عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

نبيل الربيعي: إخوان الصفا ومعطيات علم النفس والأعصاب الحديثة

لم تكن مسألة الإبداع وليدة العصر الحديث، بل شغلت عقول الفلاسفة والعلماء منذ أقدم الأزمنة، فتباينت حولها التفسيرات بين من رآها انحرافاً بيولوجياً، ومن اعتبرها طاقة نفسية طبيعية، وآخرين أرجعوها إلى بنية الدماغ ووظائفه العليا. وفي هذا السياق، اقدم قراءة تعيد وصل الفكر العربي التراثي، ممثلاً بإخوان الصفا، مع معطيات علم النفس والأعصاب الحديثة.

ارى أن الإبداع ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين البنية الدماغية من جهة، والمحيط الاجتماعي والثقافي من جهة أخرى. فالدماغ، بما يحويه من مراكز ووظائف، يشكل الأساس المادي للإبداع، لكن مضمونه يتحدد عبر التجربة واللغة والتنشئة.

هذا التصور يتقاطع بشكل لافت مع ما طرحه إخوان الصفا قبل قرون طويلة، كما ورد في رسائلهم (الجزء الثالث من 244- 245) النص حين تحدثوا عن (قوى النفس) بوصفها منظومة متكاملة تعمل داخل الجسد، تتوزع بين الحس والتخيل والتفكير والحفظ والنطق، في صورة قريبة جداً مما يعرف اليوم بـ(الوظائف العقلية العليا).

في رسائلهم، شبه إخوان الصفا الدماغ بدولة يقودها "الملك" (القوة المفكرة)، وتعاونه قوى أخرى كالتخيل والحفظ والنطق والصناعة. هذا التصور الرمزي لا يبتعد كثيراً عن الفهم العلمي الحديث الذي يرى الدماغ جهازاً موحداً يعمل عبر مراكز متخصصة، لكنها مترابطة وظيفياً.

فالقوة المتخيلة، مثلاً، تقابل في المفهوم المعاصر عمليات معالجة الصور الذهنية، بينما تمثل القوة الحافظة الذاكرة، والقوة الناطقة الوظيفة اللغوية، أما القوة الصانعة فتشير إلى المراكز الحركية الدقيقة المرتبطة باليدين والأصابع.

تتجلى عبقرية إخوان الصفا أيضاً في تحليلهم لتدرج المعرفة الإنسانية. فقد ميزوا بين مراحل تبدأ بالإحساس، ثم الإدراك الحسي، وصولاً إلى الإدراك العقلي المجرد. وهذا ما أثبته لاحقاً علماء النفس المعاصرون مثل جان بياجيه (1856م)، الذين أكدوا أن المعرفة تنمو تدريجياً من التجربة الحسية إلى التفكير المجرد. فالإنسان، في بداياته، يدرك العالم عبر الحواس، ثم يبدأ بتمييز الأشياء وربطها بالأسماء، إلى أن يصل إلى مرحلة التجريد والتعميم، حيث تصبح اللغة أداة التفكير الأساسية.

تناول إخوان الصفا قضية العلاقة بين اللغة والفكر بعمق لافت، معتبرين أن الألفاظ هي (أجساد) والمعاني (أرواحها). وهذا التصور ينسجم مع ما ذهب إليه لاحقاً علماء مثل ليف فيغوتسكي (1896– 1934م)، الذي رأى أن الكلمة وحدة تجمع بين الصوت والمعنى، وأن الفكر واللغة متداخلان دون أن يذوب أحدهما في الآخر. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لتشكيل الفكر نفسه، والإبداع لا يمكن أن ينفصل عن هذه العلاقة العضوية بينهما.

يشير النص الثالث من رسائلهم إلى أن الفروق بين الأفراد في القدرات الإبداعية ليست ناتجة أساساً عن اختلافات جوهرية في الدماغ، بل عن تفاوت الظروف البيئية والثقافية. فالإمكانات متقاربة، لكن استثمارها يختلف باختلاف فرص التعليم، ومستوى الوعي، وطبيعة البيئة الاجتماعية. وهذا يضع مسؤولية كبيرة على المؤسسات التربوية والثقافية، إذ إن تنمية الإبداع ليست شأناً فردياً فقط، بل مشروعاً مجتمعياً يرتبط بالعدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.

ما يلفت في أطروحات إخوان الصفا هو دقتها العلمية رغم بساطة المصطلح، إذ لو استبدلت كلمات مثل (النفس) و(القوى) بمفاهيم حديثة كـ(الدماغ) و(المراكز العصبية)، لبدت هذه الأفكار وكأنها تنتمي إلى علم الأعصاب المعاصر. بل إن بعض ملاحظاتهم، تفوق في دقتها ما ذهب إليه فلاسفة لاحقون مثل ديكارت (1596- 1650م)، ما يدل على عمق التجربة الفكرية العربية وقدرتها على استباق كثير من النظريات الحديثة.

يخلص هذا الطرح إلى أن الإبداع، في جوهره، ليس لغزاً غامضاً ولا حالة استثنائية منفصلة، بل هو نتيجة تفاعل حي بين الدماغ والبيئة، بين الفطرة والتجربة، وبين اللغة والفكر.

وما قدمه إخوان الصفا قبل ألف عام، يثبت أن التراث العربي لم يكن بعيداً عن روح العلم، بل كان، في كثير من جوانبه، سابقاً لعصره… ينتظر فقط من يعيد اكتشافه بلغة العصر.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي