أقلام فكرية
غالب المسعودي: القبح القسري.. أداة سيطرة المنظومات المتطرفة
تمثل الجمالية في الفكر المعاصر مساحة تتجاوز مجرد المتعة البصرية لتصبح حقلاً للاشتباك السياسي والوجودي، حيث يُنظر إلى الجمال كأداة للتحرر وتجلي الفردية، بينما يبرز القبح كأداة، وسم، وسيطرة، وتهميش. إن محاربة المنظومات المتطرفة للفن والجمال ليست مجرد عداء عارض للمظاهر الحسية، بل هي استراتيجية بنيوية تهدف إلى تقويض "الذاتية" لصالح "النمطية"، وتعطيل القدرة البشرية على التمييز النقدي من خلال فرض ما يمكن تسميته بـ "القبح القسري". هذا المفهوم لا يشير فقط إلى غياب السمات الجمالية، بل هو عملية "تسييس" للقبح ليصبح علامة على التبعية، وأداة لضبط الفضاء العام، وآلية لتعطيل الجهاز الإدراكي للأفراد، مما يجعلهم أكثر عرضة للاستقطاب الأيديولوجي العنيف.
القبح سياسة وتراتبية في الفكر المتطرف
لا يُعرف القبح في السياقات السياسية بوصفه نقيضاً فيزيائياً للجمال فحسب، بل يتم توظيفه كعلامة فارقة لترسيخ اللامساواة ووسم الفئات الاجتماعية المهمشة. إن القبح، كما تطرحه الرؤى النقدية، يعمل كعلامة سياسية تشير إلى مجموعة من التدرجات الهرمية واللامساواة بين الأفراد والجماعات. في المنظومات المتطرفة، يُستخدم القبح كخزان لكل ما لا يتناسب مع المعايير الأيديولوجية الصارمة، بما في ذلك "الآخر" العرقي، أو المعارض السياسي، أو الفئات التي ترفض الامتثال للنمط البصري الموحد الذي تفرضه السلطة.
تعتمد هذه المنظومات على ما يسمى "الثنائيات التراتبية"، حيث لا يمثل التقابل بين الجمال والقبح علاقة أفقية بسيطة، بل هو نظام من التبعية والخضوع. الجمال يتم ربطه حصرياً بالهوية السائدة، والنقاء العرقي، والامتثال الأيديولوجي، بينما يُنسب القبح إلى كل ما هو غريب أو مضطرب أو خارج عن السيطرة. هذا التوزيع غير العادل للقيمة الجمالية يجعل من "القبح" مبرراً سياسياً لاستبعاد الأفراد من الفضاء العام، بل وحتى سحب الحقوق المدنية منهم بناءً على "بشاعة" مظهرهم المفترضة أو عدم توافقه مع "المعيار" الذي تضعه الأيديولوجيا.
آليات السيطرة عبر القبح القسري والرتابة البيئية
تمارس الأنظمة المتطرفة والتوليتارية سيطرة مطلقة على الذوق العام من خلال التلاعب بالجماليات البصرية. الهدف ليس فقط نشر أيديولوجيا معينة، بل تنظيم الإدراك البشري بحيث لا يرى الفرد بديلاً للواقع القائم. تبرز هنا استراتيجية "الرتابة القسرية" كأحد أخطر أشكال القبح التي تستهدف البنية النفسية للمجتمع.
العمارة الشمولية وهندسة الامتثال
إن فرض "الرتابة التصميمية" في المدن ليس مجرد خيار فني، بل هو أداة للسيطرة الاجتماعية؛ فالبيئة التي تفتقر إلى التنوع والمعلومات البصرية تؤدي سيكولوجياً إلى شعور الأفراد بالقلق وفقدان التوجه.
يشير "قانون التنوع المطلوب" في علم السيبرنتيقا إلى أن أي نظام يتحكم في نظام آخر يجب أن يمتلك درجة من التعقيد تتفوق على النظام المحكوم. ومن هنا، تسعى المنظومات المتطرفة إلى "تبسيط" المجتمع من خلال فرض رتابة جمالية وبصرية؛ فالمجتمع الذي يعيش في بيئة متطابقة ورتيبة يصبح مجتمعاً أسهل في التنبؤ بسلوكه والتحكم فيه من قبل السلطة المركزية. القبح القسري هنا يتجلى في تحويل الكائن البشري إلى "وحدة" وتجريدها من أي سمات جمالية فردية، الذي يؤدي الى نزع الصفة البشرية عن السكان.
الزي الموحد وتنميط الهوية البصرية
يمثل التحكم في الملابس والمظهر الشخصي أداة حيوية أخرى للمنظومات المتطرفة. ففي إيطاليا الفاشية، سعت الدولة إلى خنق التأثيرات الأجنبية في الموضة وفرض "جمالية لاتينية" رصينة تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية ودعم الصناعة المحلية. كان الهدف من هذه السياسات الجمالية هو تحويل المواطنين إلى "علامات تجارية" تابعة للدولة؛ فالزي الموحد، خاصة للشباب، لم يكن مجرد ملابس، بل كان آلية لطمس الفردية وإدماج الفرد في الكتلة الجماعية.
السعي نحو الأهمية واليقين المعرفي
عندما يواجه الأفراد بيئة "قبيحة" أو رتيبة تفتقر إلى التنوع، يزداد لديهم ما يسمى "البحث عن الأهمية" التطرف ينشأ غالباً كاستجابة لإصابة وجودية أو شعور بالإذلال والرفض في المجتمع السائد. توفر الأيديولوجيا المتطرفة هنا طريقاً لاستعادة القيمة الذاتية من خلال تبني أهداف "عظمى" وقصوى. البيئة التي تفتقر إلى الجمال والتعقيد تزيد من "الحاجة إلى الإغلاق" المعرفي" وهي الرغبة في الحصول على إجابات بسيطة وقاطعة للعالم المعقد". الأفراد الذين يعيشون في بيئات بصرية وفكرية مبسطة (قبيحة في رتابتها) يميلون أكثر نحو التفكير بنمط "أبيض وأسود" ويرفضون التعددية والغموض الفكري.
تثبت أبحاث جامعة كامبريدج أن الأشخاص ذوي الميول المتطرفة يعانون من صعوبة في معالجة المهام العقلية المعقدة ويميلون إلى التبسيط المفرط. هؤلاء الأفراد ينجذبون إلى الأنظمة السلطوية التي تبسط العالم لهم؛ وهي أنظمة تستخدم غالباً "القبح القسري" والرتابة كوسيلة لتقليل الحمل المعرفي وتعزيز الامتثال الجماعي. الحرمان من الجمال إذن ليس مجرد فقدان للمتعة، بل هو آلية لتعطيل الوظائف التنفيذية للدماغ التي تسمح بالتمييز والنقد، مما يجعل الفرد "ترساً" في آلة الأيديولوجيا.
الاحتقان النفسي والاغتراب
تؤدي البيئات القبيحة الى “النفسية المحتقنة “التي تتسم بالاستجابة الفورية العنيفة تجاه أي اختلاف، لأن بيئته لم تدربه على تذوق التنوع الجمالي أو الفكري. في غياب الجمال كقيمة تلطف الروح وتعزز التعاطف، يصبح العنف هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الذات المتأزمة. إن التطرف، بهذا المعنى، هو "تفريغ نفسي" لتوترات داخلية ناتجة عن العيش في "قبح" مادي ومعنوي مستمر.
الجمال كتهديد سياسي
تعتبر المنظومات المتطرفة الفن المستقل والجمال غير المنضبط عدواً وجودياً، لأنه يمثل الفضاء الذي يمكن فيه ممارسة الحرية والذاتية بعيداً عن الرقابة. لذلك، تلجأ هذه المنظومات إلى استراتيجية "التشويه الأيديولوجي" للفنون التي لا تخدم أهدافها.
في المقابل، يتم إنتاج فن "دعائي" يتسم بجمالية زائفة تقدس القوة والجمود. هذا النوع من الفن لا يهدف إلى إثارة الخيال، بل إلى "تحنيط" الواقع في قوالب أيديولوجية جامدة. وكما يشير أدورنو، فإن الفن في الأنظمة القمعية يتعامل مع القبح ليعيد إنتاج العالم على صورته، حيث يتم "تلطيف" القبح البنيوي للنظام من خلال صور بطولية زائفة.
القبح القسري كشرط هيكلي للوجود
لا يقتصر القبح القسري على الأفعال المباشرة للأنظمة السياسية، بل يتعدى ذلك ليصبح "شرطاً هيكلياً للوجود" في المجتمعات التي تعاني من ضغوط أيديولوجية واقتصادية حادة ويبرز مفهوم الجمال القبيح في البيئات ذات الذي يتعرض فيه الإبداع للتنكيل المنهجي، حيث يضطر الفنانون والمبدعون للعمل في "أنقاض" ثقافية، مما ينتج أعمالاً تتسم بالقبح كنوع من الاحتجاج أو كنتيجة حتمية للضغوط القانونية والملاحقات.
هذا القبح الهيكلي يتجلى في تسليع القبح وتحويل المبدعين إلى مجرد مصادر للإيرادات تحت وطأة قوانين جائرة، مما يفرغ العمل الفني من قيمته الجمالية ويحوله إلى "سلعة مشوهة".
في بعض الأحيان، يتم تبني القبح استراتيجياً للتحدث ضد أنظمة الامتياز؛ حيث يتم تصوير "المقدس" أو "الجميل" في نظرالاخر بشكل قبيح لخلخلة المعايير السائدة.
حرمان الفئات المهمشة من الوصول إلى المساحات الجميلة، مما يكرس شعورهم بأنهم ينتمون إلى "عالم قبيح" لا يستحق الرعاية، وهو ما يعزز ثقافة العنف والتطرف كوسيلة للخروج من هذا المأزق.
إن محاربة المنظومات المتطرفة للجمال واستخدامها للقبح القسري كأداة للسيطرة هو عمل يتجاوز الذوق الشخصي ليدخل في صلب "التكنولوجيا السياسية" لإدارة الجماهير. الجمال، بتعدديته وقدرته على إثارة التساؤل، يمثل تهديداً لكل نظام يسعى للتوحيد القسري. أما القبح، في رتابته ووصمه للآخر، فهو الوقود النفسي الذي يغذي آلة التطرف.
يتضح أن الجمال هو المساحة التي يمكن فيها للإنسان أن يكتشف حريته، وأن القبح القسري هو القيد الذي تحاول المنظومات المتطرفة تكبيل الروح البشرية به. إن المعركة ضد التطرف هي في جوهرها معركة من أجل حق الإنسان في أن يدرك العالم بكل تعقيده، وجماله، وحريته.
***
غالب المسعودي
..............................
مراجع:
- أدورنو، تيودور: النظرية الجمالية (في تحليل العلاقة بين الفن والسلطة والقبح).
- فوكو، ميشيل: المراقبة والمعاقبة (في فهم كيف تشكل السلطة الأجساد والفضاءات).
- باومان، زيجمونت: الحداثة والهولوكوست (في تحليل كيف تؤدي الرتابة والبيروقراطية إلى نزع الإنسانية).
- أريندث، حنة: أسس التوتاليتارية (في فهم سيكولوجية الجماهير والنمطية).
- أبحاث جامعة كامبريدج (2021): حول الرابط بين المرونة المعرفية والميول الأيديولوجية المتطرفة.






