عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

بهاء سوادي: تجديدُ التفكيرِ الدينيِّ اساس الحياةٍ الروحيةٍ والأخلاقية للإنسان

التطور مصير الوجود كله، مصير الإنسان والعالم

يولد الإنسان في بنيةٍ معرفية وثقافية واجتماعية هشّة، ويبدأ رحلته في صراعٍ دائم مع الحياة، رغم ضعفه وهشاشته الوجودية. إلا أنه يحمل في داخله رغبةً وطموحًا متجددًا لإثبات وجوده، والارتقاء بذاته إلى صورة أكثر تعقيدًا وتركيبًا ونضجًا. فينتقل من العتمة إلى النور، ومن الضعف إلى القوة، ومن البساطة إلى التعقيد، عبر تفاعله المستمر مع الحياة، وما تنتجه من علومٍ ومعارف وخبرات ونشاطات إنسانية متجددة.

والإنسان كينونةٌ مقدسة تستمد قيمتها مما تمتلكه من قدرةٍ على التفكير والإبداع والابتكار. فمن رحم أفكاره ومعارفه،  انبثقت حضارات العالم، وتكوّن تراثه الإنساني الأصيل، وتشكلت منجزاته العلمية والفكرية عبر التاريخ.

وعندما نتحدث عن الإنسان، فإننا نتحدث عن كائنٍ، مفكر، مدرك، واعٍ، بذاته وبوجوده، ومدركٍ لعظمة إمكاناته العقلية والثقافية والاجتماعية والسياسية. وهو الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على إنتاج المعنى، وإعادة تشكيل واقعه، وصناعة مستقبله من خلال وعيه وإرادته.

يدرك الإنسان اللغة والدين والحضارة، ويستوعبهما بوصفهما مفاهيم حيّة قابلة للإبداع والتطوير والتجديد، وليست كيانات جامدة خارج نطاق التاريخ. فالتأمل في تاريخ الإنسانية يكشف عن علاقةٍ جدلية تقوم على التأثير والتأثر المتبادل بين الإنسان وهذه المفاهيم.

فاللغة، واللغة الدينية، والحضارات، وسائر العلوم والمعارف، ليست معطيات ثابتة منفصلة عن الإنسان، بل هي منجزات إنسانية نشأت بفعل عقله وخبرته وتجاربه التاريخية، وتأثرت بتطور وعيه واحتياجاته وابتكاراته.

كما ان هذه المنظومات الفكرية والثقافية المتمثلة باللغة والدين والحضارة تعود لتؤثر في الإنسان نفسه،  فتسهم في تشكيل وعيه، وصياغة شخصيته، وتوجيه مسار تطوره الحضاري والثقافي والانساني.

فالدين من أهم المفاهيم التي تترك أثرًا عميقًا في عقل الإنسان وروحه، مثلما يتغذى هو الآخر بما يرفده العقل الإنساني من أفكارٍ ورؤى وتطلعاتٍ ومفاهيم جديدة، تضمن له البقاء حيًا ومتجددًا، وقادرًا على مواكبة تطور الإنسان واتساع آفاقه المعرفية والثقافية والاجتماعية.

الدين بنيةٌ إنسانية متعددة الأبعاد، تتنوع تجلياتها بتنوع الأفكار والمعارف والخلفيات الاجتماعية والثقافية. فهو لا يُختزل في صورةٍ واحدة، وإنما يتشكل تبعًا لتعدد التجارب الإنسانية واختلاف طرائق فهم الإنسان لذاته وللعالم.

ويتجلى الدين بوصفه تجربةً روحية عندما يشعر الإنسان بعطشٍ وجودي يدفعه إلى البحث عن معنى لحياته، معنى يغذي وجوده، ويمنحه السكينة والمحبة والسلام. كما يتجلى بوصفه ظاهرةً اجتماعية عندما يتشارك الإنسان معتقداته وآراءه وممارساته الطقوسية والشعائرية مع الآخرين، بما يعزز هويته الإنسانية، ويمنحها الاستمرار والحضور داخل المجتمع.

وفي كلتا الصورتين، يمنح الدين الإنسان أفقًا وجوديًا يبدد قلقه أمام الفناء، ويؤسس لما يسميه عبد الجبار الرفاعي «التكامل الوجودي الذي ينعش الإنسان بفكرة الخلود عندما يواجه سؤال الموت».

إلا أن مفهوم التدين السائد في كثير من البيئات اليوم يغلب عليه الطابع الفقهي والعقدي والأيديولوجي، على حساب التدين الأخلاقي الذي يربي الإنسان على احترام الآخر المختلف، وتقبّل آرائه ومعتقداته، وتقدير جهوده الروحية والفكرية والاجتماعية.

وعندما يتحول الدين إلى أيديولوجيا، فإنه يفقد كثيرًا من أبعاده الإنسانية، ويغدو وسيلةً لاحتكار المعنى والحقيقة من قبل فئةٍ دينية بعينها، توظفه لخدمة مصالح سياسية أو اقتصادية أو عقدية، بدل أن يكون مصدرًا للهداية وبناء الإنسان.

ومن هنا، فإن تجديد الفكر الديني لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورةً لكل إنسان يسعى إلى حياةٍ روحية وأخلاقية وجمالية. فالتجديد المنشود هو الذي يعيد للدين رسالته الإنسانية، ويؤسس لمعنى أخلاقي يجعل من الأخلاق ممارسةً يومية تقوم على تقبّل الآخر واحترام اختلافه، لا وسيلةً لإدانته أو إقصائه. فالأخلاق، في جوهرها، هي القدرة على رؤية الإنسان في الآخر، واحترام طريقته الخاصة في فهم الله والإنسان والعالم.

***

بهاء سوادي

في المثقف اليوم