أقلام ثقافية
محمد علي محيي الدين: ثامر الحاج أمين.. حارس الذاكرة الثقافية وراصد الوجع العراقي
وُلد الباحث والناقد ثامر الحاج أمين سنة 1955م في مدينة الديوانية، تلك المدينة التي نهضت على ضفاف الفرات محمولةً على نغمة “الحسجة” الفراتية، وأنجبت أجيالاً من الشعراء الشعبيين الذين صاغوا وجدان الجنوب العراقي وأهدوه موسيقاه العميقة ولهجته المتفردة. في هذه البيئة المشبعة بالشعر والإنشاد، تشكلت ملامح وعيه الأولى، فكانت الديوانية أكثر من مدينة ولادة ؛ كانت رحمًا ثقافيًا صاغ حساسيته الأدبية ووجه شغفه المبكر نحو الكلمة.
أكمل دراسته الأولية فيها، ثم انتقل إلى كلية القانون ليتخرج محاميًا ناجحًا، جامعًا بين صرامة النص القانوني ورهافة النص الأدبي، في تزاوج نادر بين العقل التحليلي والروح الشاعرة. غير أن القانون لم يكن سوى أحد مساراته، أما مساره الأصيل فظل الأدب، حيث كان منذ صباه مولعًا بالشعر، نهمًا للقراءة، يلتهم الكتب التهامًا، حتى نمت ملكاته الأدبية واتسعت رؤيته النقدية. وما إن بلغ ريعان الشباب حتى بدأ يكتب، ليجد طريقه سريعًا إلى النشر، ويغدو واحدًا من الأسماء الحاضرة في المشهد الثقافي العراقي بفضل قدراته الأدبية ونشاطه المتواصل، أصبح عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، ثم انتُخب رئيسًا لاتحاد الأدباء والكتاب في الديوانية لدورتين متتاليتين، وهو منصب لم يكن مجرد موقع إداري، بل منصة ثقافية مارس من خلالها دوره التنويري، وأسهم في تحريك الحياة الأدبية في مدينته، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العراقي العام. وكان حضوره مائزًا في المحافل والمهرجانات والأنشطة الثقافية داخل الديوانية وخارجها، حيث عُرف بحيويته الفكرية وقدرته على إدارة الحوار الثقافي بروح منفتحة ومسؤولة.
بدأ مسيرته الأدبية في مطلع السبعينيات بكتابة القصة القصيرة، ونشر عددًا من نصوصه في الصحف العراقية الصادرة آنذاك، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى الدراسات النقدية والمقالات الفكرية. وقد نُشرت كتاباته في طيف واسع من الصحف والمجلات العراقية والعربية، من بينها:(الصباح، الزمان، طريق الشعب، المؤتمر، الدستور، الحقيقة، البينة الجديدة، الصباح الجديد، بغداد، الاتحاد، الشرارة، القدس العربي، القبس الكويتية، مجلة الثقافة الجديدة، مجلة التراث الشعبي)، وهذا الانتشار الواسع يؤشر إلى حضوره المؤثر، وإلى الثقة التي نالتها كتاباته من المؤسسات الثقافية والإعلامية.
عُرف ثامر الحاج أمين بين زملائه بعلاقته الحميمة بالوسط الثقافي، وبروح المودة والتواصل التي نسج بها شبكة واسعة من الصداقات الأدبية داخل مدينته وخارجها، كما تميز بقدرته على اختيار الموضوعات “البِكر”، المثيرة للاهتمام، تلك التي لم تُستنفد نقديًا، فكان نصه غالبًا يحمل طزاجة السؤال وحرارة الاكتشاف. ولهذا غطّت مقالاته مساحات واسعة من الصحف والمجلات، وارتبط اسمه بالبحث الجاد والتنقيب الدؤوب في المنجز الإبداعي العراقي، غير أن دوره الأبرز يتجلى في وفائه النادر لزملائه الراحلين، إذ لم يكتفِ بالرثاء العابر، بل انشغل بجمع نتاجهم، وتوثيق تجاربهم، وكتابة الدراسات عنهم، حتى غدا بحق مؤرخًا أدبيًا غير معلن لمدينة الديوانية. ولولا جهوده في الجمع والتوثيق، لضاع الكثير من نتاج شعرائها وكتابها، كما ضاع غيره في غبار الإهمال والنسيان. لقد تصدى لمهمة شاقة: إنقاذ الذاكرة الثقافية من التآكل، وحماية التراث الإبداعي المحلي من الضياع.
أما إصداراته، فهي تشكل خريطة واضحة لاهتماماته النقدية والإنسانية، ومرآةً لتحولاته الفكرية والجمالية:
ساهم عام 2008 في إعداد ومراجعة وطبع المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي الراحل كزار حنتوش، في عمل توثيقي بالغ الأهمية.
وفي العام نفسه أعد وقدم ديوان الشاعر صاحب الضويري الموسوم " كتابات على جدار الزمن ".
عام 2011 صدر له عن دار تموز في دمشق كتاب «نهارات مشمسة»، الذي ضم قراءات في عدد من التجارب الإبداعية.
وفي عام 2015 صدر له عن دار كانون كتاب «ما يمكث في القلب»، وهو سياحة عميقة في فضاءات إبداعية مختلفة.
عام 2020 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «سيرة وجع عراقي»، متناولًا محطات من التجربة الحياتية والإبداعية للشاعر الراحل علي الشباني، في عمل يجمع بين النقد والسيرة والوفاء الإنساني.
عام 2021 صدر له عن دار نيبور كتاب «مرايا الطين»، الذي ضم إضاءات نقدية في نصوص إبداعية متعددة.
عام 2023 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «قطاف ما بعد الموسم»، جامعًا مقالات سياسية واجتماعية وأدبية.
عام 2024 صدر له عن دار رؤى للطباعة والنشر كتاب «التحليق في سماء ممطرة»، وهو مجموعة مقالات نقدية تعكس نضج رؤيته التحليلية.
وفي عام 2025 صدر له عن دار رؤى أيضًا كتاب «البقاء على قيد المهزلة»، الذي يمثل تأملات عميقة في واقع سريالي يختلط فيه العبث بالألم.
ولا يزال ثامر الحاج أمين يواصل عطاؤه الإبداعي، من خلال النشر المنتظم في الصحف، والمشاركة في النشاطات الثقافية، والحضور الدائم في المشهد الأدبي، مؤكدًا أن الكتابة لديه ليست مهنة عابرة، بل قدرٌ ثقافي، ورسالة وفاء للكلمة، وحراسة مستمرة لذاكرة العراق الثقافية.
إنه باختصار: كاتبٌ يمسك بالقلم كما يمسك المؤرخ بالمخطوطة، ناقدٌ يقرأ النص بعين المحبة قبل عين التحليل، وباحثٌ يدرك أن ضياع التراث يبدأ حين نصمت عنه.
***
محمد علي محيي الدين







