أقلام فكرية

غالب المسعودي: الميتافيزيقا السياسية لرأس المال

التشريح الماركسي للتعاضد الرأسمالي

في "ما وراء" الاقتصاد الريعي: يُشكل البحث في "الميتافيزيقا" الكامنة داخل البنية الاقتصادية للرأسمالية مدخلاً حاسماً لفهم آليات الهيمنة الحديثة، لا سيما عند إسقاطها على واقع "الاقتصاد الريعي" في دول العالم الثالث يتطلب هذا الفهم غوصاً في العمق الفلسفي والاجتماعي الذي أسسه كارل ماركس حول "صنمية السلعة" و“التعاضد الرأسمالي" الذي يجمع بين المراكز الإمبريالية والنخب الكومبرادورية المحلية.

إن استغلال الشعوب في الأطراف لا يتم فقط عبر القوة العسكرية أو التبادل غير المتكافئ، بل يمر عبر منظومة "ميتافيزيقية" تخلع صفات لاهوتية وقدرية على قوانين السوق؛ مما يحول "الريع" (سواء كان نفطياً، عقارياً، أو مالياً) إلى أداة لتجميد الصراع الطبقي وتأبيد التبعية، تجسيداً لما أسماه مهدي عامل بـ "نمط الإنتاج الكولونيالي".

لاهوت السلعة: الأساس النظري للاستلاب

لفهم آلية استغلال العالم الثالث اليوم، لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية في الفصل الأول من كتاب "رأس المال"، حيث يكشف ماركس عن الطبيعة المزدوجة للسلعة. ففي حين تبدو السلعة للوهلة الأولى "أمراً بديهياً ومفهوماً"، يكشف التحليل العميق أنها "شيء غريب جداً، يعج بالدقائق الميتافيزيقية والنزوات اللاهوتية". هذا التوصيف ليس مجازاً أدبياً، بل هو تشخيص دقيق لعملية "التشيؤ".

 في الاقتصاديات الريعية، تتفاقم هذه الحالة الميتافيزيقية؛ فالنفط أو الغاز -كسلعة- ينفصل تماماً عن العمل البشري الذي استخرجه، ويتحول في السوق العالمية إلى "وثن" يمتلك قوة ذاتية سحرية قادرة على منح الحياة. هذه الهالة التي تكتنف السلعة تخفي حقيقة الاستغلال؛ إذ يظهر الفقر في العالم الثالث لا كنتيجة لنهب تاريخي، بل كقدر "طبيعي" أو نقص في "بركة" السوق الحرة. هنا، تعمل "الميتافيزيقا" كغطاء أيديولوجي يرفع قوانين العرض والطلب إلى مصاف القوانين الكونية المتعالية غير القابلة للنقض، تماماً كما كانت الأرواح تسكن الأشياء في المعتقدات البدائية.

التعالي الميتافيزيقي للنقد المالي

تتجسد ذروة الميتافيزيقا الرأسمالية في شكل "المال"، الذي يصفه ماركس بأنه "الشكل الأكثر سطحية وتوثيناً". يبدو رأس المال وكأنه "إنسان آلي" يلد الربح من ذاته دون الحاجة للمرور بالعمل. هذا الوهم هو الركيزة الأساسية للاقتصاد الريعي المالي المهيمن على العالم الثالث.

في هذا السياق، يتحول "التعاضد الرأسمالي" إلى تحالف مقدس بين "رأس المال المالي" في المركز و"رأس المال الريعي" في الأطراف. يتم تقديم الفائدة البنكية، عوائد السندات، والريع العقاري كحقائق "ميتافيزيقية" مسلم بها، مشتقة من "طبيعة" رأس المال نفسه، وليس من فائض القيمة المستقطع من عرق العمال. هذه "الصيغة الثالوثية" تعمل على طمس الأصل الواحد للثروة -وهو العمل- مما يبرر وجود طبقة كاملة من "الريعيين" الذين يعيشون على "قص الكوبونات" دون أي مساهمة إنتاجية، سواء كانوا مصرفيين في نيويورك أو أمراء في دول الأطراف.

الاستلاب الميتافيزيقي كأداة هيمنة

يشير التحليل الماركسي إلى أن "الاستلاب الديني" الذي وصفه فيورباخ قد تحول في الرأسمالية إلى استلاب اقتصادي. فالعالم "المسحور والمقلوب" للرأسمالية ليس مجرد وهم في الوعي، بل هو واقع موضوعي يفرض نفسه. بالنسبة للمواطن في العالم الثالث، تتجلى هذه الميتافيزيقا في الشعور بالعجز أمام قوى غيبية تسمى "الأسواق العالمية" أو "تصنيفات الائتمان". هذه القوى، التي هي في الأصل نتاج علاقات إنتاج اجتماعية، تواجه صانعها (الإنسان) كقوى غريبة ومستبدة.

إن "الدقائق الميتافيزيقية" للسلعة تبرر الاستعمار الجديد؛ فبما أن القيمة تبدو وكأنها خاصية ذاتية للسلعة المصنعة في الغرب، وبما أن المواد الخام في الجنوب تبدو "رخيصة" بطبيعتها، فإن التبادل غير المتكافئ يُمرر كعملية عادلة. هذه "الخديعة اللاهوتية" هي الأساس الذي يُبنى عليه الاقتصاد العالمي، حيث يتم شفط القيمة من الأطراف إلى المراكز تحت عباءة القوانين الطبيعية للسوق.

الاقتصاد الريعي: هيكل الاستغلال وتعطيل التاريخ

بينما يُنظر إلى الاقتصاد الريعي في الأدبيات الليبرالية كحالة "لعنة موارد"، يراه التحليل الماركسي كنتيجة بنيوية لتقسيم العمل الدولي. يُعرّف الاقتصاد الريعي بأنه النمط الذي تتحقق فيه الثروة ليس من خلال دورة الإنتاج الرأسمالية (نقد - سلعة - نقد زائد)، بل من خلال الاستحواذ على عوائد بيع أصول طبيعية أو استراتيجية للخارج.

في هذا النمط، تنفصل الدورة الاقتصادية عن الدورة الاجتماعية للإنتاج. الدولة الريعية لا تعتمد على ضرائب مواطنيها (وبالتالي لا تحتاج لتمثيلهم سياسياً)، بل تعتمد على "الريع الخارجي". يخلق هذا الوضع ما أسماه ماركس بـ "ختم الطفيلية" على المجتمع بأسره. وتلعب الميتافيزيقا هنا دوراً حاسماً: فالريع يظهر كـ "هبة" (إلهية أو طبيعية)، مما يعزز الثقافة القدرية والاتكالية، ويعطل نمو القوى المنتجة المحلية التي تُعد محرك التاريخ في الفكر الماركسي.

التراكم عن طريق السلب: الآلية المستمرة

يربط الجغرافي الماركسي ديفيد هارفي بين مفهوم ماركس عن "التراكم البدائي" وواقع الاقتصاديات الريعية اليوم عبر مفهوم "التراكم عن طريق السلب". إن الاقتصاد الريعي في العالم الثالث ليس مجرد حالة تخلف، بل هو نتاج عملية مستمرة من السلب تتجلى في:

تحويل الموارد الطبيعية (أرض، معادن، مياه) من ملكية عامة إلى سلع قابلة للتداول تدر ريعاً للشركات المتعددة الجنسيات والوكلاء المحليين.

كذلك الأمولة (هي التجلي الأكبر لـ "الخديعة اللاهوتية")، توهم العالم بأن الثروة يمكن أن تُخلق من العدم (من شاشات التداول)، مما يغطي على حقيقة أن هذه الأرباح هي في الواقع اقتطاع من القيمة الفائضة التي ينتجها العمال في مكان آخر (غالباً في دول الجنوب/العالم الثالث).

بالنسبة لدول العالم الثالث، الأمولة هي الأداة التي تمتص الثروات عبر "خدمة الدين" وتدفقات رؤوس الأموال الساخنة، مما يمنع هذه الدول من بناء قاعدة إنتاجية حقيقية ويبقيها في حالة "اقتصاد ريعي" تابع. وهي العملية التي يتحول فيها الاقتصاد من "مصنع" ينتج سلعاً للبشر، إلى "كازينو" كبير يراكم الثروة لأصحاب رؤوس الأموال بمعزل عن المجتمع.

نقد الرأسمالية الميتافيزيقية (الطيب تيزيني نموذجاً)

يضيف المفكر الطيب تيزيني بعداً آخر، مشيراً إلى أن الفكر النظري في المجتمعات التابعة يعاني من "فقر" ناتج عن غياب القاعدة المادية الصناعية. هذا الفراغ تملؤه "ميتافيزيقا" مستوردة أو مُعاد إنتاجها من الماضي، تخدم في النهاية مصالح "الرأسمالية الطفيلية". فالنخب الريعية تروج لثقافة استهلاكية سطحية (فيتيشية السلعة في أقصى تجلياتها) كبديل عن المشروع النهضوي الإنتاجي.

نحو تحطيم المرآة الميتافيزيقية

يكشف التحليل المتعمق لرؤية ماركس وتطبيقاتها المعاصرة لدى مفكري العالم الثالث أن "الميتافيزيقا" ليست مجرد مبحث فلسفي معزول، بل هي "البنية التحتية الأيديولوجية" للرأسمالية المعولمة في مرحلتها الريعية.

إن "الدقائق الميتافيزيقية" للسلعة التي تحدث عنها ماركس، و"التعاضد الميتافيزيقي" للطوائف الذي شرحه مهدي عامل، و"الميتافيزيقا الاقتصادوية" التي نقدها سمير أمين، كلها وجوه لعملة واحدة: "التعمية" التي تخفي حقيقة أن رفاهية الشمال مبنية على سلب الجنوب.

يعمل "التعاضد الرأسمالي" كنظام متكامل؛ حيث تضع المراكز الإمبريالية قواعد "السوق الميتافيزيقية" (حرية التجارة، قدسية الديون)، بينما تقوم النخب المحلية (الريعية/الكومبرادورية) بحراسة هذه المصالح عبر تخدير الشعوب بـ "هويات ميتافيزيقية" (طائفية، قبلية).

لا يمكن الخروج من "مصيدة الاقتصاد الريعي" عبر إصلاحات تقنية داخل النظام (كما يقترح البنك الدولي)، لأن المشكلة بنيوية وميتافيزيقية في آن واحد. الحل يكمن فيما أسماه سمير أمين "فك الارتباط"، والذي يعني كسر الخضوع لـ "قانون القيمة" العالمي، واستعادة السيطرة على الموارد الوطنية لتوجيهها نحو تلبية الحاجات المادية للشعوب، بدلاً من تلبية "النزوات اللاهوتية" للأسواق المالية.

إن مواجهة "الاستغلال الريعي" تتطلب إسقاط "التعاضد الرأسمالي الميتافيزيقي" عبر بناء "تضامن مادي" حقيقي بين شعوب العالم الثالث، يعيد الاعتبار للإنتاج مقابل الريع، وللإنسان مقابل السلعة، وللتاريخ مقابل القدر.

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع المختارة

كارل ماركس: Capital Volume I - Marxists Internet Archive.

د. عادل سمارة: أزمة الرأسمالية المعولمة عتبة إلى الاشتراكية - أرشيف الماركسيين العرب.

Ernest Mandel: Marx's theory of primitive accumulation and industrialization of the Third World (1967) - IIRE.

دراسات في "صنمية السلعة" والميتافيزيقا الاقتصادية:

Carlos L. Garrido: What is the Fetishism of Commodities? - Midwestern Marx Institute.

Literary Theory: Fetishism and Commodity Fetishism - Literary Theory and Criticism.

Cambridge Press: Ideology, Fetishism, Apophaticism: Marxist Criticism and Christianity.

Emory Scholar Blogs: Marx and the Idea of Commodity - Postcolonial Studies.

الاقتصاد السياسي، الريع، والتراكم عن طريق السلب:

David Harvey & Others: Anti-Capitalist Chronicles: Accumulation by Dispossession - Democracy at Work.

Taylor & Francis: The land question: special economic zones and the political economy of dispossession in India.

Osgood Commons: Laboure, Laboure Law and Capitalist Rent-Seeking: Rentier Capitalism and Laboure in Historical Perspective.

ECMES Academy: الاقتصاد الريعي كنموذج رأسمالي حديث للنمط الآسيوي للإنتاج.

قراءات إضافية في الإمبريالية والثقافة:

International Viewpoint: Imperialism in the 21st century.

Culture Machine: Imaginary States: Studies in Cultural Transnationalism.

Redtails: What Was Primitive Accumulation?

Irish Marxism: Sráid Marx Blog (August 2025).

في المثقف اليوم