عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

ناجي ظاهر: جولة حكيمة في الجزيرة السقيمة

"مَن يهُن يَسهُل الهوانُ عليه

 ما لجُرحٍ بميّتٍ إيلام"،

المتنبي

يأخذنا الكاتب التركي زولفو ليفانلي، في روايته الآسرة الجزيرة الأخيرة، إلى أجواء تُجسّد الأوضاع السياسية والاجتماعية في العديد من بلدان العالم وحكوماتها الشاملة، ويُطلعنا بالتالي على الأوضاع المُزرية التي تُصار إليها هاته الأوضاع رويدًا رويدًا.. وضحكًا على الذقون، على حدّ تعبير كاتبنا وشاعرنا الرائع الراحل طه محمد علي. رواية زولفو بهذا تنضم إلى الروايات العديدة التي سبق وصدرت في انحاء مختلفة من عالمنا، عن الدكتاتور والدكتاتورية، في مقدمتها رواية خريف البطريرك للكاتب الكولومبي ذائع السمعة والصيت جابرييل جارسيا ماركيز، ورواية 1984 للكاتب الإنجليزي المُبدع جورج اورويل.

مؤلف الرواية زولفو ليفانلي، كاتب وفنّان، ملحّن موسيقي ومُخرج أفلام، حظي خلال العقود القليلة الماضية الأخيرة باهتمام عالمي، وتُرجمت أعمال له إلى نحو الأربعين لغة في العالم، كما حظي بالعديد مِن الجوائز، وهو إضافة إلى هذا كلّه رجل سياسة تسنّم مناصب مرموقة في بلاده منها منصب نائب في البرلمان. روايته هذه صدرت عام 2023، ضمن سلسلة الكتب الكويتية الشهيرة ابداعات عالمية. حملت الرقم 447، وترجمها عن التركية مباشرة صفوان شلبي، فيما راجعها محمد حقي صوتشن.

الرواية تحكي قصة جزيرة مُتخيّلة.. آمنة.. كلّ ما فيها يُذكّر بالمدينة الفاضلة، فأهلُها ينعمون بكلّ ما هو جميل في الحياة وفي مُقدّمته الأشجار النضرة الخضراء يانعة الخضار، والطيور العاشقة لشطوطهم. وكما هو متوقّع في كلّ عمل أدبي رصين ومتماسك البُنيان، يحدث التغيّر في حياة هذه الجزيرة وأهلها، وذلك بعد أن يفد إليها حاكم مخلوع برفقة صحبه ومريديه، فيأخذ.. رويدًا.. رويدًا في السيطرة على الجزيرة، متوسّلا أولًا بإغراء ساكن البيت رقم واحد، علمًا أن كلًا ِمن بيوت الجزيرة يحمل رقمًا ذا دلالة ومعنى.. الحاكم الجديد يُغوي ذلك الساكن، ويستميله إلى جانبه مُجنّدًا إياه في صفه، الامر الذي يُسهّل عليه فرض سيطرته بنعومة خارجية وفظاظة داخلية على الجزيرة، وهو يفعل هذا كلّه وسط مُعارضة الكثرة وارتباك القلة من السكان، إلى أن يتمكّن مِن السيطرة الكاملة، أو شبه الكاملة على الجزيرة، فيُعمل فيها يد الفساد إثباتًا لهيمنته وسيطرته.. وربّما لرعوتنه، وهكذا يجد سكّان الجزيرة أنفسهم بين أمس مُزهر ومنوّر ويوم معتم ومُظلم. أما العُقلاء والمثقفون منهم خاصة، فإنهم يتوهون في دهاليز ذلك الدكتاتور، الذي عيّن نفسه زعيمًا عليهم جميعًا وعلى جزيرتهم الامنة..

يستفد الكاتب في عرضه روايته هذه (224 صفحة من القطع المتوسط)، من مخياله السينمائي، فهو ينتقل مِن مشهد إلى آخر بسلاسة وابداع رفيعين، موغلًا في عالم التخييل الجامح، وفي الوقت ذاته المرتبط بالواقع ارتباطا متينًا، ولا يغفل مؤلف الرواية عن أيّ مِن الفئات والشرائح المجتمعية، فهو يُصوّر كلًا منها، في مواجهة ذلك الطاغية الوافد عليهم من عالم الظُلم والظلام، حينًا بالتوقّع المتفائل، وفي اغلب الاحيان بخيبة الامل والخذلان.

أما ذلك الرئيس، الحاكم الدكتاتور، فإنه يقوم بمغادرة الجزيرة، بعد تسبّبه بتدمير كلّ ما هو جميل فيها، لا سيما أشجارها الباسقة الخضراء، مُعفيًا نفسه مِن تحمّل المسؤولية ومُتّهمًا أهلها بسوء الادارة، الامر الذي يدفع لسان عقلاء الجزيرة للقول: "لقد هُزمنا لأننا لم نحاول إدراك مدى فداحة الضيم الذي خضعنا له وانجرفنا له تدريجاً... لقد سمحنا لرجل أن يخدعنا، وسرنا خلفه بخنوع".

حظيت هذه الرواية باهتمام عالمي حقيق بالتقدير، وكُتب عنها الكثير وسوف يكتب عنها في تقديري الكثير أيضًا، وقد لفت اهتمامي ما كتبه الكاتب التركي الشهير يشار كمال في مقدمته لها، قائلًا إن شخوصها كلّهم يبدون وكأنما هم أحياء يُرزقون، حتى الثعالب موجودة فيها.. وهناك الغابة وأشجار الصنوبر أيضًا، وموطن الثعالب وطيور النورس.. إنها نوارس لم نكن نعلم بوجودها، غير أنها قدمت في الرواية على اعتبار أنها اقوى مِن الانسان ذاته. وينتهي يشار كمال إلى تقييم هذه الرواية قائلًا: لقد خَلق زولفو في روايته هذه ابعادًا وإمكانيات مُذهلة، فكلّ شيء فيها يتناسب مع الآخر. هناك قول جليل في الادب، يحكي عن الباب العريض، وأنا اقول: لقد دخل زولفو بروايته هذه من الباب الادبي العريض.

***

ناجي ظاهر

 

في المثقف اليوم