عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

غالب المسعودي: الليبرالية الجديدة وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط

تتجلى الليبرالية الجديدة في جوهرها كطورٍ متقدمٍ ومأزومٍ في آنٍ واحد من أطوار الرأسمالية العالمية، حيث تتجاوز كونها مجرد حزمة من السياسات الاقتصادية لتستحيل إلى منظومة فكرية شاملة تعيد صياغة الوجود الإنساني برُمّته، وتفكك الروابط التقليدية بين الفرد والمجتمع والدولة. وفي سياق الشرق الأوسط، لم تكن هذه التحولات نتاج تطور داخلي صرف، بل جاءت استجابة قسرية في كثير من الأحيان لضغوط بنيوية بدأت مع أزمات المديونية وصدمات النفط في سبعينيات القرن العشرين، مما أدى إلى تحويل الدولة من مشروع وطني تنموي إلى كيان هشّ يسهل اختراقه واستنزاف موارده. إن هذا التحول لا يقتصر على الأبعاد المالية الجافة، بل يمتد ليشمل محاربة أسس الدولة المدنية القائمة على المواطنة والمساواة، واستبدالها بنماذج من التشدد المنقّح أو الاعتدال المصنّع الذي يخدم استقرار السوق ومصالح القوى الكبرى، وهو ما يستدعي فحصاً دقيقاً للجذور البنيوية التي أدت لنشوء ما يعرف بالدولة الرخوة.

لم تنبثق هذه الدولة الرخوة في المنطقة من فراغ، بل كانت نتاجاً لسلسلة من الصدمات الاقتصادية التي بدأت معالمها تتشكل منذ عقود. فقد شكلت حرب عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف وصعود أسعار النفط نقطة التحول الأولى، حيث أدى تراكم الأموال النفطية في المصارف الغربية إلى تدفق القروض نحو دول العالم الثالث التي كانت تعاني من عجز مالي حاد. ومع حلول عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف، أدى التغيير السياسي الجذري في إيران إلى صدمة نفطية ثانية، تزامنت مع إجراءات نقدية صارمة في الولايات المتحدة لرفع معدلات الفائدة بشكل دراماتيكي لكبح التضخم، مما رفع تكلفة الديون على دول المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، وأوقع الدولة العربية في فخ المديونية المزمنة. هذا الفخ هو الذي منح المؤسسات المالية الدولية الضوء الأخضر لفرض ما يسمى ببرامج التكيف الهيكلي، وهي برامج استندت إلى توافقات دولية طالبت بتفكيك دور الدولة في الاقتصاد، وخصخصة القطاعات العامة، وإلغاء الدعم عن المواد الأساسية، مما أدى إلى تآكل العقد الاجتماعي الذي كان يربط الدولة بالطبقات الشعبية.

في هذا السياق، يمكن تعريف الدولة الرخوة بأنها تلك التي تتخلى طواعية أو قسراً عن مسؤولياتها التنموية والاجتماعية، وتكتفي بدور الحارس لمصالح القوى الاحتكارية المحلية ورأس المال العالمي. ومن المفارقات الصارخة أن هذه الدولة تظهر رخوة وهشة أمام الضغوط الخارجية وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، لكنها تظل صلبة وعنيفة في قمع الاحتجاجات الشعبية الناتجة عن التهميش الاقتصادي. وتتعرض هذه الدول لممارسات استثمارية مفترسة تستغل عجزها عن سداد الديون، حيث تبرز كيانات مالية تُعرف بصناديق المضاربة الانتهازية التي تشتري ديون الدول المتعثرة بخصومات هائلة، ثم تقاضي هذه الدول في المحاكم الدولية للمطالبة بكامل القيمة الاسمية للديون مع الفوائد والجزاءات، مما يستنزف موارد التنمية الشحيحة ويشل عمليات الإغاثة المالية.

علاوة على ذلك، تبرز ممارسات الإقراض غير المسؤولة المرتبطة بمبادرات دولية كبرى، حيث يتم إغراق الدول الهشة بقروض لمشاريع بنية تحتية ضخمة لا تتناسب مع قدرتها على السداد، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى سيطرة المقرض على الأصول السيادية والمرافق الحيوية. إن هذه الآليات تعمل كقوة مضادة لبناء الدولة المدنية، فبينما تتطلب الدولة المدنية فضاءً عاماً حراً وعدالة اجتماعية ومواطنة متساوية، تقوم الليبرالية الجديدة بتقويض هذه الأسس لصالح منطق السوق والفردية المفرطة. وتستند هذه الفلسفة إلى إنكار وجود المجتمع ككيان عضوي، مما يعني غياب المسؤولية الجماعية عن الرفاه الإنساني، ويؤدي بالضرورة إلى تآكل القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، حيث يتم تبرير التفاوت الصارخ بأنه نتيجة طبيعية للاستحقاق الفردي في حلبة المنافسة.

تشظي القوى الاجتماعية

إن هذا التشظي في القوى الاجتماعية أدى إلى استبدال السياسات الطبقية الجامعة بسياسات هوياتية أو فردية ضيقة، مما أضعف النقابات ومنظمات المجتمع المدني التي تشكل عماد الدولة المدنية. ومع سحب الدولة لخدماتها بذريعة الإصلاح الاقتصادي، انتشر الفقر وتصاعدت الاحتجاجات، وهي فراغات غالباً ما تملؤها الحركات الدينية نتيجة غياب البدائل المدنية المنظمة. وعلى عكس الادعاءات التي تروج بأن الحرية الاقتصادية تؤدي حتماً إلى الديمقراطية، أثبتت التجربة التاريخية في المنطقة أن الليبرالية الجديدة غالباً ما تتحالف مع الأنظمة المستبدة لضمان استقرار السوق، حيث أدت عمليات الخصخصة إلى إثراء نخبة صغيرة من رجال الأعمال المقربين من السلطة على حساب إفقار الملايين، وهو ما أنتج نموذجاً من الاستبداد المالي الذي يستخدم السياسات الاقتصادية لتقليم أظافر المعارضة والحد من المشاركة السياسية الحقيقية.

في موازاة هذه الهندسة الاقتصادية، تجري عملية هندسة جيوسياسية تحت مسمى التشدد المنقّح أو صناعة الاعتدال، وهي أداة لضبط المنطقة وتوجيه تدينها بما يتوافق مع المصالح الأمنية للقوى الكبرى. هذا النموذج ليس عودة للدين في شكله النقي، بل هو إعادة صياغة للخطاب الديني ليكون متوافقاً مع الفردية الرأسمالية والولاء السياسي المطلق. ويتم استخدام خطاب الاعتدال كقوة ناعمة وصلبة في آن واحد لتبييض السجلات الحقوقية وجذب الاستثمارات، بينما تستمر الممارسات القمعية في الداخل. وتتضمن هذه الهندسة ما يمكن تسميته بالخصخصة الروحية، عبر تشجيع نماذج من التدين الفردي التي تركز على الخلاص الروحي المنعزل بعيداً عن أي اشتباك مع قضايا العدالة الاجتماعية أو موازين القوة الاقتصادية، مما يجعلها نماذج آمنة لا تهدد بنية السوق أو الهيمنة السياسية.

التحليل الفلسفي للواقع الراهن

يربط التحليل الفلسفي للواقع الراهن بين الأزمات الأمنية العنيفة وتمرير الأجندات الاقتصادية القاسية، حيث تعتمد السياسات الدولية أحياناً على إحداث صدمة أمنية كبرى تضع الشعوب في حالة من الهلع، مما يشل قدرتها على مقاومة الصدمات الاقتصادية اللاحقة التي تتضمن سحق ما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعي. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مشاريع إعادة الإعمار الكبرى كفرصة لجني الأرباح قبل أن تجف دماء الضحايا، حيث تتنافس الشركات الدولية على مقاولات ضخمة في مناطق دمرتها الحروب التي غذتها السياسات الأمنية ذاتها. إن هذه السياسات أدت إلى ارتهان السيادة الوطنية للمديونية الخارجية، وأفقدت الدول القدرة على رسم استراتيجيات تنموية مستقلة تخدم مصالح شعوبها، وخلقت فجوة هائلة بين نخب معولمة مرتبطة بالاستثمار الأجنبي وأغلبية مهمشة تتحمل عبء التضخم والبطالة.

الفارق الوظيفي

إن الفارق الوظيفي بين الدولة التنموية المستقلة والدولة الرخوة التي أنتجتها الليبرالية الجديدة يكمن في الهدف والمحرك والعقد الاجتماعي؛ فبينما تسعى الدولة التنموية لتحقيق السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية عبر الاستثمار في التصنيع والزراعة والبشر، تكتفي الدولة الرخوة بتسهيل تراكم رأس المال وحماية الملكية الخاصة عبر الاستثمار في العقارات والخدمات المالية والترفيهية. وإذا كان العقد الاجتماعي للدولة التنموية يقوم على الدعم والتعليم المجاني والتوظيف الكامل، فإن نموذج الليبرالية الجديدة يرتكز على الخصخصة والتقشف المالي، مما يحول السياسة الأمنية من حماية المشروع الوطني والحدود إلى حماية النخبة وقمع الاحتجاج الاجتماعي.

ونتيجة لفشل الدولة الرخوة في توفير الأمن الاقتصادي، يميل المهمشون نحو خطابات هوياتية أو دينية متطرفة كآلية للدفاع عن الذات، وهو ما تستغله الأنظمة لتبرير مزيد من القمع الأمني تحت لافتة محاربة الإرهاب. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب رؤية جديدة تتجاوز أوهام الليبرالية الجديدة، وفي مقدمتها وهم كفاءة السوق الحرة المطلقة، ووهم الرشح الاقتصادي الذي يدعي أن ثراء الأغنياء سيفيد الفقراء بالضرورة. إن النهضة الحقيقية تتطلب شراكة جماعية تشمل الدولة المركزية القوية، والمجتمع المدني الفاعل، والقطاع الخاص الوطني، والمنظمات النقابية، بهدف توطين العلم والتكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية محلية بدلاً من الاعتماد على الاستيراد الاستهلاكي.

الدولة المدنية الحقيقية

تظل الدولة المدنية الحقيقية هي الضمان الوحيد لمواجهة التشدد المصنّع والاستبداد المالي، فهي الدولة التي تحترم التعددية، وتصون الكرامة الإنسانية، وتجعل من الاقتصاد وسيلة لرفاه الإنسان لا غاية في حد ذاته لخدمة رأس المال العابر للحدود. إن التحول من الدولة الرخوة المستلبة إلى الدولة القوية بشعبها ومؤسساتها هو التحدي الأبرز الذي يواجه منطقة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، وهو المسار الوحيد لاستعادة السيادة المفقودة وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة بعيداً عن هيمنة النماذج الاقتصادية المفروضة من الخارج.

***

غالب المسعودي