من المظالم الاجتماعية إلى الشبكات الاحتجاجية وصراع السلطة
في الهند، عام 2026، وفي خلال جلسة قضائية، نُسب إلى رئيس المحكمة العليا وصفٌ شبّه فيه بعض الشباب العاطلين عن العمل بالصراصير. كان يمكن للكلمة أن تمرّ بوصفها إهانة أخرى في فضاء عام اعتاد أن تُختزل فيه معاناة الناس في أحكام جاهزة، وأن يُلام فيه الضحايا على أوضاع لم يصنعوها وحدهم. لكنها لم تمرّ كما أُريد لها.
التقط شاب هندي الإهانة، وقلب معناها. ومن العبارة التي كان يُفترض أن تنتقص من الشباب، وُلدت تسمية ساخرة: "حزب الشعب الصراصير". ثم خرج الاسم من الشاشة، واتسعت دائرته، وتحولت السخرية الرقمية إلى حركة احتجاجية شارك فيها شباب غاضبون من البطالة، ومن أزمات التعليم والامتحانات، ومن شعورهم بأن المؤسسات لا تصغي إلى أصواتهم. لم تعد الصرصور هنا مجرد حشرة في قاموس الاحتقار؛ صار، على نحو مفارق، علامةً على الذين يرفضون الاختفاء، وعلى الذين يستطيعون أن يحوّلوا ما أُريد به إذلالهم إلى أداة للسخرية من الخطاب الذي أهانهم.
تكمن دلالة الحادثة في هذا الانقلاب اللغوي: لم يستعد الشباب كرامتهم بمجرد إنكار التسمية، بل بإعادة امتلاكها. انتزعوها من سياقها الأول، وأعادوا إدخالها إلى المجال العام بمعنى جديد. وهنا فعلت المنصات الرقمية أكثر من نقل الغضب؛ أتاحت للكلمة أن تنتشر، وللسخرية أن تصبح لغة مشتركة، ولأفراد متفرقين أن يكتشفوا أنهم يشتركون في شعور واحد بالتهميش. ومع ذلك، لم تكن الشاشة وحدها هي التي صنعت الاحتجاج؛ فقد كانت وراءها مظالم مادية واجتماعية، وأسئلة عن العمل والتعليم والعدالة والمساءلة.
ليست هذه الحادثة دليلًا على أن كل إهانة تُنتج ثورة، أو أن كل حركة تبدأ على الإنترنت تستطيع تغيير النظام السياسي. لكنها تضعنا أمام سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما تفقد المؤسسات قدرتها على مخاطبة المواطنين بوصفهم أصحاب حقوق، وعندما تتحول اللغة العامة من الاعتراف بالإنسان إلى تصغيره أو السخرية منه؟ وكيف يستطيع الشباب، الذين يُنظر إليهم أحيانًا بوصفهم عبئًا أو جمهورًا عابرًا أو أرقامًا في إحصاءات البطالة، أن يحوّلوا شعورهم بالإقصاء إلى فعل جماعي؟
لقد تغيّر ميدان الاحتجاج في العصر الرقمي. لم تعد الدعوة إلى التظاهر تحتاج دائمًا إلى مقرّ أو صحيفة أو تنظيم تقليدي؛ قد تبدأ بمنشور، أو صورة ساخرة، أو وسم، أو مقطع قصير يعيد تسمية تجربة يتشاركها آلاف الأشخاص. لكن التحول الأهم ليس في سرعة انتشار الرسالة، بل في قدرة الناس على إنتاج معنى مشترك لمعاناتهم، وعلى الانتقال من الإحساس الفردي بالعجز إلى اكتشاف القوة الكامنة في الفعل الجماعي.
ومع ذلك، فإن استعادة الصوت لا تعني بالضرورة استعادة القدرة على القرار. فقد تنجح حركة شبابية في فرض قضية على النقاش العام، أو في حشد الآلاف، أو في إحراج مؤسسة، ثم تجد نفسها أمام السؤال الأصعب: كيف تتحول لحظة الغضب إلى تنظيم مستدام؟ وكيف تنتقل المطالب من الشارع والشاشة إلى المؤسسات والسياسات؟ وما الذي يحمي حق الشباب في التعبير والتجمع والتنظيم من الرقابة والتضييق والعقاب؟
من هنا تبدأ هذه المقالة: من كلمة أهانت، ومن شباب أعادوا استخدامها، ومن فضاء رقمي يستطيع أن يفتح أبوابًا جديدة للاحتجاج، لكنه لا يضمن وحده بلوغ التغيير. إنها محاولة لفهم العلاقة بين الشباب والثورة في العصر الرقمي، لا بوصفها حكاية عن جيلٍ أتقن استخدام التكنولوجيا فحسب، بل بوصفها سؤالًا عن الكرامة والمشاركة والحقوق، وعن المسافة التي تفصل بين أن يسمع العالم صوت الناس وأن تصبح لهم قدرة فعلية على التأثير في القرارات التي تحدد حياتهم.
أولاً: مقدمة — حين يصبح الهاتف جزءاً من المجال العام
لم تعد الثورات والاحتجاجات المعاصرة تبدأ دائماً من ساحة عامة أو مقر حزب أو نقابة أو اجتماع تنظيمي مغلق. فقد تبدأ من مقطع مصوّر يتناقله المستخدمون، أو شهادة ينشرها شخص عن تجربة عاشها، أو وسم يجمع شكاوى متفرقة، أو مجموعة رقمية تتحول تدريجياً إلى مساحة لتحديد المطالب وتنسيق التحركات. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني أن الشارع فقد أهميته، أو أن المنصات الرقمية أصبحت بديلاً عن المجتمع والمؤسسات والتنظيم السياسي. الأصح أن العلاقة بين هذه العناصر قد تغيرت، وأن الحدود الفاصلة بين التعبير عن الغضب، وتكوين الرأي العام، وتنظيم الاحتجاج، باتت أكثر مرونة وتداخلاً.
تطرح هذه الظاهرة سؤالاً يتجاوز أثر التكنولوجيا في الاتصال: كيف تتحول المظالم الفردية إلى وعي جمعي؟ وكيف تنتقل من الشكوى إلى الاحتجاج؟ وما الذي يتيح لبعض الحركات الشبابية فرض قضاياها على المجال العام، في حين تتراجع حركات أخرى بعد موجة أولى من التعبئة؟ وهل تملك الشبكات الرقمية قدرة ذاتية على إنتاج التغيير السياسي، أم أن أثرها يظل مشروطاً بالبنية الاجتماعية وموازين القوة وطبيعة الدولة والمؤسسات؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في ظل اتساع الفجوة بين تطلعات أجيال شابة كثيرة وبين ما تتيحه لها مجتمعاتها من فرص اقتصادية واجتماعية وسياسية. فالبطالة، وتراجع جودة الخدمات العامة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والفساد، وانعدام الثقة بالمؤسسات، والشعور بالإقصاء من عملية صنع القرار، لا تمثل مجرد موضوعات تتداولها وسائل التواصل؛ إنها خبرات اجتماعية تتراكم وتبحث عن لغة تعبر عنها وعن وسيلة لتحويلها إلى مطالب عامة.
وقد أظهرت احتجاجات الشباب في المغرب وكينيا ونيبال وبنغلادش، إلى جانب تجارب أسبق في السودان وتشيلي وهونغ كونغ وسريلانكا وإيران، أن المنصات الرقمية يمكن أن تسهم في تسريع انتشار المعلومات، وتوسيع نطاق المشاركة، وتوثيق الانتهاكات، وتجاوز بعض أشكال الوساطة الإعلامية والسياسية التقليدية. لكنها أظهرت أيضاً أن سهولة التعبئة لا تعني سهولة تحقيق النتائج؛ فقد تتعرض الحركات للقمع، أو تنقسم حول أولوياتها، أو تواجه صعوبة في بناء تمثيل سياسي مستقر، أو تنجح في إزاحة مسؤولين من دون أن تتمكن من معالجة الأسباب البنيوية للاحتجاج.
وعليه، تنطلق هذه المقالة من فرضية أساسية مفادها أن الوسائط الرقمية لا تصنع الثورة وحدها، لكنها تعيد تشكيل الشروط التي تُعبَّر من خلالها المظالم، ويُنتج فيها الوعي الجمعي، وتُنسَّق فيها الحركة الاحتجاجية، ويُخاض فيها الصراع على المجال العام. ويتوقف أثرها على تفاعلها مع السياق الاجتماعي والاقتصادي، وبنية النظام السياسي، وشبكات الثقة والتنظيم، وقدرة الحركات على الانتقال من التعبئة إلى بناء بدائل قابلة للاستمرار. ويمكن إضافة الفرضيات التالية
1. تتحول المظلمة إلى حركة حين يقترن حدث صادم بإطار رمزي يُسند المسؤولية إلى فاعل محدد (ملاحظات رئيس القضاة في الهند؛ وفيات الولادة في أكادير).
2. كلما انخفضت كلفة المشاركة الرقمية ارتفعت القدرة على الحشد وانخفضت القدرة على التفاوض، ما لم تتوفر قنوات تمثيل معلنة.
3. يتناسب الأثر المؤسسي مع وجود حليف تنظيمي (نقابة أو حزب أو قضاء) أو انقسام نخبوي، ويتراجع حين تغيب هذه الشروط مع قدرة قمعية عالية (هونغ كونغ، إيران).
وتعتمد المقالة منهجاً مقارناً يجمع بين التحليل المفاهيمي ودراسة حالات دولية مختلفة. ولا تتعامل مع كل احتجاج شبابي باعتباره ثورة مكتملة، ولا تفترض أن اختلاف البلدان يمكن اختزاله في تجربة رقمية واحدة. فالهدف هو تحديد أوجه التشابه والاختلاف، وفهم الظروف التي تجعل التكنولوجيا مورداً للتغيير، أو تجعلها أداة يسهل احتواؤها أو مراقبتها أو استخدامها في إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة.
ثانياً: من المجال العام التقليدي إلى المجال العام الشبكي
لفهم التحول الذي أحدثته التكنولوجيا في الاحتجاج السياسي، ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور:
- وسيلة الاتصال.
- والبنية التي تنظّم المشاركة
- والفضاء الذي يجري فيه الصراع على القضايا العامة.
فظهور الإنترنت لم يلغِ المجال العام التقليدي، وإنما أضاف إليه طبقة جديدة تتداخل فيها المحادثات الخاصة والتعبير العلني والعمل التنظيمي والتغطية الإعلامية.
يتيح مفهوم المجال العام، في أعمال يورغن هابرماس، مدخلاً لفهم هذه المسألة. فالمجال العام ليس مجرد مكان يتجمع فيه الناس، بل فضاء تتداول فيه الآراء والقضايا ذات الشأن المشترك، وتخضع فيه السلطة للمناقشة والنقد. وتكتسب هذه الفكرة أهمية حين ندرس المنصات الرقمية: هل توسّع قدرة المواطنين على مناقشة الشأن العام، أم تعيد توزيع فرص الظهور والتأثير وفق قواعد تجارية وتقنية غير متكافئة؟
يمكن للشبكات الرقمية أن توسع المجال العام عبر خفض كلفة النشر، وإتاحة المعلومات خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، وربط أفراد متباعدين جغرافياً حول قضية واحدة. كما يمكنها أن تمنح شهادات الأشخاص الذين لا يصل صوتهم عادةً إلى الإعلام فرصة للانتشار، وأن تتيح تداول الوثائق والصور والمقاطع التي تساعد على مساءلة الروايات الرسمية. لكن هذه الإمكانات لا تجعل الفضاء الرقمي مجالاً ديمقراطياً بالضرورة؛ إذ يمكن أن يتسم بالتفاوت في الوصول، والاستقطاب، والتضليل، والتلاعب بالانتباه، والمراقبة.
ويقدم تصور مانويل كاستلز للحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت إطاراً مهماً لفهم العلاقة بين الشبكات والاحتجاج. ففي كتابه شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، يحلل كاستلز كيفية نشوء حركات معاصرة من التفاعل بين الاتصال الشبكي والمساحات الحضرية، وكيف يمكن للاتصال الرقمي أن يساعد على بناء الثقة وتبادل المشاعر وتنسيق الفعل، فيما يظل الحضور في المكان العام لحظة مهمة لاختبار القوة السياسية والاجتماعية (Castells, 2015).
ومع ذلك، لا ينبغي قراءة هذه العلاقة باعتبارها انتقالاً خطياً من الشارع إلى الشاشة. فالتجمع الميداني قد يسبق الانتشار الرقمي أو يتزامن معه أو يستمد منه قدرته على الاستمرار. وقد تكون المنصة ساحة لتنسيق الاحتجاج، ثم تصبح في الوقت نفسه ساحة للتنازع على تفسيره، أو لتداول معلومات مضللة عنه، أو لمراقبة المشاركين فيه.
وتدعم الدراسات التجريبية هذا الفهم المشروط. فقد راجع جون جوسـت وزملاؤه دراسات عن الاحتجاجات في الولايات المتحدة وإسبانيا وتركيا وأوكرانيا، وبيّنوا أن وسائل التواصل تساعد على تبادل المعلومات العملية اللازمة للتنسيق، مثل أماكن التجمع ووجود الشرطة ووسائل الإسعاف والمساعدة القانونية، كما تساعد على تداول الرسائل العاطفية والتحفيزية التي تعزز الشعور بالهوية الجماعية والإنصاف والقدرة على الفعل. لكنهم شددوا أيضاً على أن بنية الشبكات وطبيعة العلاقات داخلها تؤثران في تداول المعلومات ونتائج التنظيم (1)
وتعني هذه النتائج أن أثر المنصة لا يقاس بمجرد وجودها أو عدد مستخدميها، بل بنوع الاستخدام الذي يجري داخلها، ومدى ارتباط التفاعل الرقمي بعلاقات اجتماعية فعلية، وبالقدرة على تحويل المعلومات إلى مشاركة عملية.
من الجمهور المتلقي إلى الجمهور المشارك
في نموذج الاتصال الجماهيري التقليدي، كان عدد محدود من المؤسسات يملك قدرة كبيرة على تحديد ما يصل إلى الجمهور، وتوقيت وصوله، وطريقة تأطيره. أما في البيئة الرقمية، فقد أصبح الأفراد قادرين على إنتاج الأخبار والتعليق عليها وتوزيعها، بل وتوثيق أحداث قد لا تحظى بتغطية إعلامية كافية. وهذا التحول لا يعني اختفاء المؤسسات الإعلامية، بل ظهور منافسة جديدة على تعريف الحدث وتفسيره.
وقد ظهرت هذه المنافسة بوضوح في احتجاجات كينيا عام 2024 ضد مشروع قانون المالية. فقد استخدم الشباب منصات مثل إكس وتيك توك وواتساب لتداول المعلومات، وتنسيق المشاركة، ونشر المقاطع المباشرة من الاحتجاجات. وأتاح البث المباشر لبعض المشاركين تجاوز بوابات الإعلام التقليدي، كما ساعد على توثيق المواجهات وإيصالها إلى جمهور محلي ودولي. ولفت تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى أن النشاط الرقمي في كينيا أعاد تشكيل العلاقة بين الشباب والإعلام، وأبرز دور المؤثرين والمنصات البديلة في تشكيل النقاش العام. (2)
لكن انتقال الجمهور من التلقي إلى المشاركة لا يحل تلقائياً مشكلة المصداقية. فالمواطن الذي يوثق حدثاً قد يؤدي دوراً صحفياً مهماً، لكنه قد يفتقر إلى وسائل التحقق من السياق أو التمييز بين الوقائع والشائعات. وقد يساهم الانتشار السريع في تصحيح رواية رسمية، لكنه قد يساهم أيضاً في نشر معلومات خاطئة يصعب تصحيحها بالسرعة نفسها.
ومن هنا، لا يتحدد الطابع الديمقراطي للمجال العام الرقمي بمجرد إتاحة النشر للجميع، بل أيضاً بوجود شروط تسمح بفحص الادعاءات، وحماية حق الرد، ومساءلة المؤسسات والأفراد، وتقليل أثر التلاعب المنظم بالمعلومات.
ثالثاً: لماذا يتصدر الشباب موجات الاحتجاج الرقمي؟
ليس الشباب كتلة اجتماعية متجانسة، ولا يمكن تفسير احتجاجاتهم بمجرد أنهم الجيل الأكثر استخداماً للتكنولوجيا. فالأجيال الشابة تختلف في مواقعها الطبقية والتعليمية والجغرافية، وفي فرص العمل المتاحة لها، وفي علاقتها بالمؤسسات السياسية والاجتماعية. وقد يكون بعض الشباب أكثر اتصالاً رقمياً من غيرهم، لكن الاتصال لا يعني بالضرورة المشاركة السياسية أو تبني مواقف احتجاجية.
مع ذلك، يمكن تحديد مجموعة من العوامل التي تجعل الشباب فاعلاً مهماً في الاحتجاجات المعاصرة.
1. أول هذه العوامل هو التناقض بين التوقعات والفرص المتاحة. فقد يحصل الشاب على تعليم يرفع تطلعاته إلى العمل والاستقلال الاقتصادي والمشاركة، ثم يواجه بطالة طويلة أو أجوراً لا تتيح له حياة مستقرة أو مؤسسات لا تستجيب لمطالبه. ولا يقتصر أثر هذا التناقض على الدخل؛ إذ قد يتحول إلى شعور بأن الجهد الفردي لا يقابله اعتراف اجتماعي، وأن القواعد التي تنظم توزيع الفرص غير عادلة.
2. والعامل الثاني هو ضعف الثقة بالقنوات السياسية التقليدية لدى قطاعات من الشباب. فعندما تبدو الأحزاب بعيدة عن التجارب اليومية، أو تتحول الانتخابات إلى منافسة لا يشعر بعض المواطنين بأن نتائجها ستغير حياتهم، قد يبحث هؤلاء عن أشكال أخرى للتعبير والتنظيم. غير أن اللجوء إلى الشبكات لا يعني بالضرورة رفض السياسة أو المؤسسات كلها؛ فقد يكون محاولة لفرض مطالب على المؤسسات نفسها أو لإعادة فتح قنوات مغلقة.
3. أما العامل الثالث فهو أن الثقافة الرقمية توفر أنماطاً من التعبير تتناسب مع تجارب الشباب وطرائق تواصلهم. فالوسم، والمقطع القصير، والميم الساخر، والبث المباشر، كلها أشكال تستطيع اختزال قضية معقدة في رمز يسهل تداوله. وقد تمنح هذه الرموز المشاركين شعوراً بالانتماء إلى جماعة تتجاوز حدود المدينة أو الطبقة أو المؤسسة التعليمية.
لكن اختزال الحركة في ثقافة جيل واحد ينطوي على خطر تحليلي. فالحركات التي تبدأ بمبادرة شبابية قد تتسع لتشمل أولياء الأمور والنقابات والمهنيين والعمال والطبقات الوسطى والفئات المهمشة. وقد لا تكون المطالب نفسها حصرية للشباب، حتى إذا كانت الأدوات المستخدمة في التعبير عنها أكثر شيوعاً بينهم.
ويقتضي التحليل، لذلك، أن نفصل بين ثلاثة أسئلة: لماذا يغضب الشباب؟ وكيف يعبرون عن غضبهم؟ وما الذي يجعل بعضهم ينتقل من التعبير إلى المشاركة المنظمة؟ فالأول يتعلق بالسياق الاجتماعي، والثاني بالثقافة والوسائط، والثالث بشبكات الثقة والفرص السياسية وتقدير المخاطر والكلفة الشخصية للمشاركة.
رابعاً: نماذج دولية — تشابه الأدوات واختلاف السياقات
لا تقدم الحركات الشبابية في العالم نموذجاً واحداً للثورة الرقمية. فبعضها نشأ حول قضية محددة، وبعضها اتسع إلى مطالب سياسية عامة، وبعضها أسهم في إسقاط حكومة أو إزاحة مسؤولين، فيما لم يتمكن بعضها من تحقيق أهدافه أو واجه القمع والانقسام. وتسمح المقارنة بين هذه الحالات بتحديد دور الشبكات من دون تحويلها إلى سبب شامل يفسر كل شيء.
1. نيبال: حظر المنصات بوصفه شرارة، لا تفسيراً كاملاً
في سبتمبر 2025، شهدت نيبال احتجاجات قادها شباب، بعد أن حجبت الحكومة الوصول إلى (26) من منصات التواصل بسبب عدم امتثال الشركات لمتطلبات التسجيل التنظيمي. وقد تزامن الغضب من الحجب مع اعتراضات على الفساد والمحسوبية ومشكلات الحكم، فتحول النزاع على الوصول إلى المنصات إلى جزء من أزمة سياسية أوسع. وأفادت رويترز بمقتل ما لا يقل عن 19 شخصاً في اليوم الأول من المواجهات، في سياق استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ضد المحتجين. (3)
وتوضح الحالة النيبالية أن حجب المنصات قد يتحول إلى محفز احتجاجي عندما يُفهم باعتباره اعتداءً على حرية التعبير أو محاولة لحجب النقد، لكنه لا يفسر وحده اتساع الغضب. فالاحتجاج يصبح أكثر قابلية للانتشار عندما يتقاطع الإجراء المباشر مع مظالم سابقة وشعور عام بضعف المساءلة.
2. بنغلادش: المطالب الطلابية والتحول السياسي
بدأت احتجاجات بنغلادش عام 2024 في سياق الاعتراض على نظام حصص التوظيف، ثم اتسعت مع تصاعد المواجهات والقمع لتتحول إلى حركة أوسع ضد الحكومة. وأدت الشبكات الرقمية دوراً في تداول الأخبار وتنظيم المشاركة ونشر صور المواجهات، لكن المسار لا يمكن تفسيره رقمياً وحده؛ فقد تداخلت المطالب الطلابية مع التوترات الاجتماعية والسياسية واستجابة الدولة العنيفة.
وفي تقرير نشره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فبراير 2025، خلص التحقيق إلى وجود انتهاكات جسيمة ومنهجية خلال قمع الاحتجاجات، وقدّر أن ما يصل إلى 1400 شخص ربما قُتلوا بين 1 يوليو و15 أغسطس 2024، مع إصابة آلاف آخرين. وأشار التقرير إلى أن الغالبية العظمى من القتلى الذين استندت إليهم تقديراته أصيبوا بنيران قوات الأمن (4)
وتؤكد هذه التجربة أن الشبكات تستطيع توسيع نطاق الاحتجاج وتوثيق العنف، لكنها لا تحمي المشاركين بالضرورة من القوة المادية للدولة. كما أن تحول الحركة إلى قوة قادرة على تغيير السلطة لا يضمن تلقائياً بناء نظام سياسي أكثر عدالة أو استقراراً.
3. كينيا: الضرائب والتمثيل والمساءلة
في كينيا عام 2024، اندلعت احتجاجات واسعة ضد مشروع قانون المالية الذي تضمن تدابير ضريبية أثارت اعتراضات شعبية. واستطاع الشباب، من خلال وسوم مثل #RejectFinanceBill2024 و#OccupyParliament، تحويل النقاش القانوني حول الموازنة إلى قضية تتصل بتكاليف المعيشة، والعدالة في توزيع الأعباء، ومساءلة الحكومة.
وقد أظهرت الاحتجاجات نمطاً لافتاً من التنظيم اللامركزي، حيث استُخدمت المنصات لتبادل المعلومات، وتنسيق التحركات، وتقديم المساعدة القانونية والطبية، وتوثيق ما يجري. كما كشفت عن تغير في العلاقة بين الجمهور والإعلام، إذ لجأ كثير من الشباب إلى مصادر رقمية بديلة ومؤثرين يتابعونهم، لا إلى وسائل الإعلام التقليدية وحدها. (5) لكن كينيا تكشف أيضاً حدود التنظيم الرقمي: فالقدرة على تعبئة الشارع لا تلغي الحاجة إلى مسارات سياسية وقانونية لمتابعة المطالب، كما أن الاحتجاجات التي تتجنب القيادات المركزية قد تواجه صعوبة في التفاوض أو الحفاظ على توافق طويل الأمد.
4. السودان: حين تلتقي الشبكات بالتنظيم المهني
لا تنحصر أهمية السودان في استخدام وسائل التواصل أثناء ثورة 2018–2019، بل في التفاعل بين هذه الوسائل وشبكات تنظيمية سابقة، وفي مقدمتها تجمع المهنيين السودانيين. فقد أسهمت المنصات في نشر البيانات، وتحديد مواعيد الاحتجاجات، وتداول الصور والمقاطع، وفي بناء شعور بأن المشاركين ينتمون إلى حركة وطنية مشتركة تتجاوز مواقعهم الفردية.
وتبيّن دراسة هالة أ. قوتا أن استراتيجيات الاتصال التي استخدمها تجمع المهنيين ساعدت على بناء تعريفات مشتركة للمطالب والهوية الجماعية، وعلى تنشيط العلاقات بين الشبكات الرقمية والروابط خارج الإنترنت. وتنبع أهمية هذه النتيجة من أنها تضع التنظيم الاجتماعي والاتصال الرقمي في علاقة تكامل، بدلاً من افتراض أن أحدهما حل محل الآخر. (6)
وتكشف التجربة السودانية أن الشبكات قد تصبح أكثر فاعلية عندما تتقاطع مع بنى اجتماعية قادرة على توفير الثقة والخبرة التنظيمية والاستمرارية. لكنها تذكرنا أيضاً بأن إسقاط رأس النظام لا يساوي بالضرورة استكمال التحول الديمقراطي؛ إذ تظل علاقات القوة داخل الدولة والمؤسسات الأمنية والاقتصاد عوامل حاسمة في تحديد الى اين ستمضي الأمور
5. الجزائر — الحراك الشعبي بين التعبئة الشبكية وحدود التحول السياسي
تمثل الجزائر حالة أساسية لفهم الاحتجاجات الجماهيرية في العصر الرقمي، من خلال الحراك الشعبي الذي بدأ في شباط/فبراير 2019 رفضاً لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، ثم اتسع ليعبّر عن مطالب أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي، والمساءلة، واستقلال المؤسسات، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد تميز الحراك بمشاركة جماهيرية واسعة، وبحضور لافت للشباب، وبالتجمعات الأسبوعية التي جعلت الشارع فضاءً متكرراً للتعبير السياسي.
أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تداول الدعوات إلى التظاهر، ونشر الصور ومقاطع الفيديو، وتبادل المعلومات حول أماكن التجمعات، وإبقاء المطالب حاضرة في النقاش العام. كما ساعدت في نقل مشاهد الحراك إلى جمهور أوسع داخل الجزائر وخارجها، وفي إظهار اتساع المشاركة وتنوعها. غير أن الحراك لم يكن نتاج المنصات الرقمية وحدها؛ فقد استند إلى تاريخ من الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، وإلى استياء متراكم من بنية الحكم، وإلى قدرة المواطنين على تحويل المدن والساحات والشوارع إلى فضاء عام للمطالبة بالتغيير.
وتكمن أهمية الحالة الجزائرية في أن الحراك استطاع تحقيق هدف مباشر بالغ الأهمية، تمثل في منع استمرار مشروع الولاية الخامسة، لكنه لم يتمكن بالقدر نفسه من تحويل التعبئة الواسعة إلى انتقال سياسي يحقق جميع المطالب المتعلقة بتغيير بنية النظام. فقد كشفت المرحلة اللاحقة عن التوتر بين مطلب التغيير الجذري، والانتخابات والإجراءات المؤسسية التي طرحتها السلطة، واستمرار الخلاف حول مدى قدرة هذه الإجراءات على الاستجابة لتطلعات الحراك. كما واجه النشطاء والصحفيون ومستخدمو وسائل التواصل قيوداً وملاحقات ارتبطت بممارسة حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات.
ويقدم تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، كليمان نياليتسوسي فوليه، بشأن زيارته إلى الجزائر في أيلول/سبتمبر 2023، مصدراً مهماً لتحليل هذه المرحلة. فقد أشار التقرير إلى استمرار استخدام قوانين تقييدية سابقة على الحراك ضد المعارضة السلمية، وإلى حالات اعتقال تعسفي لناشطين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وإلى حل جمعيات أو رفض تسجيلها. وفي الوقت نفسه، سجل التقرير بعض الخطوات المؤسسية التي قدمتها الحكومة بوصفها مؤشرات على الإصلاح، لكنه شدد على أن الأمن والاستقرار على المدى الطويل لا يمكن تحقيقهما من دون ضمان الحقوق الأساسية، بما فيها حريتا التجمع السلمي وتكوين الجمعيات (7)، وتظهر التجربة الجزائرية أن نجاح الحركة في فرض تحول سياسي أولي لا يضمن بالضرورة استمرار قدرتها على التأثير في مسار المؤسسات. فالحراك كان واسعاً في شعاراته، ومتعدد المشاركين، وحريصاً على إبقاء استقلاله عن القوى السياسية التقليدية؛ غير أن هذه السمات نفسها جعلت بناء تمثيل موحد والتفاوض بشأن برنامج انتقالي أمراً بالغ التعقيد. ولا يعني ذلك أن اللامركزية كانت سبباً وحيداً في محدودية النتائج، إذ يجب أخذ موازين القوة داخل الدولة، ودور المؤسسات الأمنية، وطبيعة الاستجابة الرسمية، والقيود المفروضة على المجال العام في الحسبان.
وتسمح المقارنة بين الجزائر والعراق بإبراز فارق مهم. ففي الجزائر، اتخذ الاحتجاج شكل حراك أسبوعي واسع بدأ بمطلب مباشر يتعلق بالولاية الرئاسية، ثم توسع إلى مطلب تغيير النظام السياسي؛ أما في العراق، فقد تداخلت المطالب المتعلقة بالخدمات والبطالة والفساد مع أزمة الثقة في النظام السياسي، وواجه المحتجون استخداماً واسعاً للقوة وتقييداً للاتصال الرقمي. ومع اختلاف السياقين، تطرح التجربتان سؤالاً مشتركاً: كيف يمكن الحفاظ على اتساع المشاركة واستقلالها، وفي الوقت نفسه بناء آليات تمثيل ومساءلة تسمح بتحويل الزخم الشعبي إلى تغييرات مؤسسية؟
وبهذا المعنى، لا ينبغي اختزال الحراك الجزائري في كونه احتجاجاً نجح أو أخفق. فقد ساهم في تغيير المشهد السياسي، وأظهر قدرة المجتمع على استعادة المجال العام، وأنتج ذاكرة جماعية وشبكات تضامن. لكن تقييم أثره يتطلب أيضاً النظر إلى ما حدث لاحقاً لحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وإلى قدرة المواطنين على الاستمرار في المشاركة من دون خوف من الاعتقال أو الملاحقة.
والدرس الذي تضيفه الجزائر إلى المقالة هو أن إسقاط مشروع سياسي أو منع استمراره ليس مرادفاً للتحول الديمقراطي المكتمل؛ فالتغيير المستدام يتطلب حماية المجال العام بعد لحظة التعبئة، وضمان استقلال التنظيم المدني، وفتح مسارات فعلية للمشاركة والمساءلة.
6. سريلانكا: من الأزمة الاقتصادية إلى انتفاضة «أراغالايا»
في عام 2022، تحولت الأزمة الاقتصادية الحادة في سريلانكا، وما صاحبها من نقص في الوقود والطاقة والسلع الأساسية، إلى احتجاجات واسعة عُرفت باسم «أراغالايا»، أي «النضال». وأسهمت الشبكات في تداول صور النقص والضائقة، وفي نشر الدعوات إلى الاحتجاج، وفي تنسيق المشاركة حول مطالب سياسية، من أبرزها رحيل الرئيس غوتابايا راجاباكسا. وانتهت الموجة الاحتجاجية باقتحام المحتجين مجمع الرئاسة وفرار الرئيس من البلاد ثم استقالته.
ووفق تقرير «فريدوم هاوس» عن حرية الإنترنت في سريلانكا لعام 2022، استُخدمت وسوم مثل #GoHomeGota و#GotaGoHome للتعبير عن الغضب من إدارة الأزمة، كما فرضت السلطات قيوداً على منصات التواصل في مرحلة من مراحل الاحتجاج، لكنها تراجعت عنها خلال فترة قصيرة. (8)
غير أن إسقاط القيادة لم يحل جميع أسباب الأزمة، كما واجهت الحركة صعوبات في صياغة رؤية مشتركة للمرحلة التالية. وتبرز هنا مفارقة الحركات اللامركزية: فهي قد تتفوق في حشد قطاعات متنوعة حول رفض مشترك، لكنها تواجه تحدياً أكبر عندما يصبح المطلوب تحديد سياسات بديلة وبناء تحالفات مستمرة.
7. هونغ كونغ: قوة اللامركزية ومخاطرها
بدأت احتجاجات هونغ كونغ عام 2019 رفضاً لمشروع قانون يسمح بتسليم مشتبه بهم إلى الصين القارية، ثم اتسعت المطالب لتشمل قضايا أوسع تتعلق بالحريات والإصلاح السياسي ومساءلة الشرطة. واعتمد المحتجون على منصات رقمية، من بينها منتدى LIHKG وتطبيقات المراسلة، لتبادل المعلومات والتنسيق وتحديد أساليب التحرك.
وتوضح دراسة لاي ومينغ سينغ أن غياب القيادة المركزية لم يكن مجرد غياب للتنظيم، بل ارتبط بظهور منصات متعددة لاتخاذ القرار، وبتقسيم مرن للعمل بين مجموعات مختلفة. وقد منح ذلك الحركة قدرة على تنويع أساليبها، لكنه زاد أيضاً صعوبة التوافق على الاستراتيجية وإدارة الخلافات (Lai & Ming, 2021). (9)
وتساعد هذه الحالة على تجاوز الثنائية السطحية بين حركة «بلا قيادة» وحركة «ذات قيادة». فالسؤال الأهم هو كيف توزع الحركة وظائف التنظيم والتنسيق والتفاوض، وكيف تضمن أن تبقى القرارات قابلة للمساءلة، وأن لا تتحول المرونة إلى عجز عن تحديد الأهداف أو إدارة الاختلاف.
8. تشيلي: لا يكفي استخدام الشبكات لشرح المشاركة
شهدت تشيلي في أكتوبر 2019 احتجاجات واسعة بدأت على خلفية زيادة أجور زيادة تعرفة مترو سانتياغو ، ثم اتسعت لتعبّر عن اعتراضات أعمق على اللامساواة وتكاليف المعيشة والنظام الاجتماعي. وقد استخدم الشباب المنصات للتعبير عن مواقفهم وتبادل المعلومات والتنسيق، لكن الدراسة التجريبية التي أجراها أندريس شيرمان وسيباستيان ريفيرا تقدم تنبيهاً مهماً: لم تكن كل أشكال استخدام وسائل التواصل مرتبطة بالمشاركة الميدانية بالدرجة نفسها. (10)
فقد وجدت الدراسة أن المشاركة في الأنشطة السياسية عبر الشبكات كانت مرتبطة بالحضور في الاحتجاج، بينما لم يكن مجرد استخدام المنصات للحصول على المعلومات أو مشاركة الاهتمامات العامة كافياً لتفسير المشاركة. كما وجدت أن استخدام إنستغرام ارتبط بصورة غير مباشرة بالمشاركة عبر المحادثات بين الأشخاص (Scherman & Rivera, 2021).
وتعزز هذه النتيجة الحجة الأساسية للمقالة: ليست التكنولوجيا في حد ذاتها هي التي تصنع الاحتجاج، بل الطريقة التي تتداخل بها مع الحوار والعلاقات والدوافع والفرص المتاحة للفعل.
9. إيران: الاحتجاج على التمييز والسلطة والسيطرة على الجسد
أطلقت وفاة جينا مهسا أميني أثناء احتجازها في سبتمبر 2022 موجة احتجاجات واسعة في إيران تحت شعار «المرأة، الحياة، الحرية». وكانت النساء والفتيات، إلى جانب قطاعات من الشباب، في مقدمة الاحتجاجات التي تحدت القيود التمييزية والممارسات القسرية المتعلقة باللباس والحريات الشخصية.
وأدت الوسائط الرقمية دوراً في تداول الصور والشهادات والشعارات، وفي نقل الاحتجاجات من نطاق محلي إلى نقاش دولي أوسع. لكنها أصبحت أيضاً ساحة للمراقبة ومحاولات التقييد والتضليل، ولم تمنع المشاركين من التعرض للاعتقال والعنف.
وقد أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاجات، وأصدرت البعثة نتائج تفصيلية تناولت استخدام القوة والاعتقالات والمعاملة في الاحتجاز والانتهاكات المرتبطة بالفضاء الرقمي والإجراءات القضائية. (11)
وتوضح الحالة الإيرانية أن الفعل الرقمي يمكن أن يربط بين قضايا تبدو في الظاهر شخصية أو ثقافية وبين أسئلة أوسع عن السلطة والحقوق والمواطنة. فالجسد واللباس والحق في الظهور في المجال العام قد تتحول إلى موضوعات سياسية حين تتدخل الدولة في تنظيمها بالقوة.
10. العراق — احتجاج تشرين واختبار المجال العام الرقمي
تحتل التجربة العراقية موقعاً مهماً في دراسة العلاقة بين الشباب والاحتجاج الرقمي، ليس فقط بسبب اتساع تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر 2019، بل لأن هذه التجربة كشفت عن التداخل بين المظالم الاجتماعية والسياسية، والتعبئة الشبابية، ومحاولات تقييد تداول المعلومات. فقد اندلعت الاحتجاجات في بغداد وعدد من المحافظات العراقية، ولا سيما في الوسط والجنوب، مدفوعة بالغضب من البطالة، وتدهور الخدمات العامة، والفساد، وضعف الثقة بالمؤسسات السياسية، والشعور بأن النظام السياسي لم ينجح في الاستجابة لتطلعات قطاعات واسعة من الشباب.
لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد قناة لنقل أخبار الاحتجاجات بعد اندلاعها؛ فقد أسهمت في تداول الدعوات والمعلومات، وتوثيق ما جرى في الساحات، ونشر صور الإصابات والضحايا، وتوسيع دائرة الشهود على الأحداث. كما أتاحت للمشاركين وللمتضامنين خارج العراق متابعة تطورات لم تكن وسائل الإعلام التقليدية قادرة دائماً على تغطيتها بالسرعة أو الاتساع نفسيهما. ومع ذلك، لا يصح اختزال احتجاجات تشرين في أثر المنصات؛ فقد استندت إلى مظالم تراكمت في الحياة اليومية، وإلى خبرات احتجاجية سابقة، وإلى حضور ميداني اتخذ من الساحات العامة فضاءً للتعبير عن مطالب اجتماعية وسياسية أوسع.
وتبرز خصوصية التجربة العراقية في أن المجال الرقمي لم يكن ساحة للتعبئة والتوثيق وحدهما، بل أصبح أيضاً موضوعاً مباشراً للصراع. فقد وثق تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان الصادر في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2019 مخاوف جدية بشأن استخدام القوة ضد المتظاهرين، والاعتقالات والتهديدات، والضغط على الصحفيين، وقطع الإنترنت وتقييد الوصول إلى منصات التواصل. ثم تناول التقرير اللاحق، الذي غطى الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2019 إلى نيسان/أبريل 2020، انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان المرتبطة بالتظاهرات، بما في ذلك القيود المفروضة على حرية التعبير وتداول المعلومات. (12)
ويكتسب قطع الإنترنت هنا دلالة تتجاوز تعطيل التواصل اليومي. فعندما يتزامن تقييد الاتصال مع احتجاجات واسعة، فإنه قد يؤثر في قدرة المشاركين على التنسيق، وفي قدرة الصحفيين والمواطنين على توثيق الأحداث، وفي حق الجمهور في تلقي المعلومات. وقد أشار تقرير الأمم المتحدة عن التظاهرات في العراق إلى أن القيود الواسعة على الإنترنت ومنصات التواصل كانت غير متناسبة مع الغايات التي قُدمت لتبريرها، وأثرت في ممارسة حريتي التعبير والتجمع السلمي. وبذلك تصبح البنية الرقمية جزءاً من البنية التي يُمارس عبرها الحق في الاحتجاج، لا مجرد أداة تقنية محايدة يمكن تعطيلها من دون آثار حقوقية.
وتكشف التجربة العراقية أيضاً عن حدود القدرة على تحويل التعبئة إلى تغيير مؤسسي مستدام. فقد استطاعت احتجاجات تشرين فرض مطالبها على النقاش العام، وإظهار عمق أزمة الثقة بين قطاعات من الشباب والنظام السياسي، وخلق رموز وذاكرة احتجاجية مشتركة. لكنها واجهت في الوقت نفسه العنف، والاغتيالات والاختطاف والتهديدات، وصعوبة بناء تمثيل سياسي موحد، والتباين بين المطالب الواسعة التي جمعت المشاركين وبين الآليات اللازمة لترجمتها إلى إصلاحات قابلة للقياس. ولا ينبغي قراءة هذه الصعوبات بوصفها دليلاً على فشل الاحتجاج في كل أبعاده؛ إذ يجب التمييز بين أثره في الوعي العام والذاكرة السياسية من جهة، وقدرته على تغيير بنية السلطة والمؤسسات من جهة أخرى.
وتتيح الحالة العراقية، في سياق هذه المقالة، استخلاص نتيجة أساسية: قد تتسع قدرة الشباب على التعبئة والتوثيق بفضل الشبكات الرقمية، فيما تظل قدرتهم على حماية المجال العام وتحويل المطالب إلى تغيير مؤسسي رهناً بموازين القوة، وضمانات الحقوق، ووجود مؤسسات قادرة على المساءلة. ومن هنا لا يمكن تقييم الاحتجاج الرقمي بمعزل عن حق الوصول إلى المعلومات، وحرية الصحافة، وحماية المشاركين، والحق في التجمع السلمي، وواجب الدولة في التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
خلاصة المقارنة الدولية
تكشف الحالات السابقة عن نمط متكرر، لكنه ليس قانوناً عاماً: تتقاطع المظالم الاجتماعية مع وسيلة رقمية تتيح إنتاج خطاب مشترك، ثم تتوسع التعبئة وتنتقل إلى الشارع، فتواجه استجابة الدولة وموازين القوة المؤسسية. ومع ذلك، تختلف النتائج بحسب طبيعة المظالم، وبنية التنظيم، وقدرة الحركة على بناء تحالفات، ومدى انفتاح النظام السياسي، وحجم القمع، وإمكان تحويل الضغط إلى برنامج مستدام.
لذلك لا يصح وصف هذه الحركات جميعاً بأنها «ثورات رقمية» بالمعنى نفسه. بعضها احتجاجات اجتماعية واسعة، وبعضها حركات شبابية ذات مطالب محددة، وبعضها تحول إلى أزمة سياسية وطنية. والأدق أن نستخدم مفهوم الاحتجاج الشبكي لوصف التفاعل بين الاتصال الرقمي والفعل الميداني، ثم نحدد في كل حالة ما إذا كان هذا الاحتجاج قد تطور إلى تحول سياسي أوسع.
خامساً: المغرب والهند — حين تتحول الثقافة الرقمية إلى فعل سياسي
تحتل حالتا حركة جيل زد 212 في المغرب وحركة حزب الصراصير في الهند مكانة خاصة في هذه المقالة؛ لأنهما تكشفان كيف يمكن للحركات الشبابية أن تستخدم لغات رقمية مختلفة لتحدي التهميش والمطالبة بالمساءلة. فالحالة المغربية انطلقت من مطالب اجتماعية تتعلق بالخدمات العامة والفساد وأولويات الإنفاق، فيما انطلقت الحركة الهندية من سخرية احتجاجية أعادت توظيف وصف مهين منسوب إلى خطاب رسمي، قبل أن تتسع إلى قضايا التعليم والعمل والمشاركة السياسية.
ولا يعني التشابه في الأدوات أو في الفئة العمرية أن الحركتين متماثلتان في بنيتهما أو سياقهما السياسي. لذلك ينبغي تحليل كل تجربة في سياقها، ثم إجراء المقارنة على أساس محدد: كيف نشأت المظلمة، وكيف صيغت لغوياً، وكيف انتشرت، وكيف انتقلت من الفضاء الرقمي إلى المجال العام، وما التحديات التي واجهتها عند محاولة تحويل التعبئة إلى أثر سياسي.
1. المغرب: الصحة والتعليم بوصفهما مدخلاً إلى المساءلة العامة
برزت حركة جيل زد 212 في المغرب خلال سبتمبر 2025، في سياق من الاستياء المتراكم بشأن جودة الخدمات العامة، ولا سيما الصحة والتعليم، والفساد، وأولويات الإنفاق الحكومي. وقد زادت وفاة نساء أثناء الولادة في مستشفى عمومي بأكادير من حدة الغضب الشعبي، لتصبح الأزمة الصحية رمزاً لتجارب أوسع تتعلق بقدرة المؤسسات العامة على حماية حياة المواطنين وتوفير خدمات أساسية.
لم يكن الاحتجاج موجهاً إلى مسألة تقنية في إدارة المستشفيات فحسب، بل إلى سؤال سياسي عن توزيع الموارد العامة: كيف يمكن للدولة أن تستثمر في مشروعات كبرى وبنية تحتية مرتبطة باستضافة تظاهرات رياضية دولية، بينما يرى مواطنون أن الخدمات الصحية والتعليمية لا تلبي احتياجاتهم الأساسية؟ ومن هنا اتسعت المطالب لتشمل مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، والمساءلة عن السياسات العامة. وقد وثقت رويترز منذ أواخر سبتمبر 2025 انتشار الاحتجاجات في مدن مغربية متعددة، واستجابة الحكومة بإعلان استعدادها للحوار، في ظل مواجهات واعتقالات أثارت انتقادات حقوقية (13)
كان للمنصات الرقمية دور في تكوين الحركة وتنظيمها، خصوصاً ديسكورد ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أمكن للشباب تبادل الرسائل وتنسيق التحركات من دون الاعتماد على قيادة حزبية معلنة. وقد ساعد هذا النمط على سرعة الانتشار وعلى إبقاء المبادرة بيد المشاركين، كما قلل من اعتماد الحركة على المؤسسات الإعلامية التقليدية في تحديد مطالبها وصورتها العامة.
اختارت قيادة «جيل زد 212» ديسكورد لتنظيم تحركها لبنيته اللامركزية ولقلة إلمام الأجهزة الأمنية به، وفق المصادر المتاحة. نما الخادم من أقل من ألف عضو عند تأسيسه في 18 سبتمبر 2025 إلى نحو 250 ألفاً بحلول 7 أكتوبر. غير أن اختراقه من جانب السلطات، كما أُفيد، دفع المنسقين المجهولين إلى الاعتماد على دائرة ضيقة من المستخدمين الموثوقين. وهكذا تحوّلت اللامركزية من ميزة تنظيمية إلى معضلة تمثيلية: فمن يتحدث باسم ربع مليون عضو مجهولين، وبأي تفويض؟
لكن الطابع اللامركزي لا يعني أن الحركة كانت خالية من التنظيم. فالعمل الشبكي نفسه يحتاج إلى قواعد ضمنية أو صريحة لتبادل المعلومات، وإدارة النقاش، وتحديد الرسائل، والتمييز بين الحسابات الموثوقة والادعاءات غير المؤكدة. كما أن غياب قيادة مركزية معلنة يثير أسئلة عملية حول التمثيل: من يملك حق التفاوض؟ وكيف يمكن التحقق من أن من يتحدث باسم الحركة مفوض من المشاركين؟ وكيف تتخذ الحركة موقفاً موحداً من الاستجابة الحكومية؟
تتضح هنا إحدى المفارقات المركزية للحركات الشبكية: إن غياب الهرمية التقليدية قد يحمي الحركة من الاحتواء السريع، لكنه قد يجعل الوصول إلى اتفاق بشأن الاستراتيجية والتمثيل أكثر صعوبة. وإذا كانت المرونة مفيدة في مرحلة إطلاق الاحتجاج، فقد تصبح أقل كفاية عندما يتطلب الأمر تفاوضاً مستمراً أو مراقبة تنفيذ الوعود أو صياغة بدائل للسياسات العامة.
ومن المهم كذلك ألا تُقرأ المطالب المغربية باعتبارها رفضاً للتنمية أو للبنية التحتية الرياضية في ذاتها. فالمسألة، كما تظهر في خطاب المحتجين، تتعلق بترتيب الأولويات العامة ومدى عدالة توزيع ثمار التنمية، وبحق المواطنين في مساءلة الحكومة عن قرارات الإنفاق. بهذا المعنى، تكشف الحركة عن صراع على تعريف التنمية نفسها: هل تقاس بالمشروعات الكبرى والمؤشرات الاقتصادية، أم بقدرة السكان على الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم الجيد والعمل اللائق؟
2. الهند: من السخرية إلى المطالبة بالحقوق السياسية
ظهر «حزب الصراصير الشعبي» (Cockroach Janta Party) في 16 مايو 2026، غداة جلسة في المحكمة العليا وصف فيها رئيس القضاة سوريا كانت، وفق ما نُقل عنه، بعض الشباب العاطلين وناشطي وسائل التواصل المنتقدين للمؤسسات بـ«الصراصير» و«طفيليات المجتمع»، قبل أن يوضح لاحقاً أن كلامه نُقل على غير وجهه. أطلق أبهجيت ديبكي، وهو مختص في الاتصال السياسي، الحملةَ الساخرة بتسمية تحاكي اسم الحزب الحاكم، وتجاوز عدد متابعيها على إنستغرام 15 مليوناً في أسبوعها الأول. وحين حُجب حسابها على «إكس» في الهند في 21 مايو بأمر مستند إلى المادة 69(أ) من قانون تقنية المعلومات، ثم أُعيد بقرار من المحكمة العليا في دلهي في 7 يوليو، تجلّت ازدواجية المنصة بوصفها مورداً للتعبئة وموضعاً للسيطرة. ثم ارتبطت احتجاجات الحركة بشأن امتحانات NEET باستقالة وزير التعليم في 25 يوليو، وهي علاقة سببية تظل موضع نقاش.
تقدم حركة حزب الصراصير الهندية، المعروفة باسم Cockroach Janta Party أو اختصاراً CJP، مساراً مختلفاً. فقد ظهرت في عام 2026 بوصفها حملة شبابية ساخرة، بعد تصريحات نُسبت إلى رئيس المحكمة العليا سورْيا كانت وفُهمت على أنها تقارن الشباب العاطلين عن العمل أو منتقدي الحكومة بالطفيليات أو الصراصير. وقد أعاد ناشطون، من بينهم أبهجيت ديبكي، استخدام الرمز المهين في صيغة احتجاجية ساخرة، فتحول الاسم إلى وسيلة لجمع الغضب وتحدي لغة التحقير.
وبحسب تغطية الجزيرة في يونيو 2026، انتقلت الحركة من السخرية الرقمية إلى احتجاجات تتعلق بمشكلات منظومة الامتحانات وتسرب أوراق الأسئلة وفرص العمل. وأشارت صحيفة الغارديان في يوليو من العام نفسه إلى أن الحركة وسّعت حضورها الميداني، وأنها استطاعت استقطاب شباب وأولياء أمور متضررين من أزمات الامتحانات . (14) ، تكمن أهمية هذه التجربة في وظيفة السخرية السياسية. فالسخرية ليست مجرد أسلوب للتخفيف من الإحباط، بل يمكنها أن تعيد توزيع القوة الرمزية بين السلطة والمحتجين. حين يُستخدم وصف مهين في خطاب عام، قد يكون الهدف وضع فئة اجتماعية في موقع أدنى، أو تصوير مطالبها بوصفها عبئاً أو تهديداً. لكن إعادة استخدام الوصف بصورة ساخرة قد تنزع عنه بعض قدرته على الإهانة، وتحوله إلى رمز للتضامن والرفض.
ولا يعني ذلك أن كل سخرية تتحول إلى حركة سياسية. فقد يبقى الرمز مجرد مادة للتداول، أو يحقق انتشاراً كبيراً من دون أن يفضي إلى مشاركة ميدانية. ما يميز الحالة الهندية، وفق التغطيات المنشورة، هو أن السخرية ارتبطت بقضايا مادية واضحة، مثل نزاهة الامتحانات وفرص العمل، ثم دخلت في صراعات أوسع حول المساءلة السياسية والانتخابات.
وفي أكتوبر 2026، اتسع نشاط الحركة إلى الاحتجاج على مراجعة قوائم الناخبين والمطالبة باستقالة رئيس مفوضية الانتخابات، غيانش كومار. وذكرت تقارير صحفية أن مراجعة القوائم شملت حذف أعداد كبيرة من الأسماء، وأن معارضين اتهموا العملية بأنها قد تحرم ناخبين من حقهم في التصويت، بينما قالت المفوضية والحكومة إن الإجراء يستهدف إزالة الأسماء المكررة أو غير المؤهلة.
كما أفادت رويترز في 10 أكتوبر 2026 باحتجاز أكثر من ألفي شخص في دلهي قبيل احتجاج دعت إليه الحركة، بينما ذكرت الغارديان ووكالة أسوشيتد برس في 14 أكتوبر أن اثنين من قادة الحركة حُكم عليهما بالحبس خمسة أيام بعد تجاوز الحواجز في موقع احتجاج محظور. (15)
وتكشف هذه التطورات انتقال الحركة من نزاع حول التهميش الاجتماعي إلى نزاع يتعلق بالمشاركة السياسية والحق في التصويت. لكنها تطرح أيضاً أسئلة عن حدود توسع جدول الأعمال: كيف تحافظ الحركة على صلتها بالمطالب التي أسهمت في نشأتها؟ وكيف تتعامل مع دخول الأحزاب المعارضة على خط احتجاجاتها؟ وكيف تميز بين التوثيق المستقل للوقائع والخطاب السياسي الذي يسعى إلى توظيفها؟
إن قدرة الحركة على توسيع نطاق القضايا التي تناقشها قد تمنحها أهمية سياسية أكبر، لكنها قد تزيد أيضاً من صعوبة بناء برنامج متماسك ومنع التباين بين الشعارات والمطالب العملية.
3. مقارنة بين الحركتين: اختلاف اللغة وتشابه التحديات
يمكن تلخيص أوجه المقارنة بين التجربتين على النحو الآتي:
محور المقارنة حركة جيل زد 212 في المغرب حركة حزب الصراصير في الهند
مدخل التعبئة تدهور الخدمات العامة والفساد وأولويات الإنفاق السخرية من التهميش، ثم قضايا الامتحانات والعمل والانتخابات
اللغة الاحتجاجية مطالب اجتماعية مباشرة وشعارات عن الصحة والتعليم والمساءلة سخرية ورمز استفزازي أعيد توظيفه، ثم مطالب اجتماعية وسياسية دور الشبكات تنظيم لامركزي وتنسيق عبر منصات رقمية إطلاق الرمز وتوسيعه، ثم تعبئة رقمية وميدانية
العلاقة بالمؤسسات مساءلة الحكومة عن الخدمات والسياسات العامة تصاعد النزاع إلى قضايا التعليم والمساءلة الانتخابية
التحدي التنظيمي تحديد التمثيل والتفاوض ومتابعة تنفيذ المطالب الحفاظ على اتساق جدول الأعمال وبناء تمثيل موثوق
السؤال المركزي كيف تتحول المطالب الاجتماعية إلى إصلاح مستمر؟ كيف تتحول السخرية والتعبئة إلى قوة سياسية قابلة للمساءلة؟
لا تكمن قيمة المقارنة في القول إن الحركتين متشابهتان لأنهما تستخدمان الإنترنت، بل في الكشف عن آليتين مختلفتين لإنتاج الفعل السياسي. في الحالة المغربية، كانت المظالم المتعلقة بالخدمات العامة نقطة ارتكاز واضحة، بينما لعب الرمز الساخر دوراً تأسيسياً في الحالة الهندية. لكن الحركتين واجهتا سؤالاً مشتركاً: كيف تتحول القدرة على جذب الانتباه إلى قدرة على تحديد المطالب، وتنظيم المشاركة، ومساءلة السلطة، وتقييم النتائج؟
ومن هنا، يمكن صياغة ثلاث فرضيات مقارنة:
1. المظلمة لا تصبح حركة بمجرد وجودها؛ بل تحتاج إلى لغة مشتركة تجعل التجارب الفردية قابلة للفهم بوصفها مشكلة عامة.
2. الانتشار الرقمي يوسع إمكان التعبئة، لكنه لا يضمن وحدة الحركة أو قدرتها على التأثير في المؤسسات.
3. كلما انتقلت الحركة من التعبير إلى المطالبة بالتغيير المؤسسي، ازدادت حاجتها إلى قواعد للتمثيل واتخاذ القرار والمساءلة.
سادساً: المنصات الرقمية — مورد للتعبئة وبنية للسيطرة
يجب ألا تُعامل المنصات الرقمية بوصفها أدوات محايدة متاحة للجميع بالدرجة نفسها. فهي بنى تقنية وتجارية تتحكم في ترتيب المحتوى، وتجمع البيانات، وتحدد شروط ظهور الحسابات، وقد تستجيب لطلبات حكومية أو تتأثر بقواعد قانونية وضغوط اقتصادية. ومن ثم، فإن الحركات التي تستخدم هذه المنصات للتعبئة تعمل داخل بيئة لا تملك السيطرة الكاملة عليها.
1. اقتصاد الانتباه وصناعة الرسالة الاحتجاجية
تتنافس الحركات على جذب انتباه جمهور يعيش وسط تدفق مستمر من الأخبار والمقاطع والصور. وفي هذه البيئة، قد يكون المحتوى المختصر أو الصادم أو الساخر أكثر قابلية للانتشار من تحليل طويل يشرح أسباب الأزمة أو تفاصيل الحلول المقترحة. وهذا لا يجعل المحتوى القصير سطحياً بالضرورة، لكنه يعني أن تصميم الرسالة يتأثر بشروط البيئة التي تنتشر فيها.
وقد يؤدي ذلك إلى مفارقة: تستطيع الحركة جذب ملايين المشاهدات، بينما لا تستطيع ضمان مشاركة عدد مماثل في العمل الميداني أو في متابعة المطالب بعد انتهاء الموجة الأولى. فالتفاعل الرقمي قد يدل على الاهتمام، لكنه لا يثبت وحده وجود التزام سياسي مستمر.
ويتصل هذا بما تسميه شوشانا زوبوف «رأسمالية المراقبة»، حيث تتحول البيانات المتعلقة بالسلوك الإنساني إلى مورد اقتصادي تستخدمه الشركات للتنبؤ بالسلوك والتأثير فيه. ولا يعني ذلك أن كل منصة تعمل بالطريقة نفسها أو أن كل تفاعل سياسي يخضع بالضرورة للتلاعب؛ لكنه يلفت الانتباه إلى أن البيانات والانتباه ليسا مجرد أدوات يستخدمها المحتجون، بل موردان تتنافس عليهما جهات تجارية وسياسية مختلفة (Zuboff, 2019).
2. التضليل والاستقطاب
يمكن للمنصات أن تسهم في تصحيح المعلومات، لكنها قد تسرّع أيضاً تداول الشائعات والصور المنزوعة من سياقها والادعاءات غير المؤكدة. وقد تستفيد جهات سياسية أو مجموعات منظمة من سرعة الانتشار لتشويه المحتجين أو تضخيم الانقسامات بينهم أو دفعهم إلى ردود فعل لا تخدم أهدافهم.
ولذلك ينبغي ألا تختزل المقالة المسألة في صراع بين «الشباب» و«السلطة» فحسب؛ إذ توجد داخل المجال الرقمي أطراف متعددة، منها الأحزاب، ووسائل الإعلام، والشركات، والحسابات المؤثرة، والمجموعات المنظمة، والمستخدمون العاديون. وقد تتفق بعض هذه الأطراف مع مطالب الحركة في جانب وتختلف معها في جانب آخر، أو تسعى إلى توظيفها لمصالحها.
3. المراقبة والخصوصية
تتيح الشبكات للحركات تنسيق تحركاتها، لكنها تترك أيضاً آثاراً رقمية يمكن استخدامها للتعرف على المشاركين أو تتبع علاقاتهم. وقد يشمل ذلك مراقبة الحسابات، وتحليل شبكات الاتصال، وجمع البيانات، والضغط على الوسطاء الرقميين، أو تقييد الوصول إلى المنصات.
ويؤثر هذا الخطر في حرية المشاركة نفسها. فالشخص الذي يخشى أن تؤدي منشوراته أو علاقاته الرقمية إلى استدعائه أو فقدان عمله أو تعريض أسرته للخطر قد يلجأ إلى الصمت أو الرقابة الذاتية. وهكذا يصبح الحق في الخصوصية جزءاً من الشروط اللازمة للمشاركة السياسية، لا مسألة منفصلة عنها.
4. اللامركزية ليست غياباً للسلطة
قد تبدو الحركة اللامركزية أقل عرضة للسيطرة من حركة تعتمد على قيادة واحدة، لكنها ليست محصنة ضد السيطرة أو الاختراق. فبعض الحسابات قد تملك تأثيراً يفوق غيرها، وقد تؤدي الخوارزميات إلى إبراز أصوات محددة على حساب أصوات أخرى، كما يمكن أن تنشأ داخل الحركة نفسها مراكز غير رسمية للنفوذ.
لذلك، فإن السؤال التنظيمي ليس فقط كيف تتجنب الحركة القيادة المركزية، بل كيف تمنع ظهور سلطة غير معلنة لا تخضع للمساءلة. ويمكن أن تساعد قواعد الشفافية، وتوثيق القرارات، وتعدد المتحدثين، ووضوح آليات التفويض، على تقليل الفجوة بين المساواة المعلنة والتفاوت الفعلي في التأثير.
سابعاً: حقوق الإنسان في قلب الاحتجاج الرقمي
لا يكتمل تحليل الحركات الشبابية الرقمية من دون إدخال حقوق الإنسان في صلبه. فالاحتجاجات تتعلق بحرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات، والحق في التجمع السلمي، والحق في المشاركة في الشؤون العامة، والحق في الخصوصية، والحماية من الاعتقال التعسفي. كما أن القمع أو قطع الإنترنت أو المراقبة غير المشروعة قد يؤثر في مجموعة من الحقوق في وقت واحد.
ويقتضي هذا المنظور التمييز بين حق الدولة في تنظيم التجمعات وفق القانون وبين استخدام التنظيم ذريعة لمنع الاحتجاج. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحمي حرية التعبير في المادة 19، وحرية التجمع السلمي في المادة 21، وحرية تكوين الجمعيات في المادة 22، والحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة في المادة 25. وتخضع القيود على بعض هذه الحقوق لشروط قانونية محددة، تشمل الضرورة والتناسب والارتباط بهدف مشروع.
1. من النصوص الملزمة إلى التفسير المعياري للحقوق
لا يكفي، عند تحليل الاحتجاجات الرقمية، الاكتفاء بالإشارة العامة إلى حرية التعبير والتجمع السلمي والمشاركة السياسية؛ بل ينبغي تحديد مضمون هذه الحقوق كما تفسره هيئات المعاهدات الدولية، ثم بيان كيفية انطباقها على النشاط الرقمي وعلى العلاقة بين الشارع والمنصات. فالمعاهدات تحدد الالتزامات القانونية للدول الأطراف، بينما تساعد التعليقات العامة الصادرة عن هيئات المعاهدات على تفسير نطاق هذه الالتزامات ومضمونها العملي، وتوفر تقارير المقررين الخاصين تحليلاً موضوعياً وتوصيات بشأن التحديات التي تواجه التمتع بالحقوق.
أ) التعليقات لعامة: يُعد التعليق العام رقم 34 للجنة المعنية بحقوق الإنسان بشأن حرية الرأي والتعبير مرجعاً أساسياً لفهم الحماية التي يقررها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويؤكد التعليق أن حرية التعبير شرط ضروري للشفافية والمساءلة، وأن النقاش المتعلق بالشخصيات العامة والمؤسسات السياسية يتمتع بأهمية خاصة في مجتمع ديمقراطي. وبالنسبة إلى الحركات الشبابية، يعني ذلك أن النقد الحاد للسياسات العامة، والمطالبة بتغيير الحكومة أو مساءلة المسؤولين، لا يبرران بذاتهما فرض العقوبات؛ بل يجب أن يستند أي قيد إلى شروط المادة 19 من العهد، وأن يكون منصوصاً عليه في القانون ومرتبطاً بهدف مشروع وضرورياً ومتناسباً معه. (16)
أما التعليق العام رقم 37 لعام 2020، الصادر عن اللجنة نفسها بشأن الحق في التجمع السلمي بموجب المادة 21 من العهد، فيقدم الأساس الأكثر مباشرة لتحليل الاحتجاج الشبكي. فهو لا يحصر حماية الحق في لحظة التجمع أو مكانه المادي، بل يشمل الأنشطة المرتبطة به، ومنها حشد المشاركين، والتخطيط، ونشر المعلومات بشأن التجمع، والتواصل بين المشاركين، وبث وقائع التجمع. ويؤكد كذلك ضرورة عدم تعريض الأفراد للمضايقة أو الانتقام بسبب مشاركتهم في تجمع سلمي أو ارتباطهم به. (17)
وتترتب على هذا التفسير نتيجة مهمة: إن تعطيل الإنترنت أو حجب منصات التواصل في سياق الاحتجاج قد لا يكون مجرد تدخل في خدمة تقنية، بل قد يقيّد في الوقت نفسه القدرة على ممارسة حرية التعبير والتجمع وتداول المعلومات. وقد أوضح التعليق العام رقم 37، في الفقرة 34 تحديداً، أن الأنشطة المرتبطة بالتجمعات التي تعتمد على الخدمات الرقمية تحظى بالحماية، وأن على الدول ألا تحجب الاتصال بالإنترنت أو تعوقه فيما يتعلق بالتجمعات السلمية. كما ينبغي ألا تؤدي أنشطة مزودي خدمات الإنترنت والوسطاء الرقميين إلى تقييد غير مبرر للتجمعات أو المساس بخصوصية المشاركين. (18)
ويكتمل هذا الإطار بالرجوع إلى التعليق العام رقم 25 لعام 1996 بشأن المشاركة في إدارة الشؤون العامة والحق في التصويت وتولي الوظائف العامة. فالمشاركة السياسية لا تقتصر على الإدلاء بالصوت في الانتخابات؛ إذ يشير التعليق إلى دور النقاش العام والحوار مع الممثلين المنتخبين والتنظيم الذاتي للمواطنين في التأثير في الشؤون العامة، ويربط هذه الأشكال من المشاركة بضمان حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات. وتفيد هذه القراءة في فهم لماذا لا ينبغي اعتبار الاحتجاج الشبابي منافساً بالضرورة للمشاركة المؤسسية؛ فقد يكون أحد أشكال التأثير في القرارات العامة، أو وسيلة لكشف إخفاق المؤسسات في الاستجابة لمطالب المواطنين. (19)
وبذلك يتشكل الإطار المعياري للاحتجاج الرقمي من مجموعة حقوق مترابطة: حرية التعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات، والخصوصية، والوصول إلى المعلومات، والمشاركة في إدارة الشؤون العامة. ولا يجوز تحليل أحد هذه الحقوق بمعزل عن غيره؛ فحجب الإنترنت قد يعوق التعبير والتجمع، ومراقبة الاتصالات قد تثبط المشاركة، والاعتداء على الصحفيين قد يحد من قدرة المجتمع على معرفة ما يجري، وتجريم النشاط السلمي قد يضيّق المجال المتاح للتنظيم المدني.
كما أن الحق في التجمع السلمي لا يسقط لمجرد أن الاحتجاج يزعج السلطات أو يعطل الروتين العام. وفي المقابل، لا يمنح الطابع الاحتجاجي كل فعل حصانة مطلقة؛ إذ يجب تقييم الوقائع المحددة وفق القانون والمعايير الحقوقية، مع التمييز بين السلوك السلمي وأعمال العنف الفردية، وعدم تحميل الحركة كلها مسؤولية أفعال لا تثبت صلتها بها.
وتطرح البيئة الرقمية مسائل إضافية. فمراقبة الاتصالات أو جمع البيانات الشخصية أو تقييد الوصول إلى الإنترنت قد تمس الخصوصية وحرية التعبير والمشاركة السياسية. وينبغي أن تخضع هذه التدابير لمعايير الشرعية والضرورة والتناسب، وأن تتاح سبل فعالة للطعن والمساءلة.
ومن المهم كذلك ألا يتحول خطاب حقوق الإنسان إلى أداة لتبرير القمع تحت عنوان مكافحة التضليل أو حماية الأمن. فمواجهة المعلومات المضللة ينبغي أن تعتمد على الشفافية والتحقق والمساءلة، لا على إسكات النقد المشروع. وبالمثل، فإن حماية حرية التعبير لا تعني إعفاء المنصات أو الأفراد من المسؤولية عن الأضرار التي قد تنتج عن انتهاكات محددة، بل تقتضي إطاراً واضحاً يحمي الحقوق ويحدد المسؤوليات وفق القانون.
وتتيح هذه المقاربة قراءة الحركات الشبابية من زاويتين متكاملتين: فهي من جهة تطالب بمساءلة السلطات عن السياسات والخدمات والحقوق، ومن جهة أخرى تحتاج إلى تطوير ممارسات داخلية تتسق مع مبادئ المشاركة والشفافية وعدم الإقصاء.
ب) تقارير المقررين الخاصين — من المبادئ العامة إلى ضمانات الاحتجاج
إلى جانب التعليقات العامة، توفر تقارير الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة أدوات مهمة لتحليل الاحتجاج الرقمي، لأنها تتناول مسائل محددة مثل استخدام التكنولوجيا في تنظيم التجمعات، وقطع الإنترنت، ومراقبة المشاركين، والقيود المفروضة على الجمعيات والمدافعين عن حقوق الإنسان. ويجب التمييز هنا بين طبيعة هذه التقارير وطبيعة المعاهدات: فهي ليست معاهدات جديدة، لكنها تقدم تفسيرات وتحليلات وتوصيات ذات أهمية في فهم المعايير القائمة وتطبيقها على الوقائع المعاصرة.
يقدم تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، كليمان نياليتسوسي فوليه، الصادر عام 2019 بشأن الفرص والتحديات التي يطرحها العصر الرقمي، نقطة انطلاق مناسبة. فقد تناول التقرير كيف تتيح التكنولوجيا الرقمية فرصاً لتيسير التجمعات وتكوين الجمعيات، وفي الوقت نفسه كيف يمكن أن تُستخدم لمراقبة النشطاء أو تقييد نشاطهم أو التأثير في قدرتهم على التواصل. وتكمن أهميته في أنه يضع النشاط الرقمي داخل نطاق الحقوق القائمة، بدلاً من التعامل معه بوصفه مجالاً منفصلاً عن القانون الدولي لحقوق الإنسان. (20)
كما تناول التقرير اللاحق للمقرر الخاص بشأن إنهاء قطع الإنترنت: مسار للمضي قدماً، الصادر عام 2021، الآثار الحقوقية لعمليات قطع الاتصال، والحاجة إلى إنهاء هذه الممارسة، ولا سيما حين تؤثر في قدرة الأفراد على ممارسة حقوقهم أو الحصول على المعلومات. وتساعد هذه الوثيقة على تفسير التجربة العراقية، حيث تزامنت قيود الاتصال مع الاحتجاجات وتداول المعلومات بشأن العنف والانتهاكات. (21)
وتزداد أهمية هذه المعايير عندما تتحول المنصات الرقمية إلى بنية أساسية للمشاركة العامة. فالدولة لا تستطيع أن تفترض أن تقييد الاتصال إجراء محايد لمجرد أنه لا يمنع التجمع المادي بصورة مباشرة؛ إذ ينبغي تقييم آثاره الفعلية في التنسيق والتوثيق والتعبير والوصول إلى المعلومات، ومدى استيفائه شروط الشرعية والضرورة والتناسب. كما أن حماية الأمن العام لا تعفي السلطات من واجب توفير بيئة تمكّن الأفراد من ممارسة حقوقهم، ولا من واجب التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
ويقدم تقرير المقرر الخاص بشأن زيارته إلى الجزائر في عام 2023 مثالاً تطبيقياً على استخدام هذه المعايير في تقييم بيئة الاحتجاج والتنظيم المدني. فقد أشار إلى استمرار القيود والملاحقات التي طالت ناشطين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وإلى حل بعض الجمعيات أو رفض تسجيلها، مع التأكيد على أن الاستقرار طويل الأمد يتطلب احترام حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، وأن المجتمع المدني ينبغي أن يُعامل بوصفه شريكاً في الحياة العامة لا تهديداً لها.
ومن منظور المقارنة، تساعد هذه التقارير على ربط الحالات العراقية والجزائرية والمغربية والهندية بمعيار تحليلي موحد: هل تسمح البيئة القانونية والسياسية للمواطنين بالتعبير والتنظيم والتجمع، رقمياً وميدانياً، من دون تدخل تعسفي؟ وهل توجد آليات فعالة للانتصاف عندما تُقيّد هذه الحقوق أو تُنتهك؟ وبذلك لا يصبح معيار النجاح مجرد قدرة الحركة على الحشد، بل أيضاً مدى اتساع المجال العام الذي تستطيع الحركة والمجتمع استخدامه بصورة آمنة ومستمرة.
ج) الميثاق العربي لحقوق الإنسان — الإطار الإقليمي للمشاركة والاحتجاج
لا يقتصر الإطار المعياري الذي يحكم تحليل الحركات الشبابية في المنطقة العربية على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والوثائق التفسيرية الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة؛ إذ يوفر الميثاق العربي لحقوق الإنسان إطاراً إقليمياً ينبغي أخذه في الحسبان عند دراسة الاحتجاجات في الدول الأطراف فيه.
ويتضمن الميثاق ضمانات تتصل بالمشاركة في الحياة العامة، وحرية الرأي والتعبير، وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، فضلاً عن حماية الحياة الخاصة والحرية والأمان الشخصي. وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة في سياق الحركات الشبابية التي تستخدم المنصات الرقمية للتعبير عن المطالب وتنسيق التحركات ومساءلة السلطات. فحرية التعبير تتيح نشر النقد السياسي وتداول المعلومات، بينما يشكل التجمع السلمي وتكوين الجمعيات أساساً لتنظيم المشاركة الجماعية، وتمنح المشاركة في إدارة الشؤون العامة المواطنين حقاً يتجاوز التصويت الدوري إلى التأثير في النقاش والقرار العام. (22)
وينبغي قراءة هذه الحقوق بوصفها منظومة مترابطة. فإذا كان استخدام المنصات الرقمية ضرورياً لتنسيق تجمع سلمي أو نشر معلومات عنه، فإن تعطيل الاتصال أو معاقبة المشاركين بسبب تعبيرهم السلمي قد يؤثر في ممارسة أكثر من حق واحد. وإذا تعرض الصحفيون أو الناشطون للتهديد أو الملاحقة بسبب توثيقهم الاحتجاجات، فإن الأثر لا يقتصر على الأفراد المعنيين، بل يمتد إلى قدرة المجتمع على الوصول إلى المعلومات ومساءلة المؤسسات.
لكن الاستناد إلى الميثاق العربي يقتضي الدقة في تحديد نطاقه القانوني. فهو معاهدة إقليمية ملزمة للدول الأطراف فيه، ولا ينبغي عرض أحكامه باعتبارها التزاماً تعاهدياً واحداً يسري على جميع الدول العربية بلا تمييز. كما ينبغي عدم الخلط بين النصوص الملزمة في الميثاق وبين الإعلانات السياسية أو التوصيات الصادرة عن مؤسسات إقليمية أخرى. ويظل تقييم القيود على الحقوق خاضعاً لنص الميثاق، وللالتزامات الدولية الأخرى المنطبقة على الدولة المعنية.
وبالنسبة إلى المقالة، يوفر الميثاق العربي معياراً إقليمياً مكملاً للمقارنة الدولية. فهو يتيح اختبار مدى الاتساق بين الالتزامات التي قبلتها الدول في إطار حقوق الإنسان وبين الممارسات التي تواجه بها الاحتجاجات الشبابية. وتصبح المقارنة أكثر دقة حين تُدرس كل حالة على ضوء التزامات الدولة المعنية، والقوانين الوطنية المنظمة للتجمع والتعبير، والوقائع الموثقة، والضمانات المتاحة للطعن والانتصاف.
وبذلك لا يُستدعى الميثاق العربي بوصفه إحالة رمزية إلى خصوصية المنطقة، بل باعتباره جزءاً من الإطار القانوني الذي يمكن من خلاله تقييم علاقة الدولة بالمجال العام. فالمعيار الحاسم ليس مجرد وجود ضمانات مكتوبة، بل مدى تمكين المواطنين من ممارستها فعلياً، ومن دون تمييز أو خوف من الانتقام بسبب المشاركة السلمية في الشأن العام.
ثامناً: من التعبئة إلى التغيير — المعضلة التنظيمية والسياسية
تستطيع الحركة الشبابية أن تنجح في جذب الانتباه، وفرض قضية على جدول الأعمال، وحشد آلاف المشاركين، وربما دفع الحكومة إلى التراجع عن قرار أو إقالة مسؤول. لكن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن الأسباب البنيوية للاحتجاج قد تغيرت.
فإصلاح التعليم يحتاج إلى سياسات وتمويل ومؤسسات رقابية وآليات لتقييم النتائج. وتحسين الخدمات الصحية يتطلب موارد بشرية ومادية، وإدارة فعالة، ونظم مساءلة. وضمان نزاهة الانتخابات يحتاج إلى قواعد واضحة وإجراءات قابلة للتحقق وسبل انتصاف فعالة. ولا تستطيع حملة رقمية، مهما بلغ انتشارها، أن تحل محل هذه الوظائف المؤسسية.
ولا ينبغي فهم هذا التمييز بوصفه تقليلاً من قيمة الاحتجاج. فالحركة تستطيع أن تكشف المشكلة، وترفع كلفة تجاهلها، وتدفع المؤسسات إلى الاستجابة، وتفتح المجال أمام فئات لم تكن ممثلة في النقاش العام. لكنها لا تستطيع أن تضمن وحدها طبيعة الاستجابة أو استمرارها.
1. معضلة القيادة والتمثيل
تواجه الحركات اللامركزية سؤالاً يصعب تجنبه: من يتحدث باسمها؟ فإذا كانت الحركة ترفض القيادة التقليدية، فمن يملك صلاحية التفاوض مع الحكومة؟ وإذا اتخذت جهة ما قراراً بالتسوية أو التصعيد، فكيف يُعرف أن القرار يعبر عن المشاركين؟
ولا توجد إجابة واحدة تناسب جميع الحركات. فقد تظل بعض الحركات شبكات ضغط مؤقتة، بينما تسعى أخرى إلى بناء تنظيم مستمر أو الاندماج في مؤسسات سياسية قائمة. لكن أياً كان المسار، فإن وجود آليات معلنة للمشاركة والتمثيل والمحاسبة يساعد على منع احتكار القرار من قبل أفراد أو مجموعات لم تحصل على تفويض واضح.
2. معضلة توحيد المطالب
تستطيع المظلمة المشتركة أن تجمع فئات مختلفة، حتى لو اختلفت مصالحها وتصوراتها للسياسة. لكن عندما تنتقل الحركة من شعار عام إلى برنامج، تظهر الاختلافات: هل تكون الأولوية للإصلاح الاقتصادي أم السياسي؟ هل تقبل الحركة تنازلات جزئية؟ هل تدخل في مفاوضات؟ هل تشارك في الانتخابات؟ وكيف تتعامل مع القوى السياسية التي تسعى إلى استثمار زخمها؟
هذه الأسئلة لا تدل على فشل الحركة، بل على انتقالها من مرحلة التعبير عن الرفض إلى مرحلة اتخاذ القرارات. غير أن تجاهلها قد يؤدي إلى الانقسام أو التراجع أو استحواذ قوى أكثر تنظيماً على نتائج الاحتجاج.
3. معضلة الاستمرار بعد تراجع الزخم
تعتمد الموجة الاحتجاجية على عوامل لا يمكن التحكم فيها بالكامل: الحدث الذي يشعل الغضب، وتفاعل الجمهور، ورد الدولة، والتغطية الإعلامية، والموارد المتاحة. وقد يتراجع الاهتمام بعد أسابيع أو أشهر، حتى إن بقيت المظالم قائمة.
ومن هنا تظهر أهمية العمل طويل الأمد: توثيق المطالب، ومتابعة الوعود الحكومية، وبناء شبكات اجتماعية ومهنية، وتطوير المعرفة بالسياسات العامة، وإنشاء قنوات للتواصل مع المجتمع خارج الدائرة الأكثر نشاطاً على المنصات. فالاستمرار لا يعني بالضرورة بقاء الاحتجاج في الشارع بلا انقطاع؛ بل قد يعني تحويل الضغط إلى أشكال متواصلة من الرقابة المدنية والمشاركة العامة.
4. من إسقاط المسؤول إلى تغيير القواعد
من المؤشرات المهمة على نضج الحركة قدرتها على التمييز بين المسؤول عن قرار محدد وبين البنية التي تسمح بتكرار المشكلة. فقد يؤدي تغيير وزير أو مسؤول إلى استجابة سريعة، لكنه لا يضمن تغيير قواعد التوظيف أو إدارة المستشفيات أو توزيع الموازنة أو الرقابة على الانتخابات.
ولهذا ينبغي تقييم الحركات وفق نتائج متعددة: هل تغيرت السياسات؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل اتسعت فرص المشاركة؟ هل زادت شفافية المؤسسات؟ وهل أصبحت القرارات قابلة للمساءلة؟ هذه المؤشرات أعمق من عدد المتابعين أو حجم التفاعل الرقمي أو حتى عدد المتظاهرين في ذروة التعبئة.
تاسعاً: نحو إطار نظري لفهم الثورة في العصر الرقمي
تقترح المقالة إطاراً تفسيرياً يتكون من خمس حلقات مترابطة. ولا يفترض هذا الإطار أن جميع الحركات تمر بمراحل متتابعة بالضرورة، أو أن كل تعبئة تنتهي بثورة، بل يساعد على تحليل الشروط التي تنتقل من خلالها المظالم إلى الفعل الجماعي، والظروف التي قد يتوقف عندها هذا الانتقال.
- الحلقة الأولى: المظلمة الاجتماعية (البطالة، تدهور الخدمات، الفساد، التمييز، أو الإقصاء السياسي)
- الحلقة الثانية: التأطير وإنتاج المعنى (تحويل التجارب الفردية إلى رواية مشتركة، ورمز، ولغة احتجاجية)
- الحلقة الثالثة: التعبئة الشبكية (تبادل المعلومات، بناء الروابط، تنسيق المشاركة وتوسيع الجمهور)
- الحلقة الرابعة: اختبار القوة في المجال العام (الاحتجاج الميداني، رد الدولة، التفاوض، القمع أو التنازل)
- الحلقة الخامسة: النتائج السياسية والاجتماعية (إصلاح، احتواء، انقسام، تراجع، أو بناء بديل مستدام)
النموذج تحليلي لا حتمي؛ فقد تعود الحركة إلى التعبئة بعد القمع، أو تحقق تنازلاً جزئياً، أو تتوقف عند التأطير الرقمي من دون انتقال واسع إلى الشارع.
1. المظلمة: الشرط الاجتماعي السابق على التقنية
لا تخلق التكنولوجيا المظالم من العدم. فقد توجد البطالة أو اللامساواة أو أزمة الخدمات قبل ظهور الحركة بسنوات. لكن وجود المظلمة لا يكفي وحده لإنتاج احتجاج واسع؛ إذ قد يعيش أفراد كثيرون المشكلة نفسها من دون أن يروا بينها رابطاً أو يعتقدوا أن العمل الجماعي قادر على تغييرها.
2. التأطير: كيف تصبح التجربة الفردية قضية عامة؟
تحتاج المظلمة إلى لغة مشتركة تحدد ما الذي حدث، ولماذا يعد مشكلة، ومن يتحمل المسؤولية، وما الذي ينبغي تغييره. وقد تكون هذه اللغة خطاباً مباشراً عن الخدمات العامة، كما في الحالة المغربية، أو رمزاً ساخراً يعيد تعريف الإهانة بوصفها هوية احتجاجية، كما في الحالة الهندية.
وهنا يصبح إنتاج المعنى فعلاً سياسياً بحد ذاته. فالاحتجاج لا يكتفي بوصف الواقع، بل ينازع السلطة والمجتمع على تفسيره: هل البطالة نتيجة إخفاق فردي، أم مشكلة بنيوية؟ هل نقص الخدمات حادث عابر، أم مؤشر على خلل في توزيع الموارد؟ وهل إهانة فئة من الشباب مجرد عبارة، أم تعبير عن علاقة أوسع بالتهميش؟
3. التعبئة: من المعنى المشترك إلى الفعل المنسق
تساعد الشبكات الرقمية على نشر التأطير، وربط الأفراد، وتبادل المعلومات اللازمة للمشاركة. لكنها لا تحول كل متفاعل إلى محتج؛ فالمشاركة تتأثر بالثقة، والوقت، والموارد، والخوف من العواقب، والروابط الاجتماعية، وتقدير فرص النجاح.
وتوضح دراسة شيرمان وريفيرا عن تشيلي أن نوع الاستخدام الرقمي، لا مجرد استخدام المنصة، يرتبط بالمشاركة. كما تبيّن دراسة جوسـت وزملائه أن المعلومات والدوافع والشبكات تعمل معاً في تسهيل الاحتجاج. وبذلك لا ينبغي التعامل مع «وسائل التواصل» بوصفها متغيراً واحداً مستقلاً عن طبيعة النشاط الذي يجري داخلها.
4. المجال العام: حين تختبر الحركة قدرتها
تختبر الحركة قوتها عندما تنتقل من تداول الرسائل إلى مواجهة المؤسسات والسلطات والمجتمع الأوسع. وقد يؤدي هذا الانتقال إلى توسيع قاعدة التأييد، لكنه قد يكشف أيضاً خلافات داخلية أو يثير استجابة قمعية أو يضع الحركة أمام الحاجة إلى تحديد ممثلين ومطالب قابلة للتفاوض.
ولا ينفصل المجال الرقمي في هذه المرحلة عن الشارع. فالرسائل تساعد على التنسيق والتوثيق، بينما يمنح الحضور الميداني الحركة قدرة على إظهار حجمها الاجتماعي، وإحداث ضغط مباشر، وفتح مجال للتفاعل بين مشاركين ربما لم يلتقوا من قبل.
5. النتائج: التغيير ليس نتيجة تلقائية للانتشار
قد تنتهي التعبئة بتراجع حكومي أو تغيير مسؤول، وقد تتوسع إلى تحول سياسي أكبر، وقد تتعرض للانقسام أو الاحتواء أو القمع. ولا يمكن تفسير هذه النتائج من خلال التكنولوجيا وحدها؛ إذ تتدخل بنية الدولة، وموازين القوة، وطبيعة المؤسسات، والموارد التنظيمية، والتحالفات الاجتماعية، والظروف الاقتصادية.
وبذلك يصبح الإطار المقترح وسيلة لتجنب تفسيرين متقابلين ومبسّطين: الأول يبالغ في قدرة التكنولوجيا على صناعة الثورات، والثاني يقلل من أثرها باعتبارها مجرد وسيلة اتصال لا تغير شيئاً. فالتكنولوجيا لا تحل محل المجتمع، لكنها تعيد تشكيل بعض شروط الفعل داخل المجتمع.
عاشراً: الخلاصة العامة — الثورة الرقمية ليست ثورة بلا مجتمع
لا تعني الثورة في العصر الرقمي أن المجتمع انتقل من الواقع إلى الشاشة، ولا أن المنصات أصبحت بديلاً عن السياسة والتنظيم والمؤسسات. ما تغير هو السرعة التي يمكن بها للمظالم أن تجد لغة مشتركة، والمسافة التي يمكن أن تقطعها الرسائل، والقدرة على تنسيق الفعل خارج الهياكل التقليدية. أما شروط التغيير العميق — من توازنات القوة إلى الموارد والمؤسسات والتحالفات الاجتماعية — فلا تختفي لمجرد أن التعبئة أصبحت رقمية.
تكشف التجارب الدولية أن الشبكات يمكن أن تؤدي وظائف متعددة: نقل المعلومات، وتوثيق الانتهاكات، وبناء هوية جماعية، وتنسيق التحركات، وفتح المجال العام أمام أصوات جديدة. لكنها قد تصبح أيضاً ساحة للتضليل والمراقبة والاستقطاب، وقد تخضع قواعد ظهور المحتوى فيها لمصالح الشركات أو ضغوط الحكومات. ولذلك فإن دراسة الاحتجاج الرقمي تتطلب النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها جزءاً من علاقات القوة، لا فضاءً مستقلاً عنها.
وتوضح المقارنة بين المغرب والهند أن الثقافة الرقمية ليست مجرد غلاف جديد للاحتجاج التقليدي. فقد تكون المطالب الاجتماعية المباشرة نقطة الانطلاق، كما في جيل زد 212، وقد تكون السخرية والرموز وسيلة لإعادة تعريف التهميش، كما في حركة حزب الصراصير. وفي الحالتين، تتحول اللغة إلى مورد سياسي حين تمنح التجارب الفردية معنى مشتركاً وتفتح المجال أمام الفعل الجماعي.
لكن قدرة الحركة على إنتاج المعنى والانتشار لا تضمن نجاحها في تحويل المطالب إلى سياسات. فالاحتجاج على تدهور الخدمات لا يساوي إصلاحها، والاحتجاج على التمييز لا يضمن إنهاءه، والتعبئة حول نزاهة الانتخابات لا تكفي وحدها لضمان سلامة الإجراءات الانتخابية. يحتاج التغيير إلى مؤسسات قابلة للمساءلة، وإلى تنظيم قادر على الاستمرار، وإلى قواعد واضحة للتمثيل، وإلى حماية الحقوق الأساسية.
ومن هنا، لا ينبغي قياس نجاح الحركات الشبابية بعدد المتابعين أو مشاهدات المقاطع أو حجم الحشود في يوم واحد فحسب. الأهم هو ما إذا كانت قد وسعت المشاركة العامة، وغيّرت السياسات، وحسّنت الخدمات، وفتحت المجال أمام مساءلة المؤسسات، وأنتجت طرقاً أكثر ديمقراطية لاتخاذ القرار.
وتقودنا هذه النتائج إلى ثلاث خلاصات. أولاً، إن المظالم لا تتحول إلى حركة من تلقاء نفسها؛ بل تحتاج إلى لغة مشتركة وشبكات قادرة على ربط الأفراد. ثانياً، إن الانتشار الرقمي يوسع فرص التعبئة لكنه لا يضمن وحدة الحركة أو استمرارها. ثالثاً، إن الانتقال من الاحتجاج إلى التغيير يتطلب وصل الشارع بالمؤسسات، والرمز بالبرنامج، والمشاركة بآليات للمحاسبة.
وعليه، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الشباب قادرين على إشعال موجة احتجاج عبر الإنترنت، بل ما إذا كانت المجتمعات ومؤسساتها قادرة على الاستجابة للمظالم التي تكشفها تلك الموجات. فالمنصات قد تسرّع ظهور الأزمة، وتوسع دائرة الشهود، وتمنح الغضب لغة مشتركة؛ لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن العدالة أو تبني نظاماً أكثر ديمقراطية.
الثورة الرقمية، في نهاية المطاف، ليست ثورة بلا مجتمع؛ إنها صراع داخل المجتمع على من يملك حق الكلام، ومن يحدد القضايا العامة، وكيف تتحول المشاركة من لحظة احتجاج إلى قدرة مستدامة على التأثير في القرار.
***
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
باحث في مجال حقوق الانسان
..............................
قائمة المراجع النهائية
أولاً: الكتب والدراسات النظرية
1. Castells, Manuel. Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age. 2nd ed. Cambridge: Polity Press, 2015. رابط الناشر/البيانات الببليوغرافية: Networks of Outrage and Hope.
2. Habermas, Jürgen. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Translated by Thomas Burger with Frederick Lawrence. Cambridge, MA: MIT Press, 1989. يُستخدم هذا المرجع لتأطير مفهوم المجال العام، مع ضرورة التمييز بين المجال العام في صيغته التاريخية التقليدية وبين البيئات الرقمية المعاصرة.
3. Jost, John T., Pablo Barberá, Richard Bonneau, Melanie Langer, Megan Metzger, Jonathan Nagler, Joanna Sterling, and Joshua A. Tucker. “How Social Media Facilitates Political Protest: Information, Motivation, and Social Networks.” Political Psychology 39, Supplement 1 (2018): 85–118. DOI: 10.1111/pops.12478.
4. Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. New York: PublicAffairs, 2019. يُستفاد منه في تحليل العلاقة بين جمع البيانات، والاقتصاد الرقمي، والقوة التي تمارسها المنصات، مع تجنب استخدام مفهوم «رأسمالية المراقبة» باعتباره تفسيراً وحيداً لجميع أشكال النشاط الرقمي.
ثانياً: الدراسات الأكاديمية المتخصصة في الاحتجاج الرقمي
5. Guta, Hala A. “Meditating the Revolution: Analysis of the Sudanese Professionals Association Communicative Strategies During Sudan’s 2018–2019 Revolution.” International Journal of Communication 17 (2023): 1083–1101. النص الكامل: قراءة الدراسة.
6. Lai, Yan Ho, and Ming Sing. “Solidarity and Implications of a Leaderless Movement in Hong Kong: Its Strengths and Limitations.” دراسة أكاديمية عن حركة هونغ كونغ الاحتجاجية عام 2019. سجل الدراسة: صفحة الدراسة في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا. ملاحظة توثيقية: ينبغي استكمال بيانات المجلد والعدد والصفحات من سجل الناشر قبل إعداد نسخة نهائية وفق أسلوب شيكاغو.
7. Scherman, Andrés, and Sebastian Rivera. “Social Media Use and Pathways to Protest Participation: Evidence From the 2019 Chilean Social Outburst.” Social Media + Society 7, no. 4 (2021). DOI: 10.1177/20563051211059704.
ثالثاً: تقارير المنظمات الدولية ومصادر حقوق الإنسان
8. United Nations Human Rights Office of the High Commissioner (OHCHR). “Bangladesh: UN Report Finds Brutal, Systematic Repression of Protests, Calls for Justice for Serious Rights Violations.” 12 February 2025. النص الرسمي للتقرير.
9. United Nations Human Rights Council. International Independent Fact-Finding Mission on the Islamic Republic of Iran: Detailed Findings. 2024. النتائج التفصيلية لبعثة تقصي الحقائق. ينبغي عند توسيع التحليل القانوني الاستشهاد برقم الوثيقة الأممية الرسمية، مثل A/HRC/55/67، وبالفقرات المحددة التي تسند كل نتيجة.
10. United Nations. International Covenant on Civil and Political Rights. Adopted 16 December 1966, entered into force 23 March 1976. النص الرسمي: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
رابعاً: تقارير الصحافة ومصادر الحالات الدولية
11. Reuters. تغطية احتجاجات جيل زد 212 في المغرب، سبتمبر–أكتوبر 2025. الحكومة المغربية والمطالب الاجتماعية.
12. Reuters Institute for the Study of Journalism. Digital News Report 2025: Kenya. 17 June 2025. تقرير كينيا.
13. Reuters Institute for the Study of Journalism. Digital News Report 2026: Morocco. 16 June 2026. تقرير المغرب.
14. Freedom House. Freedom on the Net 2022: Sri Lanka. 2022. تقرير حرية الإنترنت في سريلانكا.
15. Reuters. تغطية احتجاجات نيبال الشبابية، 8 سبتمبر 2025. تقرير عن احتجاجات نيبال. ملاحظة: الرابط المتاح هنا يعرض التقرير عبر منصة Investing.com؛ ويفضل في التوثيق النهائي اعتماد رابط رويترز الأصلي إن كان متاحاً.
16. Reuters. “Delhi Sealed Off Ahead of Youth Protest Against Indian Election Chief.” 10 October 2026. تقرير رويترز عن الاحتجاجات الهندية.
17. Associated Press. “'Cockroach' Movement Leaders Jailed for 5 Days After Scaling Barricades at New Delhi Protest.” 14 October 2026. تقرير أسوشيتد برس.
18. The Guardian. “Who Are India’s Cockroach Janta Party and Why Are They Staging Protests?” 20 July 2026. تقرير عن نشأة الحركة الهندية.
19. The Guardian. “India’s ‘Cockroach’ Party Accuses Government of Mass Detention of Members Ahead of Weekend Protest.” 9 October 2026. تقرير عن الاحتجاجات والاعتقالات في الهند.
20. Al Jazeera. تغطية احتجاجات حركة حزب الصراصير في نيودلهي، 6 June 2026. تقرير الجزيرة.
21. Reuters Institute for the Study of Journalism. “How Young Kenyans Turned to News Influencers When Protesters Stormed the Country’s Parliament.” 24 January 2025. تقرير عن الإعلام والاحتجاجات في كينيا.
22. Carnegie Endowment for International Peace. “The Aragalaya Protest Movement and the Struggle for Political Change in Sri Lanka.” August 2025. تحليل حركة أراغالايا.








