أقلام ثقافية

سوف عبيد: في تكريم الشاعر البشير المشرقي

باِعتزاز كبير واِبتهاج فيّاض يسعدني أن أكون من المساهمين في تكريم الصّديق الشّاعر الكبير البشير المشرقي فهي مناسبة لإيلائه ما هو جدير به من اِحتفاء وتكريم لأنه من المساهمين باِستمرار في مسيرة الشعر التونسي منذ أكثر من نصف قرن وإنّ هذه المبادرة التكريمية لأعلامنا التونسيين في الأدب أعتبرها ردّ اِعتبار للأبعاد الثقافية التي كادت أن تُطمس ويجرفها تيّار المنافع الماديّة العاجلة الرّبح والشّاعر البشير المشرقي من أولئك الذين آمنوا بقيمة الكلمة في صدقها وجمالها وتأثيرها فعكف على رعايتها والكلف بها عشرات السنين وما دواوينه المتوالية الصّدور وإصراره على نشر قصائده في مختلف المنابر إلا دليل على شغفه بمتعة الإبداع..

الشاعر البشير المشرقي ليس شاعرا فحسب وإنما هو صاحب نظرية في الشعر أيضا وهي لئن بدت واضحة السّمات في شعره فإنه قرأ من خلالها بعض النصوص الشعرية التي عكف على تقديمها والتعريف بها وللشّاعر كذلك كتابات صحافية ومساهمات إذاعية في برامج الإذاعة الوطنية أمّا البُعد الآخر الذي لا يقلّ أهمية في شخصية الشاعر فهو مسيرته التربوية سواء في التدريس أو في تسيير بعض المعاهد ولعلّ المرحلةَ الأهمّ في حياته الثقافية تتمثّل في إشرافه على مدى أكثر من عشرين سنة على نشاط الحركة الثقافية في ولاية بنزرت حتى أضحت قِبلة المثقفين والمبدعين من تونس وخارجها وقد أصدر البشير المشرقي المجموعات الشعرية التالية :

ـ في البحث عن مقر

ـ نوافير .. وتشدو همسات الى الزمن الهارب

ـ أحبتي. . والليل . . والوطن

ـ على نقر المطر . . والذكريات

ـ توقعات الربيع الخامس

ـ السندباد والقمر الوحيد

ـ كتاب الفصول

ـ تحليق خارج حدود الحلم

ـ أقمار في ليالي الحنين

ـ فسيفساء الظل والألوان

ـ وكذلك مجموعة شعرية بالاشتراك ـ الرياح اللواقح ـ

بالإضافة إلى عديد القصائد الأخرى المنشورة في مختلف الصحف والمجلات والأنطولوجيات سواء في تونس أو خارجها فعسى أن تكون هذه المناسبة حافزا كي يجمع ما نشر وما لم ينشر من شعره ضمن ديوان كامل شامل يكون تتويجا لأعماله الشعرية .

البشير المشرقي من شعراء تونس الذين ظهروا وبرزوا في الثلث الأخيرمن القرن العشرين وقد شهدت هذه الفترة تحوّلات كبيرة على المستوى الثقافي إذ نشأت حركات في شتى الفنون ترنو إلى الجديد محاولةً فتح آفاق غيرِ مألوفة سواء في المسرح والموسيقى والرّسم والسينما أو في القصة والرواية والنقد والشّعر الذي شهد على مدى تلك السنوات حركات متنوعة المنطلقات ومختلفة التجارب والرّؤى أنتجت مدوّنة شعرية زاخرة وثريّة لذلك نجد صدى هذه الحركات في كتابات البشير المشرقي النقدية معبّرا عن نظرته للشعر التي بيّنها في خضمّ تلك الحركات فيُحدّده قائلا ضمن مقالة ـ أغراض الشعر التونسي الحديث ـ بمجلة الفكر أكتوبر 1978حيث يقول :

ــ كنت وما زلت أعتقد أن الشعر الخالص هو ذاك الذي ينفذ إلى القلوب والنفوس بواسطة مجموعة من الأدوات التي بدونها لا يكون الشعر شعرا ولكون للكلمة الشعرية الحيّز الجدير بها على خارطة التعبير الفنّي ومن هذه الأدوات كما لا يخفى عنصر الموسيقى الموحية التي تساعد على تقبّل ما يصبو إليه الشاعر من تعبير عاطفي إلى جانب التزامه العناية بالصورة الشعرية التي يعمل جاهدا على أن تكون في مستوى الجمالية التي تتطلبها حقيقة العمل الفنّي وليس عتصر الموسيقى او الإيقاع الشعري من خصائص الشعر العربي دون سواه بل نجده يحتلّ مكانة قصوى في كل عمل شعري مهما كانت اللغة التي أُخرج بها إلى الوجود ولعل الشاعر الفرنسي ـ بول فرلان ـ قد عبّر عن ذلك أحسن تعبير عندما قال في إحدى قصائده ـ إن الشعر موسيقى... وموسيقى قبل كل شيء.

فالشاعر البشير المشرقي يرى أنّ الشعر لا يكون إلا بتلازم الموسيقى والصّورة 

ونحن عندما نستعرض حتى عناوين قصائده نلاحظ أن غمامة من الأسى تخيّم على أغلب كلماتها وهذه بعض من تلك العناوين:

عيونك باقية وأنا راحل ـ للريح مواجعها ولقلبي البوح ـ اليوم لا تبكي الرياح على دمي ـ بكائية الوجد ـ من أغاني سيزيف المهزوم ـ ويرحل مثل النورس ظلي ـ ما تيسّر من أبجدية العشق والأحزان ـ مقدّمات للشتاء القادم

فجذور شجن البشير المشرقي تبدو قديمة لعلها من زمن الطفولة ونمت مع مكابدته، ذلك أن مِسحة الأسى وظلال الشجون في شعر البشير المشرقي يمكن أن نعتبرها اِمتدادا لمنجزات الرومنطيقية العربية بما في قصائده من اِحتفاء واضح بعناصر الطبيعة التي جاءت منثالة في أغلب صوره الشعرية ونجدها أيضا في بعض قصائده ضاربة الجذور في مُتون الشعر الأندلسي كما لدى اِبن زيدون واِبن خفاجة ولا شكّ أنّ البيئة التي نشأ فيها الشاعر والتي عاش فيها أيضا لها الأثر الواضح في شعره فربوع بنزرت ذات طبيعة غنّاء جمعت بين المروج وبساتينها وبين السواحل وخلجانها المنداحة بين الحقول والغابات وعند سفوح الجبال وكثبان الرّمال فالشاعر مِلء عينيه طبيعةٌ متنوّعة بشتى عناصرها التي لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائده

ولئن وردت أغلب قصائد الشاعر على شكل البحور الشعرية في إيقاع التفعيلة وترجيعة القافية فإن اِنتصاره إلى هذا الشكل لم يمنعه من التصرف أحيانا في نسق التفعيلات وتداخلها في القصيدة الواحدة بل قد يخرج عن النسق العروضي أيضا ويكتب أحيانا القصيدة الوجيزة أو الومضة وهذا يؤكد قدرته على الكتابة في مختلف الأشكال الشعرية.

***

سُوف عبيد – تونس

...........................

- هذه مساهمة في تكريم الشاعر التونسي البشير المشرقي بمنتدى - التنوير - الذي يشرف عليه الأستاذ الباحث - محمد المي - بمدينة الثقافة بتونس مساء الأربعاء 20 مارس 2024

في المثقف اليوم