عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

نهضة الإمام الحسين من "ناسوت الثورة السياسية" إلى "لاهوت الاستثناء الغيبي"

هذه رؤية نقدية عقلانية تنتمي منهجيا إلى مدرسة "القراءة التاريخية الواقعية" لحركة الإمام الحسين (ع) نضعها في مقابل "القراءة الكلامية الميتافيزيقية" السائدة في الفضاء العقدي التقليدي.

قراءتنا تتعامل مع الواقعة (واقعة الطف) بوصفها حدثا تاريخيا خاضعا لظروف بيئته ومحكوما بآليات السياسة وصراع الممكن والمتاح بعيدا عن حتميات السيناريو الغيبي المرسوم سلفا.

سنفكك حيثيات الواقعة ونقوم بقراءتها عبر الأبعاد البنيوية والمنهجية التاريخية الواقعية عبر النقاط التالية:

أولا: إعادة الاعتبار لـ "تاريخية الحدث" وبشريته:

تقوم رؤيتنا في جوهرها على استبعاد الطابع الغيبي لنهضة الإمام الحسين (ع) وفهمها من خلال "الفعل البشري" المحكوم بالمعطيات المعرفية والسياسية المتاحة لحظة اتخاذ القرار بدليل التغيير والتعديل الذي حصل في خيارات الإمام (ع) - طلب الرجوع أو التوجه إلى الثغور - كدليل على أن السلوك كان استجابة لواقع متغير وليس تنفيذا لمخطط ميتافيزيقي جامد. هذا المنظور يرى أن القول بعلم الغيب المطلق والمسبق بالتفاصيل يُفرغ المواقف التاريخية والمفاوضات من قيمتها العقلانية ويحولها إلى مجرد "أداء مسرحي" معد مسبقا بينما التعامل مع الإمام كقائد سياسي يتحرك وفق حسابات الربح والخسارة وظنون النصر يُضفي على حركته بُعدا إنسانيا بطوليا حقيقيا وقابلا للدرس التاريخي حيث حطمت هذه الثورة جبروت بني أمية وفضحتهم أمام أنظار كل المسلمين ولولا ثورة الحسين (ع) لرأيت اليوم ثقافة بني أمية هي التي تسود إسلام المسلمين.

ثانيا: جينالوجيا تحول الخطاب من الواقعي إلى الغيبي:

هنا نرصد آلية "تحول خطاب المؤسسة الدينية عبر الزمن فبينما كانت الحركة في أصلها واقعة سياسية اصطدمت بحسابات موازين القوى المعقدة جرى إعادة إنتاجها وتأطيرها لاحقا من قِبل المؤسسة الكلامية الشيعية لحماية البنية الاجتماعية والمؤسسة الدينية الشيعية من الفناء عبر تحويل الحدث من نموذج يُحتذى به إلى "واقعة استثنائية ذات تكليف خاص" محاطة بالملائكة والدموع والفجيعة حيث جرى أسطرة الحدث بتجريد ميتافيزيقي فرض حظرا عمليا وانسدادا نظريا على تقليد الثورة واستبدلها بطقوس الذاكرة البكائية من لطم وعويل كآلية دفاعية للحفاظ على الجماعة.

ثالثا: وعد النصر الإلهي الذي لم يتحقق:

ربط ثورة الإمام الحسين بالوعي القرآني والنبوي المستقر حول نصر الفئة القليلة صاحبة الحق وفق شرط "إن تنصروا الله ينصركم" هذا الربط يتكئ على إرث معركة "بدر" و"الأحزاب" التي لها ظروفها التاريخية الخاصة حيث التدخل الإلهي مشروط بالثبات والمواجهة.

ومعركة كربلاء وفق هذا المنظور الإيماني الغيبي هي أيضا نصرة لدين الله فلماذا لم يتحقق وعد النصر الإلهي؟

مع إنها مثلت منعطفا تاريخيا مصيريا لاتجاه بوصلة الدين الإسلامي بين مسار الحق والباطل إلى قيام الساعة.

هنا اصطدام هذا الوعي الإيماني اللاهوتي ببراغماتية السياسة الأموية وصدمة الواقع المادي التاريخي الصرف.

فالواقعية التاريخية تقف جوابا صريحا هنا يعري أي بعد لاهوتي عن الصحة ويفتح الباب للبعد الناسوتي في فهم الأحداث كما هي في الواقع أن النصر ليس وعدا إلهيا مطلقا بل حقا طبيعيا إذا توفرت شروطه الواقعية.

اعتماد هذا التحليل العقلي يكسر الهيمنة الكلامية على التاريخ لأننا نقدم تفسيرا متماسكا ومتسقا مع منطق الحوادث التاريخية وسلوك البشر. ونحن نعرف أن هذا الفهم والتحليل يصطدم مباشرة بالبنية العقائدية المستقرة في الفكر الشيعي حول "طبيعة الإمامة" وعلم الغيب مما يجعله مرفوضا في سياق اللاهوت التقليدي الذي يرى في الغيب ركيزة أساسية لا يمكن عزلها عن حركة الإمام المعصوم.

وإذا أردنا تعميق النظر نسأل كيف أثر هذا الانتقال من "أطروحة الثورة السياسية" إلى "أطروحة الاستثناء الغيبي" على تطور الفكر السياسي الشيعي ونظرية الحكم لدى المؤسسة الدينية في القرون اللاحقة؟

ونقول جوابا: إن الانتقال البنيوي في قراءة حركة الإمام الحسين (ع) من "أطروحة الثورة السياسية" (باعتبارها حراكا بشريا يطلب التغيير وإقامة السلطة العادلة) إلى "أطروحة الاستثناء الغيبي" - باعتبارها تكليفا خاصا وميتافيزيقيا غير قابل للتكرار - يمثل أحد أهم المنعطفات المعرفية التي شكلت العقل السياسي الشيعي وصاغت مسار نظرية الحكم لدى المؤسسة الدينية (الحوزة العلمية) عبر القرون.

هذا التحول لم يكن مجرد إعادة تفسير لحدث تاريخي بل كان "آلية دفاعية واستراتيجية بقاء" أنتجت جملة من التحولات العميقة في الفكر السياسي ويمكن تتبع آثارها على النحو التالي:

1. صياغة "عقيدة نظرية الانتظار" وتأجيل تأسيس الدولة:

الأثر الأكثر مباشرة لهذا الانتقال كان "تعطيل الفكرة الثورية" وتأجيل الطموح السياسي لإقامة سلطة شرعية.

 فعندما حُولت كربلاء إلى "حادثة استثنائية" جرى سحب الشرعية من أي حراك مسلح يُحاكيها أو يكررها وتطور هذا لاحقا في (عصر الغيبة) إلى صياغة نظرية "تجميد الصلاحيات السياسية الكبرى" مثل الجهاد الابتدائي وإقامة الحدود كاملة وتشكيل الحكومة الشرعية وحصرها في المعصوم الغائب.

هنا انتقلت المؤسسة الدينية من دور "المحرض أو القائد للثورة" إلى دور "الحافظ للهوية والجماعة" وأصبح الأصل في التعامل مع السلطات القائمة هو عقيدة "التقية" والمهادنة الواقعية وانتظار المخلص الغيبي (الإمام المهدي) مما أدى إلى غياب نظرية حكم شيعية عملية لقرون طويلة.

2. نشوء الفقه التفرغي وتأصيل "ولاية الفقيه المحدودة":

انعكس هذا التحول الجذري على طبيعة الإنتاج الفقهي ومفهوم الولاية وسلطة العالم الديني بالانكفاء على الفقه العبادي والمعاملاتي بدلا من تطوير "فقه الدولة" أو "الفقه السياسي" حيث تركز الجهد المعرفي للمؤسسة الدينية منذ عهد الشيخ الطوسي وصولا إلى العصور المتأخرة على تنظيم شؤون الفرد والجماعة المؤمنة داخليا (العبادات، المعاملات، الأخماس، الأحوال الشخصية). كبديل للحكم نظرا لأن السلطة السياسية الكبرى معطلة بغياب المعصوم فقد طور الفقهاء مفهوم "الولاية المحدودة" أو "الأمور الحسبية" (إدارة أموال القُصر، الأوقاف، الفتيا، القضاء المحدود) وهي ولاية تدير المجتمع سوسيولوجيا وثقافيا دون الاصطدام بالسلطة السياسية القائمة أو منافستها على كرسي الحكم.

3. وظيفة "الطقوس العاشورائية" كبديل عن المؤسسة السياسية:

حين جُردت حركة الإمام الحسين(ع) من أبعادها السياسية الإجرائية أنكفأت الثورة وتحولت طاقتها الكبيرة إلى محض طقوسية ساذجة هدفها التنفيس السيكولوجي وسد الفراغ حيث أصبح البكاء والعزاء والمآتم هي "المؤسسة البديلة" التي تجمع الطائفة وتحافظ على تماسكها وصيرورتها التاريخية في مواجهة السلطات المخالفة.

هنا تحول الاحتجاج من "فعل سياسي مادي" (تغيير الحاكم) إلى "موقف عاطفي وعقدي" (اللعن والبراءة والبكاء والندب).

صحيح أن هذا البعد الغيبي سمح للجماعة بالاحتفاظ بروح الرفض الداخلي لكنه ولد خنوعا خشية دفع الكلفة السياسية الباهظة للثورة المسلحة.

4. شرعنة واقعية للأنظمة القائمة (البراغماتية السياسية):

أدى تعطيل النموذج الحسيني الثوري إلى فتح الباب أمام نوع من البراغماتية في التعامل مع الدول القائمة - حتى وإن اعتبرها الفقه الشيعي "دولا غير شرعية" أو ما يسمى (حكومات الجور) - لقبول كبار الفقهاء (مثل الشريف المرتضى، والخواجة نصير الدين الطوسي، والمحقق الكركي) بمناصب رسمية أو تقديم الشرعية السياسية الواقعية لدول كبرى كالدولة الصفوية أو القاجارية حيث استقرت القناعة لدى المؤسسة الدينية بأن "حاكم الظلم الذي يستتب معه الأمن" أولى من "الفوضى"، لأن حركة التغيير الجذري (النموذج الحسيني) مغلقة غيبيا وبالتالي فإن حفظ دماء الشيعة ومؤسساتهم العلمية مقدم على المغامرة السياسية غير مضمونة النتائج.

العودة إلى "أطروحة الثورة":

من المفارقات التاريخية أن الفكر السياسي الشيعي المعاصر شهد في القرن العشرين وتحديدا مع مدرسة الإمام الخميني والحركة الإسلامية الحديثة انقلابا بنيويا مضاداً حيث جرت إعادة "تسييس" حركة الإمام الحسين ونزع الغيبية عنها جزئيا لإعادة استخدامها كوقود ثوري.

فانتقلت المؤسسة الدينية الشيعية من "الاستثناء الغيبي المانع للاقتداء" إلى "النموذج البشري الواجب الاتباع" ورفعوا شعار "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" وهو ما مهد الطريق لولادة نظرية "ولاية الفقيه المطلقة" التي كسرت عقيدة الانتظار السلبي وقررت إقامة الدولة وتولي الحكم نيابة عن المعصوم لتغلق بذلك دائرة التحول البنيوي وتعود بالمؤسسة الدينية الشيعية إلى مربع السياسة الأول.

أخيرا نقول: إن الإمام الحسين (ع) قدوة لكل ثائر حر وشعار لكل ذي كرامة ومن الظلم قتل ثورته بالطقوس التي أصبحت تجارة مربحة لكل متربح.

***

سليم جواد الفهد

في المثقف اليوم