عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

عامر عبد زيد: الدين وأثره في التغيرات الاجتماعية

"مقاربة في فكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر"

خلاصة: يعرض الباحث بشكل مختصر طائفة منتقاة من المحاولات الرئيسة في الفكر الغربي ضمن مقولة (التغيير الاجتماعي)، ثم يركز بالتطواف في تراث السيد محمد باقر الصدر + ضمن هذا الإطار.

كلمات مفتاحية

تقدم، تطور، مماثلة عضوية، دوران النخبة، رأسمال.

مقدمة

التغير الاجتماعي موضوع من المواضيع الجدلية من دون قرين فهو يعد من التحولات المجتمعية التي تعرض البنية الاجتماعية إلى التحول وهو قرين مفاهيم متنوعة، إلا أنها متقاربة مثل: التطور، والتقدم، والتغير، وهي موضوعات متنوعة الأسباب والغايات؛ إلا أنها قد تكون متقاربة من مفهوم التغير، لعل هذا ما كان يقصده علماء الاجتماع وهم يحاولون وصف ظاهرة أو ظواهر اجتماعية وهم يخضعون إلى توجهات فكرية أو علمية معينة ظهرت في ظل الحداثة وما ظهر بها من هيمنة الفلسفة الوضعية الاجتماعية التي تقرن كل شيء بالتقدم Progress العلمي وترى أن المجتمع يمر بتطور متراكم صوب الأمام إلا إن هذا المفهوم تعرض إلى النقد في ظل النقود التي وجهت إلى نظرية التطور Evolution وأبعادها الحتمية في رصد التحولات الاجتماعية والثقافية في سبيل فهم المتغيرات المجتمعية، وربطها بالعوامل التي كانت كامنة خلف التغير Change. على الرغم من أن التغير من حقائق الوجود، وما يتجلى فيه من متغيرات عامة كانعكاس للنشاط البشري الاجتماعي كونه ضرورة حياتية للمجتمعات البشرية فهو سبيل بقائها ونموها، بالتغير يتهيأ لها التكيف مع واقعها، وبالتغير يتحقق التوازن والاستقرار في أبنيتها وأنشطتها وعن طريق تغير متطلبات الجماعات لأفرادها، وحاجاتهم المتعددة والمتجددة، وقد أدى التغير دوراً إيجابياً في نشأة كثير من العلوم الطبيعية والدراسات الإنسانية، فقد أخذت ظاهرة التغير انتباه الإنسان منذ بدأ يفكر في الوجود إذ لاحظها في حركة الأجرام السماوية، وانتقالها من مكان إلى مكان، ولمسها في تعاقب الليل والنهار فذهب خياله وفكره إلى تفسيرات ميثولوجية أسطورية وإلى تعليلات ثيولوجية لاهوتية، انتهت إلى إقامة علم الفلك والأجرام السماوية.

وقد ظهرت هذا التوصيفات التكوينية في النصوص المقدسة وهي ترصد غايات الله من خلق البشرية وقصده من إعمار الكون كونه خليفة لله في الوجود، ويخلق بظاهره عالماً من التفاصيل والأخبار ويخلق أيضاً في داخله مساراً يعيد الإنسان إلى أصله، "فالدين هو الطريق الذي يجعل الرحلة أمراً مستطاعاً يستعيد الشخص فيها خليقته الأولى التي نشأت من الرب".

يقابلها تفسيرات حداثية غربية كما تنقل في علوم الاجتماع والانتروبولوجيا وكما نستعرضها في الاتجاهين في هذا البحث، فيما سوف نستعرض التصورات الإسلامية في المبحث الثاني فالإسلامية تراعي المرجعيات الدينية في التفسير وتسوغ التحول من خلال مركزية الله في الكون عند السيد محمد باقر الصدر.

المبحث الأول: التحول الاجتماعي من وجهة نظر حداثية

وكل هذا التغير له تفسيرات متنوعة منها التفسيرات المادية الغربية كما تجلت في تصورات رواد علم الاجتماع، التي حاولت تقديم توصيف للتغير الاجتماعي الحاصل بالمجتمع الحديث: كالعائلة، ونظم الحكم، وأنظمة الدين والتعليم.

أولاً: التغير في فكر رواد علم الاجتماع

إذ اهتم كثير من رواد علم الاجتماع بمفهوم "التغير"، وتحديد ماهيته، والمنحى العام التاريخي ومعناه، وغالباً ما سعوا لشرح التغير الاجتماعي، ومحاولة التنبؤ بمستقبله على وفق أنموذج محدد. ومن الرواد الأوائل من انصب اهتمامهم حول مفهوم التغير والمفاهيم المرادفة له، كالتقدمProgress، الذي يشير إلى أن ما يحدث أو يقع مستقبلاً سيكون أفضل مما وقع أو حدث قبله، والتطور Evolution، الذي يشير إلى زيادة في القدرة على استغلال البيئة، واستعمال مصادر الثروة التي تحتويها، والتغير Change، الذي يشير إلى انتقال الفرد أو الجماعة من حالة إلى أخرى، داخل بناء اجتماعي تتغير معه أنماط العلاقات والنظرة الاجتماعية، ومن بين هؤلاء الرواد: هربرت سبنسر، أوجست كونت، فلفريدو باريتو، کارل مارکس وغيرهم، وقد ارتأينا التعرض بصورة موجزة لأفكار هؤلاء الرواد، آخذين بعين الاعتبار الجانب الذي يخدم موضوع الدراسة.

أولاً: هربرت سبنسرH.Spencer، ١٨٢٠- ١٩٠٣م. ألَّف "سبنسر" مجموعة ضخمة من الكتب تتصف بدقة التحليل وعمق الأفكار وأصالتها؛ ولهذا يعدُّ من مؤسسي علم الاجتماع الحديث. وقد رحَّب الرأسماليون بفكر "سبنسر"، وعدوا نظرياته مسلمًا بها؛ وذلك لأنه كان يعد صعودهم للحكم ليس فقط نتيجة حتمية بل حقيقة علمية. وكان "سبنسر" من أشد المعجبين بالداروينية الاجتماعية، حتى أنه حنث بيمينه بعدم دخول أي كنيسة ليحضر الصلاة على روح "دارون". وانطلاقاً من هذه المرجعية التطورية نظر إلى تطور المجتمع بأنه عملية نمو وارتقاء وهي العملية شأنها شأن التطور العضوي- عملية نمو متزايدة التعقيد، ومتزايدة التباين في التركيب والعمل، وكذلك في الاعتماد المتبادل بين الأجزاء المختلفة، وتصور "سبنسر قيام نظام صناعي يحمي حقوق الفرد بشكل متزايد، كما يقلل هذا النظام من مركزية الحكومة ويلغي الحروب ويزيل الحدود الإقليمية، ويقيم مجتمعاً عالمياً!؟ فقد أدرك سبنسر تنوع العوامل التي تؤدي إلى التطور الاجتماعي، وأدرك العقبات التي قد تعترض التطور في مجتمع معين، إذ يرى أن التطور أمر حتمي لا يمكن لأي مجتمع أن يتحاشاه أو يبتعد عن مجراه والتطور الاجتماعي من المظاهر العامة التي تميز المجتمعات بعضها عن بعض، خاصة من حيث وظائفها، وقد وضع "سبنسر" نظريات في علم الاجتماع؛ أهمها "المماثلة العضوية"، إذ رصد التشابه بين تكوين الكائنات الحية، وجعل المجتمعات كالكائنات الحية أيضاً تتماثل في التطور من المجتمعات البسيطة إلى المجتمعات المركبة. ومن أهم مؤلفاته كتب: "الرجل ضد الدولة"، و"أسس علم الحياة"، و"أسس علم النفس"، و"أسس علم الاجتماع"، و"الاستاتيكا الاجتماعية".

أما " أوجست كومت AugusteCompte 1798- 1857م فهو يعد مؤسس المدرسة الوضعية في علم الاجتماع على الرغم من هيمنة التأمل الفلسفي في كتاباته، إذ يعد تلميذ "سان سيمون"، وقد نظر إلى التغير الاجتماعي من خلال أفقه الفلسفي الوضعي، ومن خلال قانون الحالات الثلاث: الدينية -إذ ناقش هذه المرحلة من خلال تطور الوعي في القروسطية في عصر المسيحية بوصفه صورة للانسجام بين الدولة القروسطية والدين، وقد عد المذهب الكاثوليكي رائد ذلك الإبداع المميز للعبقرية السياسية الإنسانية- والفلسفية الميتافيزيقية التي يضع لها بداية 1300 إلى 1800م، وهو يرصد التحول في الحداثة التي جاءت بالتنوير والثورة الفرنسية التي يرى فيها انتصاراً للسياسة والحقوق، وهو بهذا يشير إلى اللائحة التي وضعتها الثورة الفرنسية بعنوان أنها (قوانين حقوق الإنسان)، أما الحالة الثالثة فهي العلمية الوضعية، في محاولة لجعل العلوم الاجتماعية "وضعيةً". أكد كونت أنه -وبغض النظر عن الصعوبات التي واجهها في دراسة موضوعه- في حالة المعالجة السليمة قد توصل إلى استنتاجات أكيدةٍ بقدر استنتاجات الهندسة نفسها.

والحقيقة الوضعية تنطلق من إعطاء الأولوية للكل على الجزء؛ لأن "الوحدة هي النمط الطبيعي للوجود الإنساني"، وهو التصور الذي أثر في تصوره عن التغير الاجتماعي والأخلاقي الذي بدوره يؤثر في تغير النظم الاجتماعية القائمة في المجتمع. إذ يقول: "إن الوضعية لا تقر حقاً آخر غير حق القيام بالواجب ولا تقر واجباً غير واجبات الكل تجاه الكل؛ لأنها تنطلق دائماً من وجهة نظر اجتماعية، ولا يمكن لها أن تقبل بمفهوم الحق الفردي. فكل حق فردي هو عبثي بقدر ما هو غير أخلاقي".

فيلفريدو باريتو  FParito 1848-1923م: كانت أطروحته بعنوان "المبادئ الأساسية للتوازن في الأجسام الصلبة". يمكن إرجاع اهتمامه اللاحق بتحليل التوازن في الاقتصاد وعلم الاجتماع إلى هذه الورقة العلمية، إذ تناول التغير في بعده السياسي، ورأى أن التغير السياسي مشابه للدولاب الذي يدور بينما يبقى هو نفسه من دون تغير، فالجماهير تبقى بعيدة عن المشاركة الفعالة في حكومتها، والتغير الذي يحدث ليس إلا استبدال لنخبة مختارة بنخبة أخرى، وقد عبر عن هذا بمقولته الشهيرة: "التاريخ هو مقبرة من الطبقات الأرستقراطية".

طور باريتو في كتابه "معاهدة علم الاجتماع العام" 1916م، فكرة دوران النخبة، وهي أول نظرية دورة اجتماعية في علم الاجتماع. يشتهر باريتو بقوله "التاريخ مقبرة من الطبقات الأرستقراطية"  السالفة الذكر. يبدو أن باريتو قد تحول إلى علم الاجتماع ليفهم لماذا لم تنجح نظرياته الاقتصادية الرياضية المجردة في الممارسة العملية، اعتقادًا منه بتدخل عوامل اجتماعية غير متوقعة أو لا يمكن السيطرة عليها. يرى علم الاجتماع خاصته أن الكثير من العمل الاجتماعي غير منطقي وأن الكثير من التصرفات الشخصية مصممة لإعطاء منطقية زائفة لأفعال غير عقلانية. نحن مدفوعون، بحسب قوله، بوساطة بعض "البقايا" وبوساطة "اشتقاقات" من هذه البقايا. والأهم من ذلك يتعلق بالفكر المحافظ، والمجازفات، والتاريخ الإنساني هو قصة تبادل هيمنة هذه المشاعر على النخبة الحاكمة التي تصل إلى السلطة حاملةً الفكر المحافظ بشكل قوي ولكن تتغير تدريجيًا إلى فلسفة "الثعالب" أو المضاربين. ثم تحدث كارثة، عند العودة إلى الفكر المحافظ الذي تتبعه عقلية "الأسد". يقول باريتو إنه يمكن كسر هذه الدورة باستعمال القوة، ولكن النخبة تصبح ضعيفة وإنسانية وتبتعد عن العنف. فضلاً عن ذلك فإن التغير بحسب باريتو لا يتم من خلاله الاستجابة للتحرك السياسي بين الجماهير أو بين طبقات اجتماعية معينة، بل التغير هو مسألة داخلية صرفة، أو قضية تتم من ضمن النخبة الممتازة.

يرى ماكس فيبر Max Weber، أن التنظيم الاجتماعي أو البيروقراطية يستند بالضرورة على مفهوم "الشرعية"؛ بمعنى أن أي تنظيم اجتماعي؛ لكي يكون متماسكاً ويؤدي وظائفه، لابد لأفراده من قناعة وإيمان بشرعيته، وهذه الشرعية تحيل على مناقشة مفهوم السلطة، وتمييزها عن مفهوم التسلط، لأنه كثيراً ما يختلط مفهوم السلطة بالتسلط. فماهي السلطة عند ماكس فيبر؟ وكيف استطاعت تحقيق مشروعيتها وفعاليتها من داخل التنظيم البيروقراطي؟ من أجل الإجابة نجد إن التغير يعد أمراً طبيعياً؛ لكن من الضرورة تحديد كونه شرعياً من عدمه، ويكون تغيير النظام القديم الذي يكون قد استنفذ شرعية قيامه بنظام جديد من خلال بروز قائد قادر على الاستقطاب من خارج النظام، ليستولي على الحكم، وينشئ نظاماً جديداً على أنقاض النظام القديم. إلا أنه وبحسب "فيبر"، فإن أساس البنية الجديدة ستواجه الافتقار إلى الشرعية التي قد تمنح حق الانتفاضة لمعارض آخر يؤدي الدور نفسه الذي أداه من سبقه، ومن جانب آخر، فإن خط التطور بحسب فيبر - يكون على وفق خط مستقيم، إذ ينظر إلى تطور الثقافة أنها عملية عقلنة متزايدة باستمرار وتنام للتجانس والتماسك الداخليين، وبهذا الصدد يعرف ماكس فيبر السلطة هكذا: "احتمال أن تطيع جماعة معينة من الناس الأوامر المحددة التي تصدر من مصدر سلطة معينة"؛ فالطاعة بهذا المعنى تؤدي إلى شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي يسمى في الغالب بالبيروقراطية. علماً أن طاعة فرد أو جماعة ما لأوامر وتعليمات فرد آخر أو جماعة أخرى يستدعي وجود شرعية أو مبررات على أساسها تتم الطاعة، وتنفذ الأوامر. وقد ميز ماكس فيبر بين ثلاثة أنواع من الشرعية التي تقود إلى ثلاثة أنواع من السلطة هي:

أولاً - السلطة القائمة على شرعية مقبولة: هي السلطة التي تستوجب الطاعة؛ لأنها نابعة من مصدر شرعي مثل سلطة الأب داخل الأسرة وسلطة التعاليم الروحية في الدين، وهي سلطة يطيعها الفرد أخلاقياً.

ثانياً - السلطة القائمة على التسلط: هي السلطة التي تستوجب الطاعة؛ لأنها نابعة من مصدر القوة، واستعمال العنف والقهر مثل سلطة الحاكم العسكري في المناطق المحتلة في أثناء الحروب، فهذه السلطة يطيعها الفرد مكرهاً؛ تفاديا للردع والعقاب.

- السلطة القائمة على الإقناع: هي السلطة التي تستوجب الطاعة؛ لأنها نابعة من الاقتناع بمصدر السلطة، يطيعها الفرد بعد أن يقتنع ويؤمن بها.

ويحتسب في مسوغات التغير التميز بين كونه شرعياً يأخذ بنظر الاعتبار رغبات الناس أو أنه يعتمد على القهر والاستبداد. أما عن طبيعة التغير فيعد نهج فيبر في التغير نهجاً ذا شقين، فقد أدمج "المفهوم الدائري" للتطور الاجتماعي بنظرية الخط المستقيم "التطور الثقافي"، فالتركيب الاجتماعي بحسبه- "يلحق" بالتطور الثقافي، من خلال دورات الاستقطاب وأين يعيد البناء الاجتماعي تنظيم نفسه على أسس ثقافية متزايدة العقلانية. وهنا يظهر أن فيبر يجعل من التأثير الثقافي صاحب الحظ الأوفر بالتأثير في المجتمع ويجعله يخرج من نظامه الدائري صوب التقدم الخطي، وهذا مهم في فكر فيبر.

ثانياً: الأثر الثقافي للدين في التغير الاجتماعي

إن البحث عن التغير والعوامل المؤثرة فيه على تنوعها يرتبط إلى حد كبير بعلاقة المجتمع بالآخر ومن ثم دور المؤثرات الثقافية، ومنها الدين في إحداث التحولات الاجتماعية؛ نظراً لتعقد العوامل المرتبطة بالتغيرات الاجتماعية والثقافية. ومع ذلك يمكن أن نقول أن هناك تياراً عاماً أو اتجاهاً عاماً يتمثل في زيادة معدلات الانفتاح على العالم الخارجي، أو ما نعبر عنه بالعولمة بمعنى تعدد شبكة علاقاته بالمجتمعات الأخرى، وهذا يجعل اتجاهات التغير الاجتماعي متباينة ويعكسها بصور مختلفة كنماذج التبعية التي يقع في شباكها الوطن العربي، مما يؤثر في الشباب، وينعكس هذا التأثير في تباين اتجاهات الشباب ونزعاتهم: السياسية، والثقافية، والاجتماعية المختلفة.

فالعامل الديني واحد إلى جانب عوامل أخرى مؤثرة في الوعي الاجتماعي، فهناك عوامل مؤثرة مثل: العامل الإيديولوجي، العمل الاقتصادي، العامل التكنولوجي، العامل الثقافي، وأثر الاتصالات الفكرية، إذ يبدو العامل الديني أنه يجمع بين العامل الثقافي والعامل الأيديولوجي معاً، وهذا ما يدفعنا إلى استعراضهما بشكل موجز من أجل الدخول في موضوع الدين، وتأثيره. فالجانب الثقافي يمثل قيم الأمة المعنوية، ومن ثم يعبر عن نظرة تلك الأمة إلى الوجود عامة سواء أكان بطبيعة أو باعتقادات دينية، أو بالتميز العام بين الطبيعة والثقافة التي يحتل الدين المركز فيها وهذا الأمر ارتبط -كما استعرضنا في المقدمة- بالبشرية منذ بدايتها، وحضور الثقافة والطقوس، والأحكام، والشرائع، والتفسيرات، ومنظومة القيم، إذ كلها تتداخل في معنى الثقافة الاجتماعية وهي تمثل نظرة أفراد المجتمع لطبيعة الحياة التي يعيشونها.. لذا كانت القيم الاجتماعية عاملاً من عوامل التغير الاجتماعي. وبالتأكيد الثقافة والدين يتأثران بالعامل التقني ممثلاً بالإعلام وما يقدمه من خدمات في إشاعة الأفكار، وتعميمها على أكبر قدر من الناس. بالتأكيد هذا سوف يكون له تأثير في التغيرات الاجتماعية في حياة هذه المجتمعات، ونظمها: السياسية، والاقتصادية، والتعليمية. والتاريخ حافل بالحركات الفكرية. وهذا التأثير يجعل من الثقافة بكل مشاربها: الإبداعية، والدينية، والجمالية مؤثرة في حياة الناس ومعاشهم، بل أيضاً تحدث تغيراً في منظومة الاجتماع وتنقلها من طابعها الدائري إلى الاتجاه المستقيم كما يقول فيبر فيما سبق عرضه، ومصداق هذا أن العامل الثقافي من خلال إشاعته لأفكار وما تحدثه من صراعات مع أخرى مستقرة ومهيمنة تقوم بخلق من صراع فكري يقوم على أساس تعارض أفكار الجماعات والهيئات والمؤسسات المختلفة التي يتكون منها المجتمع، وهذا يقود التغيرات الاجتماعية إلى تغيير الواقع الاجتماعي الدائري. وهذا يجعل من الطابع الثقافي مرتبطاً بالعامل الأيديولوجي أو العقائدي الذي ينظر له بوصفه عاملاً يستند على رؤية ثقافية سياسية تنشد إلى تحقيق التغير الاجتماعي، مما يقود إلى نقد البناء السياسي والأحكام العقائدية أو الأفكار التقليدية ؛ فهذا الأمر تدعمه الدراسات المعاصرة في مجال الانثروبولوجيا وهي تحفر في تطور الفكر الإنساني وخصوصاً أصحاب الاتجاه التطوري، وتقترح جملة من الإجابات للأسئلة المطروحة حول الكائن البشري وتطوره، وتفسير عملية التطور الثقافي للإنسان من خلال التحليل البنائي الوظيفي؛ إذ استعمل التطوريون الكلاسيكيون الاتجاه الشمولي لدراسة التطور الثقافي، بتناول مفهوم التطور بشكله العام، والابتعاد عن الشكل الإقليمي المحدود.

الدين يشكل بعمقه الرمزي وأثره المعنوي رأسمالاً رمزياً، فالمقارنة تتم من خلال رأس المال المادي: هو مجموع الموارد الماديـة والرمزيـة، التـي تمتلكها جماعة اجتماعية معينة، وتتفاوت أهميتها من جماعة إلى أخرى. ويأتي أيضاً رأس المال الثقافي: فهو مجموع المعارف الثقافية التي تدعم أوضاع التفاوت الطبقي بين جماعة اجتماعية وأخرى، ومن أهمها التعليم. وأيضاً رأس المال الاجتماعي: مجموع الموارد والمزايا التي يحصل عليهـا الفرد؛ نتيجة عضويته في جماعة معينة.ثم يأتي رأس المال الرمزي: فهو المكانة الاجتماعية التي تمنحها الجماعة للفـرد؛ نتيجة لما يتمتع به من مزايا، ويقصد بها الوضع أو المركز الاجتماعي.

هنا يظهر الدين كونه يجمع بين أحد الموارد الرمزية التـي تمتلكها جماعة اجتماعية معينة، بحسب انتماء تلك الجماعة الدينية، ومنها إسلامية، ترسم تلك الموارد الرمزية طبيعة العلاقة بين الجماعة بما تضم من قيم أخلاقية وسنن شرعية تنظم الجماعة من خلال العلاقة بين الأفراد أو علاقة الجماعة بغيرها من الجماعات، ثم كون الدين معنوي ثقافي يحدد كما قنا مكانة الأفراد داخل الجماعة ومكانة الجماعة وما فيها من تقييم اعتباري، ورؤية هذا الدين إلى أفراده وما يتمتعون به من حقوق وما عليهم من واجبات ودورهم في إحداث الحراك الاجتماعي.

عادة ما يدرس هذا الموضوع من ضمن موضوعات علم الاجتماع الديني الذي يدرس الظواهر الاجتماعية في ميدان الدين والعلاقات الاجتماعية للدين في الداخل والخارج، فهو يتناول دراسة الكيانات والعمليات الاجتماعية التي تنتمي إلى ميدان الظواهر الدينية، ويهدف إلى تحليل أبنيتها والقوانين التي تخضع لها. هذا في عرف الدراسات في هذا الميدان.

أما في الإطار الإسلامي فلا شك أن الدين مقترن بالنص التشريعي الأول –القرآن الكريم- فهو النص المؤسس الذي يضع القوانين والقيم ويرسي أساس البناء الاجتماعي. وقد تميز هذا النص بنظر المفسرين المعاصرين كونه كتاب منزل من الله وليس من عند غيره؛ إذ لو كان من عند غيره لم يسلم من كثرة الاختلاف، وذلك أن غيره تعالى من هذه الموجودات الكونية – ولا سيما الإنسان الذي يرتاب أهل الريب أنّه من كلامه– كلها موضوعة بحسب الكينونة الوجودية وطبيعة الكون على التحرك والتغير والتكامل فما من واحد منها إلا امتداد زمان وجوده مختلف الأطراف متفاوت الحالات.

معنى هذا أن الكمال من حصة النص وكل ما عداه تاريخي يتغير بحكم واقعة التلقي، وأفقه الذي يفترض به أن يستجيب له من أجل إحداث التغير، فكل ما عدا النص متغير متبدل. غير أن النص الأساس نفسه يمكن أن يمون بالكمال مصادر أخرى فتكتسب تلك المصادر بذلك التموين منعتها وحصانتها وأساسها التشريعي الحاكم في عملية التغيير –{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر:7]، {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}[الأحزاب:36].. إلى آخره من النصوص القرآنية النافعة في المقام-، وبهذا كانت السنة النبوية المشرفة بمجملها نصاً تشريعياً حاكماً أيضاً على عمليات التغيير، وهذا الأساس –السنة النبوية، وامتدادها المتمثل بأئمة أهل البيت ^ بموجب المتواتر المقطوع الصدور من قبيل حديث الغدير وحديث الثقلين- رغم أنه أساس مسلط على تنظيم عمليات التغيير الاجتماعي المختلفة، إلا أنه بحد ذاته أساس ثابت لا يعتريه التبدل والتغيير –حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة-، ولا مشاحة في ذلك؛ لأن ها هنا عنصران: العنصر الذي يقوم بالتغيير والعنصر الذي يقع عليه التغيير، وتسليمنا بضرورة تغيير العنصر الذي يقع عليه التغيير –وهو المجتمع- لا يعني بالضرورة أن العنصر الذي يقوم بالتغيير –النص الديني- ينبغي أن يكون متغيراً متبدلاً أيضاً.

ثالثاً: أوجه الاختلاف بين الغرب والإسلام في الدين:

إلا أن أوجه الاختلاف بين التصور الغربي للدين والتصور الإسلامي هو نظرة الغربي إلى الدين كونه ينطلق هكذا: من مبدأ "الإنسان مقياس كل شيء" نفهم الظواهر الاجتماعية. وبما أن الإنسان مجمع الأضداد، فتكون التفسيرات اجتماعية نسبية.

فيما يكون التصور الإسلامي مختلفاً من حيث أن الإسلام ينطلق من مركزية الله؛ لهذا فإن مفهوم التغير الاجتماعي في الفكر الإسلامي في العصر الحديث مختلف عنه بالغرب، إذ ينطلق الفكر الإسلامي من مرجعية مستمدة مباشرة من المصادر الأساسية للفكر الإسلامي، وتتمثل في كل من: القرآن الكريم، والسنة النبوية. وكان دور الإنسان مختلفاً عن التصور الحداثي الغربي إذ حددها الله للإنسان حين استخلفه في الأرض، واستعمره فيها. وإذا كانت كل نهضة حضارية لا تنبعث إلا بالفكرة الدينية كما يرى مالك بن نبي، وإذا كان تطور الإنسانية هو ما يحدث من نمو في مشاعرها الدينية العامة، والسبل المشروعة لإقامة حضارة إنسانية رشيدة على أساس الغاية التي حددها الله للإنسان حين استخلفه في الأرض واستعمره فيها.

ومن ثم فإذا نظرنا من زاوية الدين الإسلامي وقياسه إلى التغيرات الاجتماعية فأننا سوف نجد أنفسنا، أمام تراث علمي يحتل فيه الله مركز الوجود ويأتي النص مصدر للتشريع إلى الجوانب التي أتاحها النص، ومنها الاستدلال العلمي والاستقراء للوقائع عبر التحقق التجريبي في علوم الطبيعة، مضاف لها التأمل العقلي الذي يعتمد على التأويل القائم على صرف اللفظ من المعنى الظاهر إلى معنى يحتمله على وفق شروط وقواعد للتأويل حتى تكون ملتزمة ومقبولة. وهذا ما يمكن التدليل عليه من منهاج القران الكريم في تقرير فقه المعرفة :

أولاً: الخطاب المباشر: إذ أن المتتبع لخطابات القرآن يجد أنها مشحونة بآيات التوحيد والمعارف.

{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

ثانياً: التركيز على النظر والتفكير في الموجودات: إذ من خلال النظر يستطيع الإنسان أن ينتزع معاني توصله إلى بيان بعض الحقائق: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}.

ثالثاً: عقد المقارنات: وهذه المقارنات تكون من خلال استنطاق المعاندين، كما في المقارنة التي ذكرها الله عز وجل بين الأنداد قال تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}  ، فالقران يحتل مكانة مهمة في تاريخ الإسلام إذ قيل عن مكانته انه قد جاء في مختلف المجالات بالحقائق الراهنة، التي لا يتطرق إليها الفساد والنقد في أي جهة من جهاتها، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها، وهذا شيء يمتنع وقوعه عادة من البشر – ولا سيما ممن نشأ بين أمة جاهلة لا نصيب لها من المعارف ولا غيرها من العلوم – ولذلك نجد كل من ألف في علم من العلوم النظرية، لا تمضي على مؤلفه مدة حتى يتضح بطلان كثير من آرائه ، وهي الرؤية التي يعبر عنها علماء المسلمين كون القران متعالي على ما هو تاريخي مقابل كل ما عداه هو تاريخي متغير ومنها العلوم التي درست القرآن؛ فهي علوم بشرية حاولت استثمار النص وإدراك غايته، ومن هنا تنوعت المصادر المعرفية في الإسلام إذ يأتي الوحي في المقدمة ثم الوجود بما فيها الكون والعلاقات الإنسانية والقواعد الأساسية في السلوك والأخلاق وغيرها من القضايا الإنسانية.

في أغلب الدراسات الإسلامية والغربية عن الإسلام لم تمنح أهمية لما يمثله الخطاب الإسلامي عبر تطوره التاريخي وهو يجمع بين الممارسة والتنظير والتفسير، مما خلق تراثاً غنياً، إلى جانب تجاهل جانب مهم من هذا الخطاب هو ما عكست من تجربة تأريخية متمثلة بالجماعة الإسلامية  ، والتي يتواصل فيها: الديني، والسياسي، والاجتماعي. وهذه الجماعة استندت في تفسيرها على مجموع التحولات التي تحيط بها على أساس العوامل والآليات السابقة والتي تعتمد على القرآن وتستمد منه الشرعية وتستمد من القرآن منهجها في التنزيل، ومن الأسلوب القرآني في: الاستدلال، والجدل، والحوار العقلي. فالقران أقر الجميع ومنهم المستشرقون على خلوه من التحريف ، وشكل المنهج القرآني المدخل الملائم لتحليل الفكر الإسلامي الحديث ونقده، إلى جانب سنة المعصوم، وهي المصدر الثاني للتشريع. المعرفة الإسلامية المتولدة عن القرآن والسنة تعد الرأسمال المعنوي الذي له تأثير كبير في الواقع الاجتماعي بما يزيل الظلم ويحقق العدالة والإنصاف وهي كامنة في أسباب النزول التي ارتبطت بالجماعة المؤمنة، وما يعترض حياتها، إذ ارتبطت مرحلة التشريع بتلك الجماعة إذ نظم التشريع أولاً العلاقة بين الفرد وربه، متمثلاً في الصلاة، ثم نظمت العلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض، فللوحي مثلا أهمية قصوى. "إن تنظيم المجتمع الإسلامي وإدارته... قد نما في جوانبهما المتعلقة بالعبادات والمعاملات على وفق القواعد الدينية، ما كان منها مستمداً من القرآن أو من السنة النبوية" ، إذ يميل المجتمع نحو المحافظة على تراث الماضي الثقافي ويتمسك بالأعراف والتقاليد، مما يفرض أسلوب التدرج في التغيير الاجتماعي. "تظهر بجلاء أن دراسة القرآن حافل بالإشارات إلى شؤون المسلمين".

ولهذا اقتضى تطور التشريع القرآني في بناء المجتمع الإسلامي أن تفرض الزكاة بعد الصلاة، ولكون الزكاة عبادة تستهدف تماسك المجتمع وتقوية الدعائم والروابط بين الأفراد، جاء التكليف بها بعد الهجرة. فهذا التحول والتغير التدريجي للمجتمع كان تغيير الفرد مقترناً بتغيير المجتمع، وعلى ذلك شكلت فريضة. ونلاحظ أن الدين حاول تقديم القواعد في المعاملات والعبادات وربط الحقوق بين أفراد الأسرة فظهر فقه الأسرة.

وبعد هذا فإن كل تغير اجتماعي يهدف إلى تحقيق النهضة، لا بد أن يكون للدين دور مركزي فيه، وقد حددت الشريعة الإسلامية للناس ماهية العمل الصالح، وفرضت عقوبات معينة على العمل الطالح، فكانت بذلك نظاماً للخليفة اقتضى وجوده وجود السلطة السياسية مما جعل العمل السياسي نوعاً من التعبد لله بمعنى أنه أصبح واجباً دينياً. الملك والدين توأمان، فالدين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهزوم وما لا حارس له فضائع.

وانطلاقاً من هذا سوف نحاول في المبحث الثاني أن ندرس أحد العلماء المجددين وهو السيد محمد باقر الصدر الذي أدرك أهمية الدين وأثره في نهضة الأمة أو في انتكاستها، وأن السقوط المجتمعي إنما يرجع إلى تخلي المجتمع عن المنهج النظري والعملي الذي جاء به الوحي الإلهي.

المبحث الثاني: مقاربة في فكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر

المجدد يحاول أن يبتعد عما هو سائد وعفوي ويسعى إلى صوب تجديد باعث لوعي النهضة الذي يمكن الأمة من تجديد نفسها، وهذا هو معنى التغير الاجتماعي الذي ينشد التطور، وتجاوز الوعي الدائري صوب التغير الثقافي المستقيم.

فالمجدد الديني ينشد التحول الثقافي الذي يمنح وعي الأمة الحياة عبر نقد واقعها، وتبيان ضعفها وتدهورها، فهو بهذا يوقظ الأمة ويدفعها إلى التغير الذي تتخذه وسيلة شعبية جماهيرية تواجه الضعف وتعمل على تغيره.

المطلب الأول: تفسير النبوة في فكر الصدر

وقد ناقش السيد الصدر واقع الأمة وناقش موضوعاً حساساً، إنه التجديد والتغيير في ثلاث حقب: النبوة ثم الإمامة ثم دور المجدد، فأما النبوة فلها أسباب عديدة معقولة، وربط النبوة بالإمامة، ومن ثم بولاية الأمة. إذن هناك ثلاثة مراحل تمر بها قيادة المجتمعات هي:

النبوة: قبل البحث في مفهوم النبوة نحاول تحديد المعنى اللغوي والاصطلاحي، فالنبوة كلمة مشتقة من مصدر "نبأ" أو "نبو"؛ فإذا كانت مشتقة من مادّة "نبأ" تكون النبوة بمعنى الإخبار ويكون النبي بمعنى المخبِر؛ لأن النَّبَأُ: الخبر، تقول نَبَأ ونَبَّأ، أي أخبر، ومنه أخذ النَّبيءُ لأنه أنْبَأَ عن الله تعالى، وهو فَعيلٌ، بمعنى فاعل. وإذا كانت كلمة النبوة مشتقة من "النبو" دلّت على تفضيل النبي على سائر الناس برَفْع منزلته، لأن "النبْوة هي الارتفاع". ويبدو أنها مشتقة من الثاني لِما روي عنه ’ أنه قال: "لا تنبزوا باسمي" أي لا تهمزوه. ومتى أريد بهذا اللفظ علو المنزلة فلا يجوز إلا بالتشديد بلا همز. أما النبي اصطلاحاً فهو "الإنسان المأمور من السماء بإصلاح أحوال الناس في معاشهم ومعادهم العالِم بكيفية ذلك، المستغني في علومه، وأمره من السماء لا عن واسطة البشر، المقترنة دعواه للنبوة بأمور خارقة للعادة". ثم نجد أن السيد الصدر يضع تعريفاً لها فيقول: "والنبوّة بوصفها ظاهرة ربانية في حياة الإنسان هي القانون الذي وضع صيغة الحل هذه، بتحويل مصالح الجماعة وكل المصالح الكبرى التي تتجاوز الخط القصير لحياة الإنسان إلى مصالح للفرد على خطه الطويل؛ وذلك عن طريق إشعاره بالامتداد بعد الموت، والانتقال إلى ساحة العدل والجزاء التي يحشر الناس فيها ليروا أعمالهم: {ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7،8]".

وقد تناولت دراسات إسلامية ظاهرة النبوة وتنوعها، وقد ظهرت تفسيرات متنوعة تحاول تبرير التعدد. ومن بين تلك التفسيرات قصر عمر الإنسان، وأيضاً عدم قدرة الأنبياء ^ في عصرهم وزمانهم على نشر دعوتهم وتبليغها لكلّ الأمم والشّعوب، فضلاً عن تطوّر المجتمعات، وتغيّر الظّروف، إذ يصل إلى حدّ يُحتاج فيه إلى تطوير الأحكام والقوانين الاجتماعيّة والفرديّة كمّاً ونوعاً، فضلاً عن تشريعات جديدة لم تكن تحتاجها المجتمعات السّابقة أساساً، وهذا يفرض وصول هذه التّشريعات على أيدي أنبياء جدد. وهذا أيضاً مرتبط بوظيفة النبي إذ يرتبط ذلك بحاجة الناس إلى العدل، والتعليم الذي يقتضي التربية وتزكية النفس. يدرس السيد الشهيد الصدر هذه الحقبة في التغير التي ينشدها الله عبر إرسال الرسل التي تستهدف العباد عبر تغير الوعي وهي مرحلة تعتمد على التغير التدريجي. وهنا يدرس الصدر النبوة وسماتها:

السبب الأول: استنفاذ غرض النبوة: إذا كانت النبوة قد استنفدت أغراضها واستكملت أهدافها وأنهت شوطها المفروض عليها فإنها لا بد أن تخلي الميدان لنبوة تحمل أهدافاً جديدة، وتحمل شوطاً جديداً لا بد أن تؤديه في خدمة الإنسان وتصعيده إلى المستوى المطلوب. متى تستنفذ النبوة أهدافها؟ الجواب عندما تكون وصفة لمرض طارئ في حياة البشرية.

إما السبب الثاني: انقطاع تراث النبوة: من جملة أسباب تغيير النبوة ألا يبقى منها تراث يمكن أن يقوم على أساسه العمل والبناء. إذا افترضنا أن النبوة جاءت، ومارست دورها في قيادة البشرية وهدايتها ووصلها بربها وتطويرها من شوائبها ثم مات النبي وكان أن تولدت ظروف انحراف أكلت ذلك التراث الروحي والمفاهيمي الذي خلفه ذلك النبي لتبقى النبوة مجرد مسألة تاريخية وشعار غامض من دون أن يكون معبراً عن أي كيان محدد في أذهان القاعدة الشعبية المرتبطة بتلك النبوة.

أما السبب الثالث: فيتمثل في محدودية نفس النبي: فالرسالة التي هبطت على النبي محدودة، والنبوة وإن كانت مفهوماً عاماً إلا أن هذا المفهوم العام – على ما يقول المناطقة – يصدق على أفراده بالتشكيك. هناك نبي للبشرية، ونبي للجماعة، ونبي للقبيلة، وهناك نبوات تختلف من حيث السعة والضيق باختلاف طبيعة النبي نفسه.

اما السبب الرابع: تطور الإنسان المدعو: وأخيراً من جملة الأسباب التي تدعو إلى تغيير النبوة هو تطور البشرية، تطور نفس الإنسان المدعو لا محدودية الإنسان الداعي وكون الإنسان المدعو يتصاعد بالتدريج لا بالطفرة وينمو على مر الزمان في أحضان هذه الرسالات الإلهية فيكتسب من كل رسالة إلهية درجة من النمو تهيئه وتعده؛ كي يكون على مستوى الرسالة الجديدة وأعبائها الكبيرة ومسؤولياتها الأوسع نطاقاً. هنا أدرك السيد الصدر بعين المجدد أن تراث النبوة كما جاء به القرآن هو رأسمال معنوي كبير للتغير الاجتماعي بكل طابعه الكوني الذي يشمل البشرية كلها. وطبيعة التغيير عند النبي أو النبوة هو وضع قاعدة فكرية تستهدف وعي الأفراد؛ لأن النبوة تستهدف صنع الإنسان من داخله، وأن تضع له قاعدة فكرية يقوم على أساسها بناؤه الداخلي ثم يقوم على أساس هذا البناء الداخلي البناء الخارجي. بمعنى أن النبوة تستهدف الوعي الفردي عندما تكشف له عن نقاط الخلل وتمارس نقد الأوضاع السائدة فإنها تستثير وعي الفرد وتجعله يغادر الوعي الدائري صوب وعي ينشد التغير والتصحيح وبناء واقع مختلف في المستقبل، هذا كان هدف كل الرسل الذين كانوا يسيرون على نهج واحد لغاية إصلاحية ينشدها الخالق من وراء إرسالهم وإن اختلفت رسالاتهم بحسب ما مر بنا سابقاً. إلا أن النهج الإصلاحي بحسب السيد الصدر يقوم على الآتي: الأول وعي التوحيد، القاعدة الأساسية التي يقوم عليها البناء الداخلي ومن ثم البناء الخارجي هو التوحيد وربط الإنسان بكامل مرافق وجوده وجوانب حياته بإله واحد أحد. لأن التوحيد هو القاسم المشترك بين كل النبوات والرسالات التي عاشها الإنسان منذ خلقه الله على وجه الأرض. والثاني "المسؤولية الأخلاقية للدعوة" وهي مرحلة تأتي بالضرورة بعد حصول الوعي، إذ تأتي ضرورة تحمل أعباء المسؤولية الأخلاقية للدعوة يعني كون الإنسان بلغ درجة تؤهله لتحمل أعباء دعوة لها ضريبتها وواجباتها وآلامها وهمومها.

2- الإمامة: يدرس السيد الصدر هذه الحقبة في التغير التي ينشدها الله عبر الأئمة التي تستهدف العباد عبر تغير الوعي، وهي مرحلة تعتمد على التغير التدريجي. وهنا يدرس السيد الصدر النبوة وسماتها من خلال دراسة الأدوار الثلاثة التي توزعت عليها حياة الأئمة ^:

المرحلة الأولى: تحصين الإسلام ضد صدمة الانحراف، وهي المرحلة التي عاش فيها قادة الرسالة: مجابهة صدمة الانحراف ومواجهتها، وهي تلك الصدمة التي وقعت في الأمة الإسلامية عقب وفاة النبي ’ فكان أئمة هذه المرحلة يعملون بشكل رئيس لمواجهة هذه الصدمة ومجابهتها، وتحصين الأمة ضدها وهي المرحلة التي انتهت عند الإمام السجاد ×.

المرحلة الثانية: مرحلة منح الإطار التفصيلي الخاص بالشيعة، وهي تعرف بإعداد الملاكات الواعية التي شكلت القاعدة الشعبية المؤمنة بمدرسة الإمام علي × في: الشريعة، والحكم والسياسة، والاقتصاد، والأخلاق، والسلوك، وفي كل الميادين التي أعطى فيها الإمام علي أروع تمثيل للنظرية الإسلامية، هي المرحلة التي تنتهي عند الإمام موسى بن جعفر الكاظم ×.

المرحلة الثالثة: مرحلة الإعداد لتسلم زمام الحكم. كان هذا الارتفاع في الرصيد الصحيح وقتئذ يحدد ملامح هذه الكتلة في جوانبها الفكرية والاجتماعية وكان هذا نتيجة لجهدين متوازيين عاشتهما المرحلة الثانية بأشكالهما المختلفة.

3- ولاية الأمة /الاجتهاد: لم يكن بإمكان الأئمة تزعم المعركة لتحريك الضمير الثوري عند الأمة الإسلامية فكان من الضروري تخويل هذه الصلاحيات لسائر المسلمين مع التزام الأئمة بالتوجيه والمراقبة والمساندة الواضحة لقادة الرسالة الحقيقيين.

وكان السيد الصدر يشغل دوراً مهماً بوصفه مجتهداً في نشر الوعي، والحث على التغير، وقد ترك بصمات ممهورة بدمه الطاهر على المسار الفكري لأمتنا المنكوبة بأعداء الأئمة من آل محمد.

المطلب الثاني: ولاية الأمة/ الاجتهاد

وما سوف نتحدث عنه في سياق بحثنا هذا هو جهود السيد الصدر كونه مجتهداً يحمل راية التجديد والتصدي للانحراف ويسهم في نشر الوعي مستحضراً السمات والمظاهر التي وجدناها في سيرة الأنبياء والأئمة من بعدهم والتي تعرضت إلى محاولات الطمس والتشويه، وإن يعيدها إلى حالتها الأولى "فتجديد الشيء أن تعيده جديداً وكذلك الفكر". وهناك من ينظر إلى التجديد بوصفه حركة داخل الدليل وليس خارجه وهي حركة فكرية مستمرة ومتطورة عبر التاريخ. نجد أن السيد الصدر قد قدم رؤية ومنهج لهما بعدان: الأول خارجي، والآخر داخلي، ويمكن أن ندرس مشاريع التجديد عند السيد الصدر على بعدين:

أولاً، على الصعيد الخارجي:

في وقت توزعت المواقف من الغرب في العالم العربي الإسلامي بين موقف يرفض الغرب ويحاول التمسك بالهوية، بالمقابل ينظر إلى الغرب كوحدة واحدة تمثل عنوان الغازي المستعمر، الذي تجب القطيعةُ معه، فيما الموقف الثاني يتخذ موقفا النقيض أي إن أصحاب هذا الاتجاه يرون ضرورة تقليل المنتصر كما قال ابن خلدون من قبل وهم يرون في الغرب هوية واحدة، وهناك موقف ثالث هو بمثابة موقف وسط بين الموقفين السابقين لا يرى في الغرب هوية واحدة وأيضاً يرى ضرورة استبعاد جزء من إنتاج الغرب واستثمار جزء آخر هو العلم وما جاء به الغرب في هذا الاتجاه. بالمقابل فما هو موقف السيد من الآخر الغربي؟ هناك من ينظر بأن "كتب السيد باقر الصدر فلسفتنا واقتصادنا ومجتمعنا ورسالتنا وكل هذه الكتابات تحمل ضمير الأنا وكأنّه ردة فعل أيديولوجي على تغييب الآخر للأنا. الآخر الغربي رأسمالياً كان أم اشتراكياً". على الرغم من أنه يحدد مسوغات التأليف كونها رداُ إيديولوجياً إلا أن الأمر من الممكن أن يكون مشابهاً إلى دعاة نقد المركزية الغربي. لكن هذا الموقف أخذ أبعاداً معرفية في الرد، وبحث منهجي للحل، وهو يدخل من ضمن إشكالية الفكر العربي الإسلامي المعاصر وموقفه من الغرب، وقد كان للسيد الصدر أصالة في التميز والاختلاف عما سبقه وهذا ما يمكن أن نستنتجه من مؤلفاته المتنوعة والتي نلمس فيها أمرين، اختلف فيهما السيد الصدر عن المناهج السابقة: الأول: الاستقلال المنهجي عن الغرب، والثاني أنه اقترح رؤية متكاملة للتغير والنهضة إذ يجتمع كل من المنهج والرؤية في تشييد المشروع التجديدي الهادف إلى إحداث تغييرات اجتماعية وحضارية.

أولاً/ على صعيد المنهج: يمكن البحث عن آثار المنهج -تنظيراً أو تطبيقاً- في أكثر من كتاب؛ إلا إننا يمكن أن نجده بارزاً في كتابين بالذات وهما: الأسس المنطقية للاستقراء، واقتصادنا.

الكتاب الأول (الأسس المنطقية للاستقراء):

هناك دراسات درست تطور منهج السيد الصدر الفكري فوجدت أنه في كتابه فلسفتنا، يستمد طريقة تفكيره من التراث الفلسفي الإسلامي بكل ثوابته التي تحدد بالنسبة لها العقلانية الإسلامية المنفتحة على العقلانية الأرسطية، وهذا ما أشار إليه في كتابه فلسفتنا إذ في فلسفتنا هو: مجموعة مفاهيمنا الأساسية عن العالم، وطريقة التفكير فيه. وفيه إشارة أولاً: إلى الاستدلال على المنطق العقلي، القائل بصحة الطريقة العقلية في التفكير، وأن العقل، بما يملك من معارف ضرورية فوق التجربة هو المقياس الأول في التفكير البشري. وثانياً: درس قيمة المعرفة البشرية بالتدليل على أن المعرفة إنما يمكن التسليم لها بقيمة على أساس المنطق العقلي لا المنطق الديالكتيكي الذي يعجز عن إيجاد قيمة صحيحة للمعرفة. وهدفنا الأساس من هذا البحث، هو تحديد منهج الكتاب في المسألة الثانية؛ لأن وضع مفهوم عام للعالم، يتوقف قبل كل شيء على تحديد الطريقة الرئيسية في التفكير، والمقياس العام للمعرفة الصحيحة، ومدى قيمتها. ولهذا كانت المسألة الأولى في الحقيقة بحثاً تمهيدياً للمسألة الثانية. والمسألة الثانية هي المسألة الأساسية في الكتاب التي نلفت القارئ إلى الاهتمام به بصورة خاصة.

أما في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء فنجده قد قدم منهجاً في الابستمولوجيا ألقى بظلاله على صنوف المعرفة المختلفة، الدينية واللاهوتية، والفلسفية وقضايا العلوم.

عقلانية السيد الصدر، قيمة العقل

ونكمل في هذه النقطة المتعلقة بالمنهج ودوره في النتائج، وكذلك فيما يرتبط بالتحليل الاجتماعي والتاريخي. أما على مستوى العلوم الطبيعية، والتجريبيات واللاهوت، فقد ابتكر الشهيد الصدر نظرية، ومنهجاً جديداً جعل التعاطي مع العلوم التجريبية في مصافّ واحد مع اللاهوت والميتافيزيقيا، إذ يكون الأساس المنطقي للإيمان بالطبيعيات نفسه مبرراً للإيمان بالله تعالى والغيب والميتافيزيقيا، ورفض أحدهما يستلزم رفض الآخر، كما شرح ذلك مفصلاً في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء. ويبدو أنه بنظر بعض الباحثين نجده في "الأسس المنطقية" ينفتح على الآخر ويتخذ من الاستدلال الاستقرائي الذي يتبناه الفكر الغربي كطريقة للتفكير أرضية مشتركة بينه وبين الآخر. فلم يعد السيد الصدر – بحسب السيد عمار أبو رغيف – يجد عزاءً بالتغني بأمجاد السلف وبدايات الأجداد، بل أنّه اخترق جدار الفصل السميك بين المنهج العلمي الحديث وبين معطيات التاريخ الثقافي لحكماء ومناطقة المسلمين، من دون أن يتردد في الإفادة من الآخرين ومن دون أن يستسلم فيقلد ما طرحه حكماء الغرب". إلا أن الكتاب كان يمثل جهداً كبيراً من أجل إثبات قضايا دينية على أسس علمية إذ "اتّجه إلى تفسير الدليل الاستقرائي على قاعدة نظرية في الاحتمال". وفي الكتاب يشير السيد إلى الدليل الاستقرائي كونه يبدأ دائماً بملاحظة عدد من الحالات أو خلقها بوسائل التجربة التي يملكها الإنسان، ويبني على أساسها النتيجة العامة التي توحي بها تلك الملاحظات أو التجارب. والمنطق الأرسطي حين عالج الاستقراء لم يميز - بصورة أساسية- بين الملاحظة والتجربة، وأراد بالاستقراء كل استدلال يقوم على أساس تعداد الحالات والأفراد. وعلى هذا الأساس قسم الاستقراء إلى كامل وناقص.

أما على صعيد كتابه الثاني اقتصادنا:

فعلى مستوى المنهج الاقتصادي رأى الصدر أن تجاربَاً سياسيةً عديدةً في داخل العالم الإسلامي حاولت الاستقلال عن التبعية السياسية الغربية، وعن سيطرة الاقتصاد الأوربي الذي يمتص خيراتها، وذلك من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية في التطوّر الاقتصادي، والتغلّب على مظاهر التخلّف المتعددة، والسير في طريق التنمية الشاملة، ولكنها من الناحية العملية فضلاً عن النظرية، لم تستطع أن تخرج عن الفهم الغربي للمشكلة في أبعادها المختلفة السياسية، والاقتصادية، فسلكت المنهج الأوربي نفسه سيّما في الاقتصاد.

إما على صعيد الرؤية:

في مجال الرؤية تظهر تطبيقات المنهج وهي تعبر عن البعد الاجتهادي الذي كان السيد الصدر يدعو له ويضع الأسس له في إحداث التغير الاجتماعي، والحضاري، وهذه الرؤية تقوم على مجموعة من النقود اقتصادية، وسياسية وأخلاقية وعقلية ، وهي:

1- النظام الاقتصادي: إن الاسلام دين يشمل كافة شؤون الحياة، وبحسب توصيف "مكسين رودنسون" لقد كان الإسلام شمولياً إلى الحد الأقصى، فقد وجه مبدئياً كل أعمال وأفكار أتباعه. وكانت البسملة عند مباشرة أي نوع من الأعمال، حتى المبتذلة منها، ترمز إلى هذه الهيمنة مثلاً، كما أن الاعتقاد بشمولية "الحديث" كانت ترمز أيضاً إلى تلك الهيمنة، فكل فعل، وإن ينبع من حاجات بيولوجية أولية، أو من حقول النشاط الاجتماعي والتي تكون خارج الدائرة الدينية عند ثقافات أخرى "كالنشاط التقني، الاقتصادي، المالي" إنما كان يجري تعليلها انطلاقاً من النظام العقائدي ويدمج به ويخضع لتنظيمه.

السيد الصدر يعتقد أن علم الاقتصاد لا ينفصل عن علم الأخلاق الإسلامي، اذ يعتقد أن أساليب عمل الاقتصاد الإسلامي يمكن ملاحظتها في سلوك المجتمع الإسلامي. في المقابل ينطلق الصدر من الشريعة، ويستنتج المبادئ التي من خلالها ينبغي على المسلمين إدارة شؤونهم الاقتصادية. إذ يظهر هذا جلياً في سعي السيد الصدر لنقد النظام الاقتصادي الغربي، نقد الآخر ومن ثم إلى تقديم نظام اقتصادي إسلامي كفيل بمعالجة المشاكل التي يعانيها ذلك النظام.

وقد جعل الكتاب في قسمين: خص القسم الأول منه لنقد الآخر الغربي في أسس نظاميه الاقتصادين المعروفين الاشتراكي والرأسمالي، من خلال دراسة نقدية لكل من المذهبين في أسسهما ونظريتيهما دراسة علمية مستوعبة. فقد درس الماركسية في نظريتها المادية التاريخية والأسس التي تقوم عليها، ودرسها بما هي مذهب اقتصادي يقوم على أساس الاشتراكية ثم الشيوعية. وكذا فعل مع الرأسمالية، فقد درسها في خطوطها المذهبية العامة، مركّزاً نقده على النظام الاقتصادي الرأسمالي.

وبعد انتهائه من دراسة هذين النظامين والمذهبين، عقد البحث للحديث عن معالم النظام الاقتصادي البديل -إبراز الأنا-، أعني المعالم العامة للنظام الاقتصادي الإسلامي، فتحدث عن الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي وعن علاقات التوزيع وانفصالها عن شكل الإنتاج، وفضلاً عن حلول المشكلة الاقتصادية من وجهة نظر الإسلام.

أما ثاني القسمين، فقد خصّه الصدر بعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي، في ضوء تشريعات الإسلام ومفاهيمه وأحكامه التي ترتبط بالحقل الاقتصادي والثروة، وقد أبدع الشهيد الصدر في هذا الجزء ابداعاً قلّ نظيره. وقد أقام الصدر جهده النظري في اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام على أساس عمليتين مترابطتين:

الأولى تجميع عدد من التشريعات والمفاهيم الإسلامية التي يمكنها أن تلقي الضوء على عملية اكتشاف المذهب الإسلامي في الاقتصاد.

والثانية تفسير تلك المجموعة من التشريعات والمفاهيم تشريعاً نظريّاً موحداً يبرز المحتوى والمضمون المذهبي للاقتصاد الإسلامي.

2- النظام السياسي:

إن النظام السياسي في الحضارة يقوم على مجموعة من العناصر تتمثل في القانون ومؤسسات الدولة والأسرة وما أشبه بكل ما فيها من تفاصيل. وقد تناول الشهيد الصدر النظام السياسي في كثير من عناصره في كتابات متعددة، أبرزها السلسلة التي صدرت في ستّ حلقات بعنوان: الإسلام يقود الحياة  ، والتي تناول فيها اللبنات الأولى لنظام الحكم والإدارة والدستور ودور الإنسان والأمة في الحياة السياسية، ومنابع القدرة في الدولة الإسلامية، ومُجلياً آفاق التحرك في البناء والتنمية. وكذلك تحدث عن بعض عناصر النظام السياسي في سلسلة مقالاته التي كان يكتبها بعنوان رسالتنا، فضلاً عن بحثه لعقيدة الإمامة في الفكر الإسلامي الإمامي وترابطها الوثيق مع النظام السياسي، وكذا تناول جوانب وعناصر أخرى في مختلف كتاباته المتنوعة كمقدمة فلسفتنا وبعض مواضع اقتصادنا. والسيد الصدر كما لا يخفى على القارئ الكريم صاحب تحرّك سياسي رسالي ختمه بالشهادة على أيدي زمرة الحكم البعثي في العراق عام 1980م. وفي النظام السياسي سار الشهيد الصدر على خطّته المرسومة بوضوح: العودة إلى الذات وإبراز الأنا مع نقد الآخر، ذلك أن نقد الغرب في فكر السيد الصدر يسير جنباً إلى جنب مع إبراز الأنا والعودة إلى الذات.

3- النظام العقلي:

النظام العقلي واسع العناصر، وتتشابك فيه أنماط مختلفة من السلوك الفكري، فيندرج فيه السلوك العقلي بمعناه الخاص، وكذا العلوم والآداب والفنون.

وفي خصوص هذا النظام فالسيد الصدر ثري جدّاً، فقد تحدث عن كثير من عناصر النظام العقلي على مستوى نقد الآخر وإبراز الذات في كتابيه القيّمين: فلسفتنا والأسس المنطقية للاستقراء، فضلاً عن دراساته في علم أصول الفقه ومحاضراته الفلسفية التي كان يلقيها على تلاميذه.

ففي كتاب فلسفتنا سار الصدر في خطّي إبراز الأنا ونقد الآخر في حقلين مهمّين هما نظرية المعرفة الابستمولوجيا ونظرية الوجود الانطولوجيا والذي عبّر عنه بالمفهوم الفلسفي للعالم. وفي القسم الثاني تحديداً ركّز على نقد الماركسية ونظريتها المادية بشأن المفهوم الفلسفي للعالم، وإن تعرّض كذلك للمفهوم المادي الأوسع للعالم والوجود.

أما الأسس المنطقية للاستقراء، فقد أجملنا الحديث عنه سابقاً، وقلنا إن السيد الصدر قد انطلق من معالجة إشكالية الاستقراء الناقص إلى ابتكار منهج جديد ونظرية بديعة في دراسة الطبيعيات والتجريبيات وألقى بظلاله على اللاهوت. فقد جعل التعاطي مع العلم التجريبي في مصاف واحد مع اللاهوت والغيب، من خلال إبراز أساس منطقي مشترك في الإثبات، بنحو يكون الأساس المنطقي للإيمان بالعلوم الطبيعية والتجريبيات نفسه مبرراً منطقيّاً للإيمان بالغيب والميتافيزيقيا، وأن رفض أحدهما يستلزم رفض الآخر، على تفصيل يطلب من كتاب الأسس المنطقية للاستقراء.

والصدر في كل ذلك ما حاد عن طريقته في العودة إلى الذات وإبراز الأنا ونقد الآخر، فضلاً عن التأسيس المنهجي السليم. وأيضاً أشار إلى المنهج العقلي في كتابة الفتاوى الواضحة بقوله:

"وقد تكون أهم ظاهرة في الكون هي ظاهرة الاختيار لدى الإنسان فإن الإنسان كائن مختار، ويعني ذلك أنه كائن هادف، أي يعمل من أجل هدف يتوخى تحقيقه بذلك العمل، فهو يحفر الأرض من أجل أن يستخرج ماءه ويطهي الطعام من أجل أن يأكل طعاماً لذيذاً، ويجرب ظاهرة طبيعية من أجل أن يتعرف على قانونها.. وهكذا، بينما الكائنات الطبيعية البحتة تعمل من أجل أهداف مرسومة من قبل واضع الخطة، من أجل أهداف تعيشها هي وتتوخى تحقيقها" ، نجد أن هذا التوافق المستمر بين الظاهرة الطبيعية ومهمة ضمان الحياة وتسيرها في ملايين الحالات يمكن أن يفسر في جميع هذه المواقع بفرضية.

أما الدليل الفلسفي: فهو الدليل الذي يعتمد لإثبات واقع موضوعي في العالم الخارجي على معلومات عقلية - المـعلومات العقلية، هي المعلومات التي لا تحتاج إلى إحساس وتجربة - إضافة إلى مبادئ الدليل الرياضي. وهذا لا يعني بالضرورة أنّ الدليل الفلسفي لا يعتمد على معلومات حسية أو استقرائية، وإنما يعني أنه لا يکتفي بها، بل يعتمد إلى جانب هذا - أو بصورة مستقلة عن ذلك - على معلومات عقلية أخرى في إطار الاستدلال على القضية.

4- النظام الخلقي:

تكلمنا عن دور الأخلاق في رسالة الأنبياء فهي جزء أساس من الوعي بالتغير، وعند السيد الصدر لا تقل سعة عن النظام العقلي، وقد ظهرت في محاضراته التفسير الموضوعي  التي تحدث فيها عن السنن التاريخية في القرآن، فقد تحدث عن أمور مختلفة كان منها: عناصر المجتمع وعلاقاتها، ودور الإنسان في حركة التاريخ، والمثل الأعلى وما يمثله من منطلق لبناء الإنسان، وعن انهيار الأمم والحضارات وأسبابها، ودور العلاقات الاجتماعية في حركة التاريخ. كما تحدث في مقالات طبعت مع تلك المحاضرات عن الحرية وأبعادها ورؤية الاتجاهات المختلفة فيها، وهو موضوع يتداخل في النظامين السياسي والخلقي، وكذا عن العمل الصالح من منظور الإسلام والرأسمالية والماركسية.

وكذلك تحدث عن عناصر أخرى من النظام الخلقي في كتابات أخرى من قبيل: نظرة عامة في العبادات، البحث الذي ألحقه بكتابه الفقهي الفتاوى الواضحة، ففي هذا البحث تطرق إلى كون العبادة بما تمثله من التزام خُلُقي حاجة إنسانية ثابتة، وعوامل ذلك الثبوت، والملامح العامة للعبادات في الإسلام. هذا فضلاً عن دراساته الفقهية المتنوعة والتي تناول فيها الكثير من عناصر النظام الخلقي والسلوكي.

إن دراسة كل نظام من نظم الحضارة هذه تحتاج لدراسة مفصّلة ومسهبة، وهي خارجة عن غرضنا، وما نريد التأكيد عليه هنا أن السيد الصدر في نقده للغرب الفكري سار في خطين متوازيين: نقد الغرب في أسس حضارته، إضافة لإبراز الأنا والعودة إلى الذات فيما يرتبط بأسس الحضارة الإسلامية ونهضتها، فالصدر كان يضطلع بمشروع حضاري كبير، أبرز في أعماله المختلفة أسس ذلك المشروع بشكل موضوعي وحواري نقدي.

لقد أخفق الآخر في بناء أخلاق كونية على أساس مفهوم الطبيعة البشرية أو على ماهية الإنسان، وكذلك الحال في التيارات اللاحقة التي أرادت جعل الواقع أو التاريخ مصدراً للقيم الأخلاقية، وحتى التيارات الغربية التي جعلت من الدين أساساً في البناء الأخلاقي فشلت في ذلك، ومرجع ذلك بنظر الصدر إلى أن الدين في دنيا الغرب وبالأخص الدين المسيحي ليس صالحاً لكل زمان ومكان حتى ينتج قيماً أخلاقية كونية.

ثانياً، على الصعيد الداخلي: نقد الفكر الإسلامي

لا ينبغي أن نختم هذا المدخل من دون أن نشير إلى أن نقد الصدر للغرب الفكري يسير جنباً إلى جنب مع نقد الفكر الإسلامي، ذلك أن إبراز الأنا والعودة إلى الذات أمر غير متيسّر بل ومتعذّر من دون الدخول في عملية نقدية للفكر الإسلامي. ونقد الصدر للفكر الإسلامي يتمثل في نقد الممارسات وتاريخ المسلمين، فضلاً عن نقد الأفكار والرؤى والاجتهادات ومناهج التفكير الإسلامي.

وقد أكد الصدر على هذا المعنى كثيراً في محاضراته عن أهل البيت ^، والتي طبعت في جزء مستقل من سلسلة آثاره بعنوان: أئمة أهل البيت ^ ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية، وكذلك أكد عليه في مقالات أخرى ضمها الجزء المعنون بـومضات من سلسلة تراثه الفكري القيّمة. هذا على مستوى نقد التأريخ الإسلامي وسلوك المسلمين، وأما فيما يتعلق بنقد الأفكار والمناهج، فالصدر صاحب عقل اجتهادي متحرك، قدّم لمناهج التفكير الإسلامي والاستنباط الفقهي والديني إضافات نوعية مهمّة، سواء في ما يتعلق بنقده لرؤية التيار الأخباري وتأكيده على قيمة العقل في مقام الاستنباط، أم في نقده وتطويره لكثير من الرؤى الفقهية وتعاطيه مع أدوات الاجتهاد والواقع.

***

د-عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم