أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الفلسفة والفضاء الرقمي
كيف تغيّر الميتافيرس حدود التجربة الإنسانية؟
لم تعد الفلسفة اليوم تقف عند تخوم الأسئلة الكلاسيكية التي صاغت علاقتها بالعالم والإنسان والمعنى، بل وجدت نفسها منخرطة في مساءلة فضاء جديد يتشكّل خارج الإحداثيات المألوفة للوجود المادي، فضاء رقمي لم يعد مجرّد وسيط تقني أو أداة تواصل، بل أصبح أفقا أنطولوجيا ومعرفيا وأخلاقيا يعاد داخله تعريف التجربة الإنسانية ذاتها. إن الميتافيرس بوصفه ذروة تطوّر الفضاء الرقمي، لا يطرح نفسه كتقنية متقدمة فحسب، وإنما كـ«عالم ممكن» بالمعنى الفلسفي، عالم يزاحم الواقع الفيزيائي ويعيد ترتيب العلاقة بين الذات والجسد بين الوعي والمكان، وبين الحقيقة والتمثيل. من هنا تتبدّى الحاجة إلى مقاربة فلسفية كثيفة، لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تسائل شروط إمكانها وحدودها ومفاعيلها العميقة في بنية الوجود الإنساني.
لقد كان الفضاء في التقليد الفلسفي مقولة مركزية في فهم التجربة البشرية. فمنذ أرسطو الذي ربط المكان بالحاوي الطبيعي للأجسام، مرورا بديكارت الذي جعله امتدادا خالصا، وصولا إلى كانط الذي اعتبره حدسا قبليا ينظّم التجربة، ظلّ الفضاء شرطا لإمكان الإدراك والتعيّن. غير أن الفضاء الرقمي كما يتجلّى في الميتافيرس، لا يستجيب لأيّ من هذه التصوّرات على نحو مباشر، إذ هو فضاء لا امتدادي لا طبيعي ولا قبلي بالمعنى الكانطي، بل فضاء مُنتَج تقنيا تُنشئه الخوارزميات وتُعمّده التمثيلات البصرية، وتسكُنه ذوات هجينة نصفها جسدي ونصفها رمزي. هنا يُطرح سؤال فلسفي حاسم: هل نحن أمام توسيع للتجربة الإنسانية أم أمام انفصال تدريجي عنها؟.
إن الميتافيرس لا يُقَدَّم بوصفه بديلاً عن الواقع، بل بوصفه «استمرارية معزَّزة» له، حيث يُعاد تشكيل التفاعل الإنساني عبر صور رمزية تحاكي الجسد دون أن تطابقه، وتُنتج حضورا دون تموضع، وتتيح فعلا دون تماس. هذا التحوّل يستدعي استحضار تحليل ميرلو-بونتي للجسد باعتباره «وسيطا للوجود في العالم»، إذ لا يمكن، في ضوء فلسفته الظاهراتية، تصور وعي منفصل عن جسده. لكن ما الذي يحدث حين يُختزل الجسد إلى تمثيل بصري قابل للتعديل، وحين يصبح الحضور تجربة إدراكية بلا ثقل فيزيائي؟ هل يظل الجسد في الميتافيرس شرطا للتجربة، أم يتحوّل إلى واجهة قابلة للاستبدال؟.
إن هذا السؤال يعيدنا إلى قلب الإشكال الظاهراتي المتعلق بالتجربة المعاشة. فهوسرل حين أسّس للظاهراتية، كان يسعى إلى العودة إلى «الأشياء ذاتها» كما تُعطى في الوعي، لا كما تُفترض نظريا. غير أن الأشياء في الميتافيرس ليست معطاة، بل مُصمَّمة وليست مُدرَكة مباشرة، بل عبر وسائط رقمية تحاكي الإدراك. من هنا أمكننا القول أننا أمام تجربة «مضاعفة»، تجربة لتجربة، حيث لا يعيش الإنسان العالم، بل يعيش تمثيله. وهذا ما يجعل الميتافيرس أقرب إلى ما وصفه بودريار بـ«الواقع الفائق» ، حيث تختفي الحدود بين الأصل والصورة، ويغدو التمثيل أكثر حضورا من المُمثَّل.
غير أن اختزال الميتافيرس في كونه محض محاكاة قد يُغفل بعدا أساسيا فيه، وهو قدرته على إعادة تشكيل المعنى الاجتماعي والرمزي للتجربة. فالإنسان كما نبّهت أرندت، كائن علائقي يتحقق وجوده في الفضاء العمومي حيث الفعل والكلام. وإذا كان الفضاء العمومي في الحداثة مرتبطا بالمكان الفيزيائي، فإن الميتافيرس يفتح أفقا لفضاء عمومي رقمي، تتداخل فيه الذوات عبر وسائط جديدة، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم مثل الحضور والهوية والمسؤولية. هنا لا يعود السؤال مقتصرا على «هل الميتافيرس حقيقي؟»، بل يتجاوز ذلك إلى «ما نوع الحقيقة التي يُنتجها؟».
إن الهوية في هذا السياق تُصبح إشكالاً فلسفيا مركزيا. فالذات في الميتافيرس ليست معطى ثابتا، بل بناء قابل للتشكيل المستمر. يمكن للمرء أن يختار ملامحه وصوته وحتى جنسه وأن يتنقّل بين هويات متعددة دون أن يُلزَم بوحدة ثابتة. هذا الوضع يستحضر أطروحات نيتشه حول الذات بوصفها «صيرورة» لا جوهرا، لكنه في الوقت ذاته يطرح إشكال المسؤولية الأخلاقية، إذا كانت الهوية قابلة للتبديل فمن يتحمّل نتائج الأفعال؟ وهل يمكن الحديث عن أخلاق في فضاء تُمحى فيه آثار الفعل أو تُعاد كتابتها؟.
من جهة أخرى يفرض الميتافيرس إعادة التفكير في مفهوم التجربة ذاته. فالتجربة في معناها الكلاسيكي، كانت ترتبط بالاحتكاك بالعالم بالمخاطرة بالخطأ وبالحدود. أما في الفضاء الرقمي فإن التجربة تُصمَّم لتكون آمنة قابلة للإعادة وخالية من العواقب الجسدية. وهذا ما قد يُنتج على نحوٍ مفارِق، تجربة مُفرَغة من كثافتها الوجودية. لقد كان هايدغر يرى أن الوجود الإنساني يتحدّد بكونه «وجودا نحو الموت»، أي بوعيه بحدوده القصوى. فكيف يمكن لتجربة تُلغى فيها هذه الحدود أن تحتفظ بعمقها الأنطولوجي؟.
ومع ذلك لا ينبغي الوقوع في نزعة تشاؤمية تُدين الميتافيرس بوصفه نفيا للتجربة الأصيلة. فالتاريخ الفلسفي ذاته يُظهر أن كل تحوّل في وسائط التجربة كان يُستقبَل بالريبة قبل أن يُعاد دمجه في أفق الفهم الإنساني. لقد أثار ظهور الكتابة كما يروي أفلاطون في محاورة «فيدروس»، خوفا من ضياع الذاكرة، ثم أصبحت لاحقا شرطا للمعرفة. فهل يكون الميتافيرس مرحلة جديدة في هذا المسار أم قطيعة جذرية معه؟.
إن ما يميّز الميتافيرس مقارنة بالتحولات السابقة، هو شموليته وقدرته على احتواء أبعاد متعددة من الحياة الإنسانية، العمل، اللعب، التعليم، الفن والعلاقات الاجتماعية. إنه لا يقدّم نفسه كأداة ضمن العالم، بل كعالم بديل أو موازٍ. وهذا ما يجعله فلسفيا موضع مساءلة أنطولوجية قبل أن يكون موضوع تحليل تقني. فالوجود في الميتافيرس ليس وجودا عرضيا، بل وجود يُستثمر فيه الزمن والعاطفة والمعنى. وهنا تبرز مفارقة عميقة، كيف يمكن لفضاء مُنشأ حسابيا أن يُنتج خبرات وجودية ذات دلالة؟.
قد يكون الجواب كامنا في طبيعة الإنسان ذاته. فالإنسان كما يقول كاسيرر «حيوان رمزي»، يعيش في عوالم من المعنى لا تقل واقعية عن العالم المادي. وإذا كان الميتافيرس يُنتج منظومات رمزية جديدة، فإن واقعيته لا تُقاس بماديته بل بقدرته على تنظيم الفعل والمعنى. غير أن هذا لا يُعفي الفلسفة من واجب النقد بل يضاعفه، لأن الرموز حين تنفصل عن شروطها الأخلاقية، قد تتحوّل إلى أدوات هيمنة أو اغتراب.
وهنا يتّضح أن السؤال عن الميتافيرس ليس سؤالا عن المستقبل فحسب، بل عن الحاضر الذي يتشكّل أمامنا. إننا نشهد في هذا الفضاء إعادة رسم لحدود التجربة الإنسانية، حيث يتداخل الواقعي والمتخيَّل، ويتحوّل الوجود إلى مشروع تصميم، وتُختبر الذات في إمكانات لم تكن متاحة من قبل. غير أن هذا الاتساع في الإمكان لا يخلو من مخاطر، خطر فقدان الجذور الجسدية للتجربة، خطر تمييع الهوية وخطر اختزال العالم إلى واجهة تفاعلية.
الفلسفة في مواجهتها للميتافيرس ليست مطالبة بإصدار أحكام نهائية، بل بفتح أفق للتفكير النقدي الذي يُمسك بالتعقيد دون تبسيط، ويُبقي السؤال مفتوحا دون أن يُفرغه من حدّته. فالميتافيرس ليس قدرا محتوما ولا خلاصا تقنيا، بل ظاهرة إنسانية بامتياز، تكشف بقدر ما تُخفي، عن طموحات الإنسان وحدوده، عن رغبته في تجاوز الواقع، وعن خوفه العميق من فقدان المعنى.
إن الميتافيرس هو مرآة جديدة للفلسفة ذاتها، مرآة تعكس سؤالها القديم في صيغة معاصرة، ما معنى أن نكون بشرا في عالم يتغيّر فيه شكل الوجود، وتتبدّل فيه شروط التجربة؟ هذا السؤال الذي لم تفقد الفلسفة راهنيته يوما، يجد في الفضاء الرقمي ميدانا جديدا للاختبار، ميدانا سيُعيد لا محالة صياغة العلاقة بين الفكر والواقع والتقنية والمعنى، وبين الإنسان وحدود تجربته.
إذا كان الميتافيرس في مستواه الظاهراتي الأول، يضعنا أمام إعادة تشكيل للحضور والتجربة، فإن عمقه الحقيقي يتجلّى حين ننتقل إلى مساءلته أنطولوجيا وأخلاقيا وسياسيا، أي حين نكفّ عن النظر إليه بوصفه فضاءً للاستخدام، ونبدأ التفكير فيه بوصفه نمطا جديدا للوجود. هنا يتقاطع سؤال التقنية بسؤال الكينونة، ويتحوّل الميتافيرس من منتَج رقمي إلى أفق يعاد داخله ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم والسلطة والمعنى، وبين الحرية والتشييء.
لقد نبّه هايدغر في نصه الشهير حول سؤال التقنية، إلى أن جوهر التقنية لا يكمن في الأدوات، بل في نمط الكشف الذي تفرضه على الوجود. فالتقنية الحديثة في نظره لا تكشف الكائنات كما هي، بل تحصرها ضمن أفق «المورد» القابل للتخزين والتوظيف. وإذا كان هذا التحليل قد كُتب في سياق الصناعة والآلة، فإن راهنيته تتضاعف حين نضعه في مواجهة الميتافيرس. فالإنسان ذاته داخل هذا الفضاء، مهدّد بأن يُعاد تعريفه بوصفه موردا للبيانات، وسلوكا قابلاً للتنبؤ، وحضورا يُقاس بدرجات التفاعل لا بكثافة المعنى. هنا لا يصبح السؤال: ماذا نفعل في الميتافيرس؟ بل: ماذا يفعل الميتافيرس بنا؟.
إن الوجود داخل الميتافيرس يُختزل في كثير من تجلياته إلى واجهة تفاعلية، حيث تُترجم الانفعالات إلى رموز، والعلاقات إلى مؤشرات، والزمن إلى وحدات قابلة للاستثمار. هذا الاختزال لا يعني اختفاء التجربة، بل إعادة ترميزها وفق منطق حسابي. ومن هنا تبرز مفارقة عميقة، كلما اتّسعت إمكانات التعبير داخل الفضاء الرقمي، كلما ازداد خطر تقييدها ضمن قوالب مُسبقة التصميم. وهو ما يجعل الحرية التي يُروَّج لها بوصفها إحدى وعود الميتافيرس، حرية مشروطة ببنية تقنية لا يتحكم فيها المستخدم، بل تُحدّد مسبقا أفق الممكن وغير الممكن.
في سياقنا هذا يمكن استدعاء فوكو لا بوصفه فيلسوف السلطة فحسب، بل كمفكّر للفضاءات والانضباط. فإذا كانت الحداثة قد أنتجت مؤسسات تُراقب الأجساد وتُنظّمها، فإن الميتافيرس يُنتج فضاءً تُراقَب فيه الذوات عبر بياناتها، وتُضبط فيه السلوكات عبر خوارزميات غير مرئية. إننا هنا أمام انتقال من «المراقبة البصرية» إلى «المراقبة الحسابية»، حيث لا يحتاج الضبط إلى عين، بل إلى نموذج تنبؤي. وهكذا يتحوّل الوجود الرقمي إلى ما يشبه سجنا ناعما لا جدران له، لكنه يُحكم إغلاقه عبر شروط الاستخدام وخوارزميات التوصية.
غير أن قولنا هذا على أهميته لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إدانة شاملة، لأن الميتافيرس لا يختزل في بعده السلطوي، بل ينطوي أيضا على إمكانات تحرّرية حقيقية. ففي هذا الفضاء يمكن إعادة تخيّل أشكال جديدة من الاجتماع والتعليم والإبداع الفني حيث تتجاوز قيود المكان والزمان. إن الفن على سبيل المثال، يجد في الميتافيرس إمكانات غير مسبوقة، حيث يتحرّر من ثقل المادة، ويُعاد تعريف العلاقة بين العمل الفني والمتلقي. غير أن هذا التحرّر ذاته يطرح سؤال الأصالة، هل تظل التجربة الجمالية ذات قيمة حين تنفصل عن الجسد وعن الحضور المباشر؟.
إن سؤال الأصالة هذا يعيدنا إلى والتر بنيامين وتحليله لفقدان «الهالة» في عصر الاستنساخ التقني. فإذا كانت الصورة الفوتوغرافية قد نزعت عن العمل الفني تفرده المكاني والزماني، فإن الميتافيرس يذهب أبعد من ذلك، إذ لا يكتفي باستنساخ العمل، بل يُنتج عوالم فنية لا أصل لها خارج التمثيل. هنا لا تعود الهالة مرتبطة بالأصل، بل بالتجربة التفاعلية ذاتها. غير أن هذا التحوّل وإن بدا تحرريا، يظل محفوفا بخطر تحويل الفن إلى مجرّد محتوى، تُقاس قيمته بعدد التفاعلات لا بعمقه الدلالي.
وعلى المستوى الأخلاقي يضعنا الميتافيرس أمام تحديات غير مسبوقة. فالأخلاق كما تشكّلت في التقليد الفلسفي، كانت تفترض ذاتا مسؤولة قادرة على ربط الفعل بنيته وبنتائجه. غير أن الفعل داخل الميتافيرس غالبا ما يكون منزوع العواقب الجسدية، وقابلا للمحو أو التراجع. فكيف يمكن الحديث عن مسؤولية أخلاقية في فضاء يُضعف العلاقة بين الفعل والأثر؟ وهل يمكن تأسيس أخلاق رقمية لا تقوم على الردع بل على الوعي؟.
إن كانط حين ربط الأخلاق بالواجب وبالذات العاقلة، كان يفترض وحدة الذات واستمراريتها. أما في الميتافيرس حيث تتشظّى الهوية، ويُمكن للذات أن تتخفّى خلف تمثيلات متعددة، فإن هذه الوحدة تصبح موضع تساؤل. ومع ذلك قد يكون هذا التشظي ذاته فرصة لإعادة التفكير في الأخلاق، لا بوصفها نظاما للضبط، بل بوصفها ممارسة تأويلية تُعيد ربط الفعل بمعناه لا بمجرد نتائجه الخارجية.
ولا يقلّ البعد السياسي أهمية عن البعد الأخلاقي. فالميتافيرس بوصفه فضاءً كونيا يتجاوز الحدود الوطنية ويُعيد طرح سؤال السيادة. من يملك هذا الفضاء؟ من يضع قواعده؟ ومن يضمن عدالته؟ إننا هنا أمام انتقال السلطة من الدولة إلى الشركات التقنية، ومن القانون العمومي إلى شروط الاستخدام. هذا التحوّل يطرح إشكالا فلسفيا عميقا، هل يمكن الحديث عن مواطنة رقمية في فضاء لا يخضع لمساءلة ديمقراطية؟.
لقد كانت المدينة في الفلسفة السياسية، فضاءً للعيش المشترك، حيث تتجسّد القوانين في المكان. أما الميتافيرس فهو مدينة بلا أرض، وقانون بلا إقليم. وهذا ما يجعل السياسة فيه عرضة للتفريغ من مضمونها، ما لم يُعاد التفكير في أسس جديدة للشرعية والمشاركة. هنا يمكن استحضار حنّة أرندت من جديد، لا بوصفها منظّرة للفضاء العمومي فحسب، بل كمفكّرة للفعل بوصفه انكشافا للذات أمام الآخرين. فإذا كان الفعل السياسي يفترض الظهور، فكيف يمكن لهذا الظهور أن يتحقق في فضاء تُدار فيه الرؤية عبر خوارزميات؟.
إن كل هذه الأسئلة تُفضي في النهاية إلى إعادة طرح السؤال الأنطولوجي الأساسي، ما معنى أن نكون موجودين في عالم لم يعد الواقع فيه حدا نهائيا للتجربة؟ هل نحن أمام توسيع لأفق الوجود أم أمام اغتراب جديد أكثر نعومة وأشد عمقا؟ قد يكون الجواب كما في كثير من التحولات الكبرى مزدوجا. فالإنسان بوصفه كائنا تاريخيا لا يعيش التقنية من الخارج، بل يُعيد تشكيل ذاته عبرها. والميتافيرس هنا ليس انقطاعا عن الإنسان، بل تعبيرا متطرفا عن رغبته القديمة في تجاوز الحدود، في خلق عوالم ممكنة وفي إعادة كتابة شروط وجوده.
غير أن هذه الرغبة إذا لم تُرافقها مساءلة فلسفية نقدية، قد تنقلب إلى نسيان للمعنى. فالفلسفة منذ بداياتها لم تكن مجرّد تنظير بل ممارسة للانتباه، مقاومة للبداهة ورفضا للاندماج الأعمى في ما هو قائم. وفي مواجهة الميتافيرس تستعيد الفلسفة هذا الدور لا بوصفها سلطة معرفية بل بوصفها يقظة وجودية.
إن التفكير في الميتافيرس ليس ترفا فلسفيا، ولا استجابة ظرفية لموضة تقنية عابرة، بل هو ضرورة فكرية تفرضها تحوّلات عميقة تمسّ جوهر التجربة الإنسانية. فنحن لا نعيش اليوم مجرّد انتقال من وسيط إلى آخر، بل نعاين إعادة تشكيل لشروط الإدراك والحضور والهوية والمعنى. والميتافيرس في هذا السياق ليس سوى الاسم الأبرز لهذه اللحظة التاريخية التي يتداخل فيها الواقعي بالافتراضي، ويغدو الوجود ذاته قابلا للتصميم.
لقد أظهر التحليل أن الميتافيرس يضع الفلسفة أمام امتحان مزدوج، امتحان الفهم وامتحان النقد. فمن جهة يتعيّن على الفلسفة أن تفهم هذا الفضاء الجديد في تعقيده، دون اختزاله في خطاب الخطر أو الوعد. ومن جهة أخرى يتعيّن عليها أن تمارس نقدا يقظا، يكشف ما ينطوي عليه من إمكانات للهيمنة والتشييء ونسيان الجسد والمعنى. وهذا التوتر بين الفهم والنقد هو ما يمنح التفكير الفلسفي راهنيته.
إن التجربة الإنسانية كما تكشّفت عبر هذا المقال لم تعد محكومة بحدود المكان الفيزيائي، لكنها لم تتحرّر من شروطها الوجودية العميقة. فالجسد والزمن والآخر تظل عناصر لا غنى عنها لأي تجربة ذات معنى، حتى وإن تغيّرت أشكال حضورها. والميتافيرس حين ينجح في استيعاب هذه العناصر دون اختزالها، قد يُسهم في توسيع أفق الوجود الإنساني. أما حين يسعى إلى تعويضها بتمثيلات فارغة، فإنه يهدّد بتحويل الوجود إلى محاكاة بلا عمق.
إن الرهان ليس تقنيا، بل فلسفيا وأخلاقيا. رهان على قدرة الإنسان على أن يسكن الفضاء الرقمي دون أن يفقد علاقته بالعالم، وأن يستخدم الميتافيرس دون أن يُختزل فيه، وأن يُبدع داخله دون أن يُستلب من منطقه. وهذا الرهان لا يمكن كسبه دون فكر نقدي، حيث يُعيد طرح السؤال الجوهري: كيف نعيش التقنية دون أن نذوب فيها؟.
يظل الميتافيرس مهما بلغ من تطوّر مجالا مفتوحا للصراع على المعنى لا قدرا نهائيا للتجربة الإنسانية. والفلسفة وهي تواكب هذا التحوّل لا تُقدّم أجوبة جاهزة بل تُبقي السؤال حيا، لأن حيوية السؤال هي في نهاية الأمر، ما يحفظ للإنسان إنسانيته في عالم تتغيّر فيه حدود الواقع باستمرار.
***
د. حمزة مولخنيف






