عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: سيمياء الانحدار.. من ثغور الوعي إلى جحور التشيؤ

في مأزق التحول الوجودي

تمثل التحولات المعاصرة في بنية الوعي الإنساني انعطافة دراماتيكية تتجاوز مجرد التطور التقني أو الاجتماعي، لتنال من الجوهر الوجودي للكائن البشري. إن الانتقال من مفهوم "الثغور"، بوصفها فضاءات للمواجهة المفتوحة والتبادل المعرفي واليقظة الحدودية، إلى "الجحور"، التي ترمز للتقوقع النفسي والوعي النفقي المنغلق، يعكس أزمة عميقة في مسار الحداثة.

تتبدى هذه الأزمة في ظاهرة "تشيؤ التوحش"؛ تلك العقلية البدائية الكامنة التي تلبس لبوس التقدم، حيث تحول "الإنسان المتفوق" من مشروع للتسامي الروحي إلى أداة لقرصنة القيمة الرمزية والمادية. من خلال قراءة فلسفية نقدية تستند إلى أدوات الفكر النقدي والأنثروبولوجيا البنيوية، سنحاول استكشاف كيف تهاوت قلاع الوعي من شموخ الثغور إلى ضيق الأنفاق.

فلسفة المكان ومنطق الثغور والجحور

إن الرمزية المكانية في الخطاب الفلسفي ليست مجرد استعارات بلاغية، بل هي توصيفات دقيقة لنمط حضور الإنسان في العالم. فالثغور، تاريخياً وفلسفياً، تمثل نقاط التماس والاشتباك، حيث يكون الوعي في حالة قصوى من الانتباه والمسؤولية. الثغر هو المكان الذي لا ينام فيه المرء، ليس خوفاً من الآخر، بل إدراكاً لخطورة فقدان الذات أو التنازل عن القيم.

في مقابل ذلك، يبرز "الجحر" كاستراتيجية انكسار للوعي. إذا كان الثغر يمثل المواجهة، فإن الجحر يمثل الهروب. هنا تتحول المقاومة من فعل "تثغير" (أي فتح ثقوب في جدران الجمود لإدخال الضوء) إلى فعل "تجهير" (أي الغوص في باطن الانغلاق). هذا التحول ليس جغرافياً، بل هو تبدل في ماهية "الرؤية"؛ فالإنسان الذي كان يراقب الأفق من فوق الثغور، صار يبحث عن الأمان الزائف في عتمة الأنفاق.

جدلية الانفتاح والانغلاق في الوعي المكاني

يشير التحليل الفلسفي للوعي المكاني إلى أن "الثغور" تتطلب شجاعة وجودية لسد الثقوب، ليس أمام الراحلين، بل أمام الانهيار القيمي. الوعي الحقيقي هو الذي يقدر من يبحث في الصخر لأجل موقف إنساني يطيل أمد الود والارتباط. ومع ذلك، فإن الإنسان المعاصر يميل تدريجياً نحو "الوعي النفقي".

في الوعي النفقي، يفقد الكائن قدرته على الإبصار الشمولي ويصبح أسيراً لرؤية أحادية الجانب. هذا الانغلاق يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الهوية بشكل مشوه، قائم أساساً على الخوف من "الفضاء المشترك". الهروب إلى الجحور الرقمية والأيديولوجية هو في حقيقته ذعر من مواجهة الحقيقة التي تفرضها الثغور؛ ففي الثغر أنت مكشوف أمام العالم، أما في الجحر فأنت تعيش وهم السيادة في عزلة مظلمة.

تشريح الوعي النفقي: من سجون الإدراك إلى زنازين الخوارزمية

يعد الوعي النفقي ذروة الانحدار الوجودي. إنه حالة من الضيق الإدراكي الحاد، حيث يُختزل العالم بكل تناقضاته وثرائه إلى مسار أحادي ضيق. في العصر الرقمي، تحول الوعي النفقي من حالة نفسية عارضة إلى بنية تقنية مفروضة قسراً عبر "الخوارزميات" من خلال:

 هندسة الانعزال: تعمل الأنظمة الرقمية كمهندس أنفاق بارع؛ فهي تدرس تفضيلاتك ومخاوفك، ثم تبني حولك نفقاً من المحتوى الذي يشبهك تماماً. داخل هذا النفق، يختفي "الآخر" المختلف، ويتحول الفضاء المشترك إلى "غرف صدى" لا يسمع فيها الإنسان إلا صدى صوته، مما يؤدي إلى تصلب فكري وتفتت مجتمعي.

اقتصاد الانتباه وتشيؤ النفس: تعمد الليبرالية الجديدة إلى حصر انتباه الإنسان في ممرات استهلاكية ضيقة. يُدفع الإنسان للاهتمام بـ "الآن" و"الهنا" فقط، مما يسلبه القدرة على التأمل العميق. هذا الوعي هو "وعي وظيفي" لا "وعي وجودي"؛ إنه يبحث عن المخارج السريعة واللذات اللحظية بدلاً من المعنى الرفيع.

الهروب من رعب الحرية: فلسفياً، يُختار "الجحر" لأنه يوفر جدراناً صلبة ومساراً محدداً. مواجهة العالم من فوق الثغور تتطلب شجاعة مواجهة المجهول، لذا يفر الإنسان المعاصر إلى النفق لأنه يوفر له شعوراً زائفاً بالأمان وسط قطيع رقمي يشاركه ذات الأوهام.

تحولات الإنسان المتفوق: من التسامي إلى العقلنة الأداتية

بدأت الحداثة بوعود "الإنسان المتفوق" الذي يمتلك إرادة القوة والقدرة على خلق قيمه. ومع بداية الثورة الصناعية، مضى الإنسان في صراع مستمر للانتصار على الطبيعة. إلا أن هذا المسار لم يفضِ إلى التحرر، بل أدى إلى "عقلنة" مشوهة أدت إلى سيطرة التقنية على الروح.

إن "الإنسان المتفوق" في السياق المعاصر تحول إلى كائن يهدف إلى التحكم في الأشياء والأشخاص بدلاً من التفوق الروحي. لقد أصبح الفرد ينظر إلى غيره كوسائل نفعية، مما أفقد العلاقات الإنسانية طابعها القيمي القائم على الإيثار. هذا التحول يمثل العودة إلى "العدالة الفطرية" الصراعية التي انتقدها أفلاطون، حيث يفتقر المجتمع إلى هدفه الأسمى وهو التعقل وإدراك الماهيات المجردة.

تشيؤ التوحش واستعارة الغابة في الأسواق العالمية

يشير مصطلح "تشيؤ التوحش" إلى الطريقة التي يتم بها دمج الغرائز البدائية العنيفة داخل أنظمة عقلانية وتقنية معقدة. التوحش لم يعد يمارس في "الغابة" الجيولوجية، بل في "غابة الأسواق" والبيئات الرقمية، حيث يتم تحويل العنف إلى "شيء" أو بضاعة قابلة للتداول.

في المجتمعات البدائية، كان التوحش فعلاً مرتبطاً بالبقاء الطبيعي (جمع الثمار وصيد البر). أما في الإنسان المعاصر، فقد تحول "الجمع" من جمع الثمار إلى "جمع البيانات" و"جمع السلع" عبر قرصنة البضاعة الرمزية والمادية. إن الفائض الإنتاجي تحول إلى سباق محموم على "غزو المصير" والقلق الوجودي.

إن التوحش المعاصر "متشيء" لأنه يختبئ خلف الأنظمة البيروقراطية. فالسياسة النفسية للنظام الاقتصادي المنفلت تستخدم تقنيات سلطة "ذكية" لا تمنع الفعل، بل تحفزه بشكل يخدم الهيمنة، محولةً رغبات الإنسان إلى مسارات استهلاكية ضيقة تشبه "الجحور".

العقلية البدائية في ثوب الحداثة وقانون المشاركة

على عكس الاعتقاد السائد بأن الحداثة قضت على الخرافة، يرى رواد مدرسة "نقد العقل" (أدورنو وهوركهايمر) أن العقل العلمي الحديث يمتلك جذوراً أسطورية. التمييز بين الفكر الأسطوري والفكر العلمي هو تمييز في الدرجة وليس في النوع؛ فالإنسان المعاصر يظل ربيباً لأفكار مسبقة متداخلة في نسيجه الثقافي.

في العالم المعاصر، تظهر البدائية في شكل "الأسطرة المعاصرة" في الإعلام والسياسة. فالإنسان الحديث، رغم ادعائه العقلانية، يمارس نوعاً من "السحر التقني" حيث يتعامل مع الآلات والخوارزميات كقوى غيبية تتحكم في مصيره، تماماً كما كان الإنسان القديم يتعامل مع الرموز الطوطمية. وهنا يبرز الفن بوصفه القوة التي تذكر الإنسان ببدائيته الكامنة، لا كعيب، بل كقوة تخيلية تم كبتها لصالح العقل الآلي الأداتي.

القرصنة الرمزية والسياسة النفسية

في عصر "تشيؤ التوحش"، لم تعد القرصنة فعلاً فيزيائياً يقتصر على أعالي البحار، بل أصبحت "قرصنة بضاعة" رمزية ومعلوماتية. إنها السياسة النفسية التي يتم فيها استغلال الحرية نفسها كأداة للسيطرة. الإنسان المعاصر، الذي يظن أنه يتحرر من خلال الاستهلاك، هو في الحقيقة يمارس قرصنة لذاته، محولاً تجاربه الحميمية إلى "بضائع" قابلة للعرض والبيع في جحور المنصات الرقمية.

هذا التحول يكرس "الوعي النفقي"؛ حيث يصبح الإنسان "صياد بيانات" في نفق مظلم، بدلاً من أن يكون "زارع قيم" على ثغور المجتمع. إن "الجمع" المعاصر هو جمع استلابي يفرغ الذات من محتواها لصالح الشيء المتداول.

السحر الرمزي والضحكة الفلسفية العميقة

لم يكن الإنسان الأول كائناً بدائياً بالمعنى السطحي؛ بل كان يمتلك ذكاءً وقدرة على التجريد تتجلى في فنون الكهوف. إن استثمار مئات الساعات لصنع رموز فنية في ظروف بقاء صعبة هو دليل على أن الفن "قيمة سيادية" للمجتمع. هذا التبديد للطاقة الحيوية في سبيل الرمز هو ما يمنح الإنسان سيادته على الطبيعة؛ فبينما تخضع الحيوانات للضرورة البيولوجية، يمتلك الإنسان القدرة على "إهدار" وقته وطاقته في خلق عالم من المعاني.

تأتي "الضحكة الفلسفية العميقة" كاستجابة واعية للتناقض الصارخ بين ادعاء "الإنسان المتفوق" وبين واقع "إنسان الجحر". إنها ضحكة تدرك عبثية تشيؤ التوحش، وتعري العقلية البدائية الكامنة تحت قشرة الحداثة. هذه الضحكة ليست سخرية فارغة، بل هي "فعل فلسفي" يعيد الاعتبار للإحساس والتعقل المجرد، بمسحة سقراطية تجاه إنسان يظن أنه غزا الطبيعة بينما هو عاجز عن سد ثقوب باب جحره النفسي.

استعادة الثغور ويقظة الروح

إن الرحلة من الثغور إلى الجحور، وبالعكس، هي صراع الوعي البشري الدائم مع ذاته. وفي ظل "تشيؤ التوحش" المعاصر، تظل "الضحكة الفلسفية" هي العلامة على بقاء الإنسان الحقيقي؛ ذلك الذي يجرؤ على النظر في "الجحر" دون أن يصبح جزءاً منه، والذي يدرك أن "قرصنة البضاعة" هي مجرد وهم للبقاء في عالم يتطلب "إنفاق" الروح واستعادتها من أسر الأشياء. إن العقلية البدائية ليست تاريخاً مضى، بل هي مرآة تعكس لنا كيف يمكن للتقنية أن تصبح قبيلة، وللسوق أن يصبح وثناً، وللنفق أن يصبح وطناً، ما لم نستعد شجاعة "الثغور" ويقظة الروح في مواجهة تيار التشيؤ الجارف.

***

غالب المسعودي