أقلام ثقافية

طه جزاع: وسام الفارس لبائع الصحف

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار عبر الشاشات، وتُختصر العناوين في إشعارات الهواتف، بدا المشهد الفرنسي مختلفاً وهو يمنح وساماً رسمياً لبائع صحف متجوّل. لم يكن الحدث سياسياً ولا عسكرياً ولا علمياً، بل إنسانياً خالصاً، إذ قلد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء الماضي، بائع صحفٍ مخضرماً وسام الاستحقاق الوطني برتبة فارس. ومثل هذا الخبر قد يمر مروراً عابراً في نشرات الأخبار، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أعمق من مجرد تكريم فرد. إنه احتفاء بمهنة، وبذاكرة مدينة، وبعلاقة حميمة بين الناس والورق.

أمضى علي أكبر، وهو من أصل باكستاني، أكثر من خمسين عاماً في شوارع باريس يبيع الصحف للناس. ولد في شمال باكستان أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وانتقل إلى باريس في عام 1973 بحثاً عن حياة أفضل، ليدخل مهنة بيع الصحف في أحد أحياء العاصمة. وسرعان ما أصبح شخصية مألوفة لدى سكان المدينة وزائريها. يقرأ عناوين الصحف بأعلى صوته، ويوزّعها على المقاهي والمارة، بروح من الدعابة والمحبة والدفء الإنساني، حتى غدا آخر بائع صحف متجول في باريس، وربما في فرنسا بأكملها، بعد أن انقرضت هذه المهنة تقريباً بفعل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي. وكان من اللافت أن يصفه ماكرون بأنه " أكثر الفرنسيين فرنسياً "، و" صوت الصحافة الفرنسية "، في إشارة إلى أن الصحف الورقية لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل جسراً يومياً للتواصل بين الناس، ونبع حياة اجتماعية في المقاهي والشوارع. وتكريم كهذا يقول أن المهن البسيطة في ظاهرها قد تكون عظيمة في أثرها، فبائع الصحف ليس حلقة تجارية فحسب، بل حلقة ثقافية. بين يديه تمرّ عناوين السياسة والفكر والأدب والفن، ومن " بسطيته " الصغيرة تبدأ رحلة الخبر نحو عقل القارئ. إنه أحد آخر الحراس الواقفين على بوابة الورق.Screenshot

في عالمنا العربي، حيث تتراجع الصحافة الورقية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والتحولات الرقمية، يبدو هذا الوسام رسالة رمزية بليغة، فالصحيفة ليست مجرد سلعة، بل تقليد مدني، وطقس يومي، وذاكرة ملموسة. رائحة الحبر، خشخشة الصفحات، طيّ الجريدة ووضعها تحت الإبط، كل ذلك ليس حنيناً رومانسياً فحسب، بل جزء من تاريخ المعرفة الحديثة. وكثيراً ما يحمّل صحفيون مخضرمون، تراجع الصحف الورقية لغياب مؤسسات توزيع فاعلة، واختفاء باعة الصحف المتجولين من الشوارع والتقاطعات، وهذا ما أضر بالصحف الورقية، وليس العصر الرقمي وحده.

يظل علي أكبر ليس مجرد بائع صحف، بل صوتاً حياً لحقبة إعلامية تحوّلت مع الزمن، ودليلاً على أن للصحافة الورقية إرثاً ثقافياً وإنسانياً لا يمكن تجاهله حتى في عصرنا الرقمي المتسارع . والطريف أنه، رغم اقامته الطويلة في باريس، لم يحصل بعد على الجنسية الفرنسية، وهو يأمل - كما يقول - أن يساعده هذا التكريم في تحقيق حلمه بالحصول عليها .

***

د. طه جزّاع – كاتب أكاديمي

 

في المثقف اليوم