جدله مع ذاته ومع الآخرين لا يمل ولا يُمل لأنه يبقى متلهفاً إلى اكتشاف الجديد وحريصاً على نقد القديم وواعياً بأن كل تأويلٍ ليس سوى محطةٍ في رحلةٍ لا متناهيةٍ نحو حقيقةٍ تلوح في الأفق دون أن يُمسك بها أحدٌ على نحوٍ نهائي.
إننا إذ ننهي هذا التأمل لا نستطيع أن نُعلن انتصاراً كاملاً لأحد طرفي المعادلة، لا للوحدة التي نحلم بها كملاذٍ من الفوضى ولا للتعدد الذي نعيشه كواقعٍ لا فكاك منه بل نستطيع أن نقول إن العقلانية الأصيلة هي تلك التي تُدرك أن الوحدة الحقيقية لا تُبنى على إلغاء الاختلاف بل على إدارته وأن التعدد الخصب لا يتحقق بالفوضى بل بالانضباط الإجرائي الذي يسمح للاختلافات بالتعبير عن نفسها في إطارٍ تحترم فيه القواعد وتُفحص الحجج وتُقبل النتائج كأحكامٍ قابلةٍ للنقض. وهكذا تكون العقلانية في أسمى معانيها فنا للعيش مع الاختلاف وفنا للتفكير معاً رغم التباين وفنا لإنتاج المعنى من رحم التناقض دون أن تسقط في وهم اليقين المطلق ودون أن تستسلم لليأس النسبوي. وفي هذا الفضاء الوسيط حيث تتلاقح الأضداد وتتناسج في نسيجٍ واحد تُكتب فلسفةٌ جديدةٌ للعقل لا تخلو من الرهبة أمام غموض الوجود لكنها تمتلئ بالأمل في قدرة الإنسان على أن يظل عاقلاً في عالمٍ لا يخلو من الجنون وأن يظل متفقاً في اختلافاته مختلفاً في اتفاقاته متجدداً في ثباته ثابتاً في تجدده، لأن العقل ليس في النهاية إلا تلك النغمة التي تبحث عن تآلفها مع نغماتٍ أخرى عارفةً أنها لن تكتمل إلا بذلك السعي الدائب وبذلك الحوار الذي لا ينقطع بين الذات والعالم، بين النظر والعمل، بين الواحد والمتعدد، بين النظام والفوضى وبين الحلم الوحدوي والواقع المتشظي. فليكن العقل إذاً رحلةً لا وصولاً وسؤالاً لا جواباً واختلافاً لا انسجاماً، لكنه اختلافٌ يظل متشبثاً بالبحث عن أفقٍ للفهم المشترك كما تظل السفينة تبحر في عرض البحر بحثاً عن شاطئٍ بعيد مدركةً أن رحلتها هي ذاتها معناها وأن الأمواج التي تُبدّد اتجاهها هي ذاتها التي تمنحها حركتها وحيويتها ووجودها في هذا الوجود العجيب.
***
د. حمزة مولخنيف








