لطالما كنت وفية لذكرياتي وفاءً يكاد يشبه اللعنة أكثر مما يشبه الفضيلة، لذلك كان ذلك الخيط الرفيع الذي يربطني بالآخرين أثمن عندي مما يبدو عليه. تلك الذكريات الصغيرة التي يهرب منها الجميع وتضيع بين زحام الأيام، والتي تتآكل أطرافها ببطء حتى تختفي دون أن يلاحظ أحد غيابها، لم تكن يومًا شيئًا يمكنني التفريط به بهذه السهولة. أراقب الناس وهم يمضون في حياتهم، يتركون وراءهم وجوهًا وأسماءً وأماكن كانت تعني لهم العالم بأسره في يوم ما، ثم يتابعون السير وكأن شيئًا لم يكن، بينما أبقى أنا عالقة عند التفاصيل، ألتقط ما سقط من ذاكرتهم وأحمله معي وكأنني آخر حارس لمقبرة مهجورة لم يعد يزورها أحد.
ربما لهذا السبب أشعر أن الحياة تسير بسرعة غير عادلة. فكلما ازدادت رتابتها وخلاها من المعنى، ازدادت قدرتها على التهام السنوات. تمر الأيام المتشابهة فوق بعضها كما تتراكم طبقات الغبار على الأثاث القديم، حتى نستيقظ فجأة لنجد أن أعمارًا كاملة قد انقضت بينما كنا منشغلين بأشياء لم تكن تستحق كل هذا الوقت الذي منحناه لها.
أعترف أنني شخص يشقى بعقله. لا أترك شعورًا يمر بي دون أن أفتحه وأفحصه كما يفحص الجرّاح عضوًا مستخرجًا من جسد مريض. أحلل الكلمات التي قيلت لي والكلمات التي لم تُقل، أفتش عن الدوافع المختبئة خلف الصمت، وأراقب التناقضات الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. أرى الخيبة قبل أن تتحول إلى دموع، وألتقط الحب قبل أن يعترف به صاحبه لنفسه، وألاحظ الكراهية وهي تتسرب من بين الكلمات المهذبة كما يتسرب الدخان من تحت باب مغلق. لكن لكل قدرة ثمنًا، والعيش بهذا القدر من الانكشاف يشبه السير في العالم بلا جلد، حيث تصبح كل الأشياء حادة أكثر مما ينبغي، وكل خيبة أعمق مما تبدو عليه للآخرين.
والأغرب من ذلك أنني أنتبه لهذه التفاصيل الدقيقة التي لا أهمية عملية لها، بينما أفشل في أشياء يفترض أنها بديهية. قد أتذكر جملة قيلت لي قبل عشرة أعوام بالحرف الواحد، لكنني أضيع في طريق سلكته عشرات المرات. قد أتذكر نبرة صوت شخص في لحظة وداع، ولا أستطيع تذكر الاتجاه الذي جئت منه قبل دقائق. وكأن عقلي عقد صفقة غريبة مع نفسه؛ أن يحتفظ بما يؤلم وما يربطني بالبشر، ويترك ما عدا ذلك يتساقط في العتمة.
اليوم مثلاً كنت أقرأ عن الوجود، أو ربما كنت أبحث عن نفسي بين صفحاته. غرقت بين الفلاسفة كما يغرق شخص دخل متاهة بلا خيط يقوده إلى الخارج. كنت أتنقل بين سؤال الوجود والماهية، بين أولئك الذين يرون أن الإنسان يولد حاملاً غايته في داخله منذ البداية، وأولئك الذين يعتقدون أنه لا يملك أي معنى مسبق، وأنه يقضي عمره كله يصنع هويته بيديه. وفكرت، إن كانت الماهية تسبق الوجود حقًا، فهل كُتبت مصائرنا قبل أن نأتي إلى هذا العالم؟ هل كُتب على بعض الناس أن يشقوا منذ اللحظة الأولى، لا بسبب خطأ ارتكبوه بل لأن دورهم في هذه المسرحية كان مكتوبًا بهذه الطريقة؟ وهل كُتب على آخرين أن يتقلبوا بين النعم كما تتقلب الأوراق فوق سطح الماء، لا يعرفون شيئًا عن ثقل الأسئلة ولا مرارة الحرمان؟ أحيانًا أحسد الجاهلين أكثر مما أحسد الأغنياء، لأن الجهل يبدو لي في بعض اللحظات ترفًا يفوق المال نفسه. أن تنام دون أن يوقظك سؤال في منتصف الليل، أن تعيش دون أن تنظر إلى الهاوية كل يوم وتتساءل عن معنى الوقوف على حافتها، تلك نعمة لا يدركها إلا من حُرم منها.
لكن التفكير يقودني دائمًا إلى المكان نفسه، إلى الموت. ليس الموت بوصفه حدثًا بيولوجيًا ينتهي عنده الجسد، بل بوصفه السؤال الأكبر الذي يختبئ خلف كل الأسئلة الأخرى. وربما لهذا السبب لم أتجاوز بعد فقد ابنة عمي رحمها الله. الناس يقولون إن الزمن يشفي، لكنني لم أجد في الزمن طبيبًا يومًا. كل ما يفعله الزمن أنه يضيف طبقات جديدة من الحياة فوق الجرح حتى لا نراه باستمرار، أما الجرح نفسه فيبقى حيث هو، ينتظر لحظة ضعف صغيرة كي يذكرنا بأنه لم يرحل قط.
كانت موجودة. وما أقسى هذه الكلمة. كانت تضحك وتتحدث وتملأ الأماكن بحضورها، ثم فجأة أصبحت جزءًا من الماضي. اختفى الجسد والصوت والملامح الحية التي كانت تجعل وجودها حقيقة لا تحتاج إلى إثبات، ولم يبق سوى الذكريات. مجرد ذكريات. وكأن حياة كاملة، بكل ما احتوته من أفراح وأحزان وأسرار وأحلام، يمكن أن تنكمش في النهاية لتصبح بضعة صور محفوظة في هاتف قديم أو مجموعة مواقف يحتفظ بها من أحبوها.
لهذا أجد في النسيان خيانة لا أستطيع مسامحتها. لأن النسيان لا يكتفي بأخذ الذكرى، بل ينتزع آخر ما تبقى من وجود الإنسان. الموت يأخذ الجسد، أما النسيان فيأخذ الأثر. يأخذ الضحكة الأخيرة والجملة الأخيرة والنظرة الأخيرة، حتى يتحول من أحببناه إلى اسم نعرف أننا كنا نحبه يومًا ما دون أن نتذكر السبب. ولهذا يعذبني النسيان أكثر مما يريحني كما يظن الجميع، لأنه يبدو لي كالموت الثاني، الموت الذي يحدث عندما لا يعود هناك أحد يتذكر أنك كنت هنا أصلًا.
وربما لهذا السبب أواسي نفسي بفكرة غريبة؛ أن الأحبة الذين رحلوا قد انشغلوا أخيرًا بسعادتهم الخاصة، وأنهم تركوا وراءهم هذا العالم الباهت بكل أسئلته المرهقة ومصائره الغامضة، ومضوا نحو شيء أكثر رحمة. أحب أن أعتقد أنهم لا يقفون خلف حاجز ما يراقبوننا بحسرة، ولا يحملون معنا هذا الثقل نفسه، بل تحرروا منه بالكامل. وأن الحنين الذي يمزقنا هنا لا يصل إليهم هناك، لأنني لا أحتمل فكرة أن يكونوا ما زالوا يتألمون مثلنا.
أعلم أنني أقترب أحيانًا من مناطق يعتبرها كثيرون خطرة أو محرمة، لكنني كنت دائمًا أترك عقلي ينجرف نحو حافة الهاوية قبل أن أستدركه في اللحظة الأخيرة. أنظر إلى الفراغ طويلًا، لا لأنني أبحث عن السقوط، بل لأنني أبحث عن إجابة. ثم أعود كل مرة خالية الوفاض، ومع ذلك لا أتوقف عن العودة. ربما لأن بعض الأسئلة لا نطرحها أملاً في العثور على جواب، بل لأننا لا نملك خيارًا آخر سوى طرحها. وربما لأن الإنسان لا يعيش باليقين وحده، بل يعيش أيضًا بتلك الحيرة التي ترفض أن تغادره مهما حاول الهرب منها. ولعل كل هذا التفكير، وكل هذا التشبث العنيد بالوجوه والأسماء واللحظات التي ابتلعها الزمن، ليس سوى محاولة يائسة لإقناع نفسي أن الذكرى يمكن أن تكون شكلًا من أشكال مقاومة الفناء، وأن الذين عبروا حياتنا ذات يوم لا يختفون تمامًا ما دمنا نحمل شيئًا منهم في داخلنا، مهما كان ذلك الشيء هشًا وعابرًا مثل ذكرى.
***
لمى ابوالنجا - أديبة وكاتبة من السعودية








